حسين الاعـظمي

 

عرض صفحة الكاتب 

يوميات حسين الاعـظمي (1366)

مانشيت/ 4 المدرسة اللبنانية

 

حلقات مقتطعة من كتابي (افكار غناسيقية) الجزء الثاني، كتاب مخطوط لم يصدر بعد.

بعض المانشيتات الداخلية من (الفصل الخامس) والبحث المشارك في (مؤتمر الموسيقى الدولي، حياة وديع الصافي) المقام من قبل كلية الموسيقى بجامعة الروح القدس، الكسليك، لبنان. تموز 2014.

البحث (الطريقة الصافية في الغناء اللبناني والعربي).

***

مانشيت / 4   المدرسة اللبنانية

       ان الظروف الغنائية، أو ظروف الحياة، العاكسة للاحداث الجسام، التي يعيشها اللبنانيون، تعتمد ايضا في جوهرها على الاحداث الخارجية التي يعيشها الانسان في كل الشعوب، وعلى الاخص شعوب البلدان العربية والبلدان المجاورة، حيث لا يمكن ان نجد وحدة ثقافية حقيقية منعزلة عن محيطها القريب او محيطها الاقرب والاوسع، فحركة الحياة حركة مرتبطة ببعضها وان تفاوتت النسب، وفقا لما يمكن ان تكون عليه الظروف، ولعل قيام الحرب العالمية الاولى(1914م1918) خير مثال على شمولية التاثيرات الانسانية. ولكن بالرغم من كل ذلك، هناك حضور لمحيط البيئة الاضيق في كيفية المعايشة مع هذه التاثيرات، الا ان هذه النسبة تاخذ صورة محلية خاصة في الانعكاس الفني عن الواقع. لان الفن لكي يكون فنّاً، وفنّاً متطورا، يجب ان ينطلق من جذوره البيئية والتاريخية، وبدون هذه المنطلقات يبدو الامر زائفا حتما ومشوه الصورة.

 

        ان التاثيرات والاحداث العامة، تشتد في هذه الانواع الفنية. ونعني بها الغناء والموسيقى، التي يضطرها محتواها وشكلها الى الظهور بمظهر الصور الحية لمجموع الحياة. وهذا ما يجب ان تفعله التراجيديا والاحداث الكبيرة. فهما تدينان بتاثيرهما العميق واهميتهما المركزية، في صنع العصور والحياة الثقافية للبشرية. اضافة الى القدرة على اثارة هذا الشعور في الشخص المتلقي.

        من الواضح ان القضية المباشرة هنا، هي قضية تتعلق بالهوية المحلية..! اضافة الى المضمون التعبيري عن هذه المحلية، وهو ما نعني به الخصوصية التقليدية للمسارات اللحنية المحلية. فلابد اذن للمظهر المطلق لهذا الشكل ان يؤسَسْ على المحتوى، انه يتطلب ادراكا فعليا لعلاقات وتفاعلات الحياة. ومعضلة هذه الخصوصية في غناء تاريخ هذه المحلية وجذورها البيئية، والاعمال الموسيقية الكبيرة التي تتكدس فيها الكثير من التنقلات والتحولات السلمية الموسيقية داخل العمل المؤلف او الملحن الواحد، هي اعطاء هذه الاصول تصميما دقيقا موزعا في العمل الموسيقي المغنى. أي استحضار عالم من الخيال يتطلب حتى في الاعمال الكبيرة والصغيرة، جمهورا متلقيا لاثارة الشعور بالحياة..!

       لقد امتازت الموسيقى اللبنانية بكل مزايا هذه القيم الفنية. الامر الذي ادى الى تماسك المجتمع اللبناني ككل، في كل جوانب الحياة رغم الظروف القاهرة. وبالتالي ادى ذلك الى تماسك التعبير الموسيقي المحلي وقوته وعمقه. وبذلك تبلورت اسس المدرسة اللبنانية في الموسيقى والغناء. بحيث يمكننا بكل يسرٍ وسهولة، ان نعرف من الوهلة الاولى، ان ما نسمعه جذوره لبنانية..! حتى لو كان العمل المسموع مؤلفا او متاثرا بالموسيقى العربية بصورة عامة.

      لقد تسارعت سنوات العقد الثلاثيني من القرن العشرين حتى وصل الصراع الى ذروته فيما بين العالم الراسمالي. مما امسى احد اسباب قيام الحرب العالمية الثانية (1939 – 1945م)..! وعليه يكون الفنانون اللبنانيون والعرب جميعا على صواب بصورة طبيعية في مخاصمتهم التعابير الكلاسيكية للتراجيديا التي امتاز بها الغناء العربي في حقبة النصف الاول من القرن العشرين..! وحصيلة ذلك من تطورات هذه الحقبة الزمنية، ثم في منتصف القرن وما بعده. حيث اكد المطرب الشهير وديع الصافي، ومن خلال نتاجاته الغنائية التي امتازت بالابداع والتطور المستقبلي للموسيقى اللبنانية والعربية. بان مبادىء المضامين التعبيرية الموسيقية القديمة، هي في جوهرها ذات مبادىء عريقة ومخضرمة ورصينة بقِدمِها، والفرق بين الحالتين فرق تاريخي. وكنتيجة لزيادة تعقيدات الحياة الانسانية الموضوعية والاجتماعية المتزايدة. اصبح تركيب التحولات والتطورات في الواقع اكثر تعقيدا وتنوعا. فمن المؤكد انه ليس من المصادفة ان تتزامن الفترات الكبرى في الحياة مع التطورات التاريخية العالمية الكبيرة في المجتمع البشري.

       يبدو انه من المبالغة الاعتقاد المطلق بأن حقبة انتصاف القرن العشرين، وما بعد هذه الحقبة، في اتجاهات الشكل والمضمون الموسيقي، او في الغناء والموسيقى ضمن اطار(المدرسة اللبنانية) ككل. تعتمد في الواقع على مبادىء الطريقة الصافية فقط..! فقد عاصر وديع الصافي الكثير من المغنين والمغنيات من مشاهير الغناء اللبناني والعربي. كالمطربة الشهيرة فيروز والمطرب والملحن حليم الرومي والمطربة صباح والمطرب نصري شمس الدين وغيرهم الكثير. وكذلك تعدد الاساليب القديمة لدى المغنين الاسبق الذين بدأ فنهم بالظهور مطلع القرن العشرين. بحيث برز من هؤلاء مغنين ممن تميز باسلوب خاص نوعا ما. واصبح كل واحد من هؤلاء المغنين يمتلك اسلوبا يكاد يكون مستقلا عن غيره رغم استقائهم جميعا من ينبوع المدرسة اللبنانية في الغناء والموسيقى. لذا فقد كانت هذه التحولات، قد تبلورت وتطورت، بحيث ظهرت بصورة واضحة في فترة زمنية عبرنا عنها في كتابات سابقة بـ(حقبة انتصاف القرن العشرين -حقبة التجربة-) ويوجد طبعا، شيء اكثر من هذا يمكن قوله عن الاتجاهات الذوقية والجمالية في غناء المدرسة اللبنانية او في الغناء والموسيقى اللبنانية ككل.

      من جهة اخرى، هناك الاتجاه الجمالي الذي تمثله حقبة منتصف القرن العشرين من المغنين. الذين تأثروا بهذه الاتجاهات وبدأوا تسجيل نتاجاتهم الموسيقية في العقود الاولى من القرن العشرين. الذين اجتهد معظمهم بالابقاء دون مساس بالشكل الغنائي المحلي واصوله التقليدية القديمة. التي كان تبلورها مستمرا خلال القرن العشرين. ويمكن ان نقرب حقبة منتصف القرن العشرين من مفهوم الاتجاه الجمالي الرومانسي وسماته العاطفية، والثورة على المخلفات التي اصبحت بالية ولا تواكب الحقبة التي انتدب لها المطرب الكبير وديع الصافي ومن هم امثاله في المستوى في باقي بلدان وطننا العربي بكل قوة. ولا يمكن بطبيعة الحال، ان تكون مهمتنا هنا اعطاء عرض شامل، لتصارع هذه الاتجاهات الجمالية التي تمثلت بالطرق الغنائية كالطريقة الصافية في لبنان والوطن العربي. ومن الارجح اننا سنكتفي بما ألقينا على هذه الحقبة من ضوء وتوضيح مختصر لمطربي هذه الفترة واتجاهاتهم الجمالية والذوقية. وهم في نهاية الامر مغنون ملائمون لفتراتهم الزمنية التي عاشوها.

 

 

والى حلقة اخرى ان شاء الله.

 

 

صورة واحدة / الوفدان الفنيان العراقي والصيني لمهرجان(عالم المقامات) في باكو العاصمة الاذرية آذار 2013 مع بعض المرافقين للوفدين من الاذربيجانيين. ومن العراقيين يقف يمينا عبد الكريم هربود وحسين علي اسماعيل وحسين الاعظمي واديب الجاف وعلاء السماوي ورافد عبد اللطيف.