رانية مرجية

 

للذهاب الى صفحة الكاتبة 

الإعلام العربي بين الصمت والمسؤولية:

لماذا يعجز عن مواجهة العنف ضد النساء؟

رانية مرجية

 

قدّمت الإعلامية والناشطة الثقافية والاجتماعية سامية عرموش محاضرة رقمية لافتة بعنوان “صوت صامت على الشاشة”، ضمن مؤتمر نسوي فكري خُصّص لمناقشة واقع المرأة العربية في ظل ازدياد جرائم العنف. لم تكن المحاضرة مجرد عرض أكاديمي أو سرد لوقائع، بل قراءة نقدية معمّقة لبنية الإعلام العربي ودوره في إعادة إنتاج الصمت، بدل مساءلة الظواهر التي تهدد حياة النساء يوميًا.

 

عرموش، المعروفة بحضورها الجريء وصوتها الملتزم، اختارت أن تواجه سؤالًا مؤلمًا:

لماذا يبدو الإعلام العربي عاجزًا عن تقديم تغطية مسؤولة لجرائم قتل النساء؟

وأجابت ليس عبر الانطباعات، بل عبر بحث نوعي دقيق شمل 15 ناشطة عربية من اختصاصات مختلفة، ليكشف عن ثلاث إخفاقات مركزية تشكّل عصب الأزمة الإعلامية:

 

أولًا: إخفاق مهني يعزل الحدث عن جذوره

تغطيات كثيرة تتعامل مع القتل كأنه مشهد لحظي، خبر عابر، دون تحليل للبنى الاجتماعية التي صنعت الجريمة:

هيمنة ذكورية، غياب حماية مؤسسية، هشاشة قانون، أو منظومات تربوية تُشرعن السيطرة.

بهذا الشكل، يقدّم الإعلام “خبرًا”، لكنه يحجب الحقيقة.

 

ثانيًا: إخفاق أخلاقي يعيد إنتاج الظلم

لغة الإعلام—بحسب عرموش—ليست مجرد وسيلة نقل، بل موقف أخلاقي.

وعندما يستخدم الإعلام عبارات مثل “خلاف عائلي” أو “دافع الغيرة”، فهو لا يخفف من بشاعة الجريمة، بل يشارك في تبريرها.

إنها لغة تحوّل القاتل إلى “إنسان فقد السيطرة”، والضحية إلى “محفّز محتمل”.

وهذا، في جوهره، شكل آخر من العنف.

 

ثالثًا: إخفاق توعوي يترك النساء بلا أدوات نجاة

تكشف عرموش أن معظم التغطيات تخلو من معلومات عملية:

حقوق، مسارات حماية، أطر قانونية، ومؤسسات يمكن اللجوء إليها.

هكذا يصبح الإعلام مرآة تعكس المأساة، لا نافذة تمنع تكرارها.

 

قتل النساء… جرس إنذار مجتمعي

تصرّ عرموش على أن قتل النساء ليس حادثًا فرديًا، ولا شجارًا منزليًا، بل مؤشر خطير على خلل اجتماعي عميق.

وحين يعجز الإعلام عن تسمية الجريمة باسمها الحقيقي، فإنه يساهم في تطبيع العنف وفي حماية البُنى التي تسمح له بالاستمرار.

 

لماذا يصمت الإعلام؟

تقدّم عرموش قراءة جريئة لثلاثة عوامل أساسية وراء هذا الصمت:

• ثقافة اجتماعية تخشى فضح العنف بحجة “حماية العائلة”.

• بيئة إعلامية ذكورية لا ترى قضايا النساء أولوية.

• حسابات سياسية ومؤسسية تجعل النقد الجذري مُكلفًا.

 

خارطة طريق نحو إعلام مسؤول

تدعو عرموش إلى ثورة مهنية وأخلاقية داخل المؤسسات الإعلامية تشمل:

• تبنّي لغة دقيقة لا تبرّر ولا تُحمّل الضحية أي مسؤولية.

• تدريب الصحفيين تدريبات جندرية ومهنية ملزمة.

• بناء شراكات عملية مع الناشطات ومؤسسات المجتمع المدني.

• إنتاج محتوى وقائي يعزّز الوعي قبل وقوع الجريمة.

 

من الصمت إلى الفعل

تؤكّد عرموش أن الإعلام ليس راصدًا محايدًا، بل قوة اجتماعية قادرة على إنقاذ حياة إذا اختار أن يرى، وأن يسمع، وأن يطرح الأسئلة الصعبة.

 

وتختتم محاضرتها بسؤال يختصر جوهر التحدي:

“برأيكم، ما هي الخطوة الأولى التي يجب أن يتخذها الإعلام العربي اليوم ليخرج من صمته… ويتحمل مسؤوليته في حماية النساء؟