رانية مرجية

 

للذهاب الى صفحة الكاتبة 

حين نقرأ ما لم يُكتب: بيان في اللغة والوعي والإنسان

رانية مرجية

 

 

في لحظةٍ خاطفة، تقع أعيننا على كلمةٍ ما — في كتابٍ، أو في شاشةٍ، أو حتى في لافتةٍ عابرة — فنقرأها كما لم تُكتب.

نظنّ أننا أخطأنا، لكن الحقيقة أعمق من ذلك: العين رأت، والعقل أعاد تشكيل ما رأته وفق ذاكرته الخاصة.

في تلك اللحظة الصغيرة يحدث شيءٌ عظيم: انزلاقٌ في المعنى، انحرافٌ في الإدراك، وولادة نصّ جديد داخلنا، لا يشبه النصّ الأصلي إلا كما يشبه الحلم الحقيقة.

 

القراءة كفعلٍ وجوديّ لا معرفيّ

أن نقرأ ما لم يُكتب ليس خطأً لغويًا؛ بل فعل وجوديّ يعبّر عن كيفية اشتغال وعينا.

العين ترى الحروف، لكنّ الروح تُعيد ترتيبها وفق ما يعتمل فيها من خوفٍ أو حنينٍ أو جرحٍ قديم.

كل قراءةٍ هي مرآةٌ للنفس أكثر مما هي تفسيرٌ للنص.

 

حين نقرأ “سلام” ونراها “ألم”، فذلك لأنّ السلام في داخلنا لم يبرأ بعد.

وحين نقرأ “نورًا” ونراها “نارًا”، فذلك لأنّ العقل الذي ذاق الاحتراق يرى الضوء تهديدًا لا خلاصًا.

 

اللغة لا تكذب، لكنها تكشف ما نُخفيه عنها.

في “الخطأ” الصغير تكمن الحقيقة الكبرى: أننا لا نقرأ العالم كما هو، بل كما نحنُ في تلك اللحظة.

 

اللغة ككائنٍ حيّ يعكسنا

اللغة ليست وعاءً محايدًا، بل كائن حيّ يتحرك داخلنا ويخدعنا ليعرّينا.

كل كلمة نقرأها تمرّ عبر خلايا الذاكرة، وتختلط برائحة الأماكن القديمة، وبأصوات من أحببنا ومن خسرنا.

وحين نعيد تشكيلها، نمنحها روحنا.

 

الكاتب يزرع بذرة النص،

لكن القارئ هو من يمنحها جسدًا جديدًا كلّما لمسها بعينيه.

وهكذا يصبح النصّ كائنًا ثالثًا، يعيش بين الاثنين:

لا يخصّ الكاتب تمامًا، ولا ينتمي للقارئ وحده، بل ينتمي للتجربة الإنسانية المشتركة بينهما.

 

الخطأ بوصفه شكلًا من أشكال الحرية

في زمنٍ يُقاس فيه الصواب بالدقّة، يبدو الخطأ في القراءة كخللٍ يجب إصلاحه.

لكنني أراه شكلًا من أشكال الحرية الفكرية.

لأنّ كلّ انحرافٍ في الفهم هو احتمال جديد للحقيقة،

وكلّ “سوء قراءة” هو تمرين على الشكّ،

والشكّ هو أول خطوة نحو الوعي.

 

من رحم الأخطاء وُلد الشعر، ومن انزلاق المعاني وُلدت الفلسفة.

فاللغة التي تُطاع بلا التباس تُميت الخيال،

أما اللغة التي تُخطئ فتخلق الحياة من جديد.

 

بين الكاتب والقارئ: الحقل الكهربائي للمعنى

ما يحدث بين الكاتب والقارئ ليس تبادلًا للمعلومات،

بل تفاعلٌ طاقيّ يشبه ما يحدث بين جسدين ينجذبان في العتمة دون أن يريا بعضهما.

النصّ ليس وسيلة تواصل، بل حقل كهرباء روحي،

والمعنى فيه لا يُسلَّم بل يُولَد من الصدمة.

 

وحين تُولد المعاني بهذه الطريقة، لا أحد يملكها.

لا الكاتب، ولا القارئ،

بل تبقى حرةً في فضاءٍ إنسانيّ مفتوح، تتغير كلّما اقترب منها وعيٌ جديد.

 

القراءة كتجربة كونية

أن تقرأ ما لم يُكتب هو أن تُمارس أرقى أشكال التأمل:

أن تعبر من اللغة إلى ما وراءها،

أن تلمس الجوهر الذي يربط الفكر بالخيال، والظاهر بالباطن.

هي لحظة اختراقٍ بين الوعي والعالم،

تُعيد ترتيب علاقتنا بالحقيقة، وتجعلنا نُدرك أن الخطأ ليس ضدّ الفهم، بل طريقٌ إليه.

 

حين نخطئ في القراءة، نحن نمنح النصّ حياة أخرى،

ونُعيد للمعنى قدرته على التحوّل،

ونقول للكون إننا ما زلنا نحلم، ونشكّ، ونجرؤ على الرؤية.

 

ختامًا: الإنسان ككلمةٍ تُعاد قراءتها

ربما الإنسان نفسه نصّ لا يُقرأ مرة واحدة.

كل تجربةٍ تعيد صياغته، وكلّ حبٍّ أو خيبةٍ تغيّر معناه.

نحن لا نحيا، بل نُعاد قراءتنا باستمرار من قِبل الحياة ذاتها.

 

فحين نقرأ ما لم يُكتب،

نحن لا نخطئ، بل نكتشف أعماقًا جديدة في ذواتنا،

ونمارس فعل الخلق الأجمل:

أن نحول الوهم إلى بصيرة،

والالتباس إلى وعي،

والكلمة إلى مرآةٍ تعكس إنسانًا لا يزال يبحث عن نفسه وسط الحروف.

 

لأنّ اللغة، مثل الوعي، لا تُقال مرة واحدة.

وكل خطأٍ في القراءة، هو اعترافٌ بأننا ما زلنا أحياء.