صائب خليل
من أجل تظاهرات قادرة أن ترى وتفكر وتصحح مسارها
صائب خليل
31 ك2 2020
نحتاج الشجاعة لكي ننطلق، والعقل لكي نصل. من الطبيعي ان أية تظاهرات تحتاج الى التحشيد والاندفاع العاطفي كشرط أول لوجودها، لكنها لن تصل الى شيء ابداً ان هي اكتفت بذلك، ولم تمتلك القوة اللازمة للتفكير والمراجعة وتصحيح الأخطاء.
وليس من السهل الجمع بين التحشيد والتفكير معاً في خطاب واحد وروحية واحدة، رغم ضرورتهما. الأول بحاجة إلى خطاب مثالي بأهداف عامة ولامعة، ووعود براقة بلا حدود، تكفي لكي تكون دافعاً لبذل الجهد والتضحية مما تتطلبه التظاهرات مثل تحمل الحر والبرد وتأجيل متطلبات الحياة الشخصية، ولفترة تبدو غير واضحة الحدود، واحياناً المخاطرة بالحياة. لكن موضوع أية تظاهرة هو الوصول الى نتائج محددة، والاندفاع وحده لن يأت بشيء.
لنلاحظ مثلا أهم مطالب وآمال التظاهرات اليوم، بالضغط على الحكومة، وهو "محاربة الفساد".
لو فتشنا، لوجدنا ان محاربة الفساد علم له أسسه المحددة والتي نتجت عن دراسات عالمية طويلة وجهود كبيرة. ومن يأمل حقاً بالوصول الى محاربته او التأثير عليه، يتوجب ان ينظر كيف يمكن للتظاهرات ان تحقق تلك الأسس او بعضها. لنلق نظرة:
أهم أولويات محاربة الفساد المعروفة هي:
1- تعزيز النزاهة الانتخابية
2- ضبط التمويل السياسي
3- إدارة تضارب المصالح
4- تعريف المواطنين بحقوقهم السياسية والمدنية
5- التصدي للمعاملة التفضيلية
من تابع التظاهرات وشعاراتها ومطالبها، يجد انها لم تمس أي من هذه الأسس، إلا ربما النقطة الثانية، حين طالبت بعض الشعارات بقانون للأحزاب يكشف مصدر تمويلها. وهذا المطلب لم يرتق إلى مصاف الشعارات الثابتة، بل تم رفعه من قبل مجموعة صغيرة مرة أو بضع مرات، ولا اظن انه من هموم المتظاهرين اليوم ولا يخطر ببالهم.
كان بالإمكان أيضاً التوجه الى النقطة الأولى والمطالبة بقانون ذو إجراءات محددة لضمان نزاهة انتخابية أفضل، مثل اشتراط نقل جلسات البرلمان نقلاً مباشراً، ليعرف المواطن كيف تجري النقاشات ومن يصوت من النواب على القوانين. أن يشترط قانون اخر وضع كامرات مراقبة تبث أيضا للكل من يريد ان يستقبلها بواسطة النت، في مراكز الاقتراع ليشاهد الجميع كيف تجري عملية الاقتراع وهل هناك ضغوط وعصابات تمنع البعض حول المركز وداخله ام لا. وكامرات توضع فوق طاولة الفرز والعد يمكنها ان تقرأ كل ورقة تفتحها اللجنة وتعلن عن محتواها.
بمثل هذه المطالب المحددة التي يمكن الضغط بها على الحكومة، وتوعية الشعب بأهميتها على الأقل، يمكن للتظاهرات ان تأتي بنتيجة. اما ما يجري اليوم فهو الفوضى، التي تقتصر، بوعي من جهة موجهة أو بلا قصد، على شعارات الحث والتحشيد فقط، مثل "نريد وطن" وأخرى تلعن الفساد والأحزاب والمحاصصة عموما. إضافة الى هذا هناك شعارات وفعاليات تخريب، مثل "ماكو وطن ماكو دوام" وقطع الطرق وبشكل يبدو في معظم الأحيان عشوائياً وعاطفي وأحيانا كثيرة، استعراضي، وغير مدروس. وفي الحالات القليلة التي تظهر فيها مطالب محددة فهي غير مدروسة وأحيانا سيئة، خاصة ما تحقق منها من تغيير قانون المفوضية العامة المستقلة للانتخابات وقانون الانتخاب، وهذا الأخير رجع بالعراق عقودا الى الوراء وسيتعين على أبنائه النضال من جديد، وبوعي هذه المرة، لإعادته الى شكله القديم الأفضل بكثير.
من الضروري أن يمتلك المتظاهر، أو على الأقل قيادته، قدرة الجمع بين الاندفاع من جهة والعقل القادر على وضع الأهداف الإيجابية الممكنة التحقيق، وكذلك المراجعة والاعتراف بالأخطاء وتصحيح المسيرة. إضافة الى ذلك، من الضروري ان تعي تلك القيادة أن هناك خطراً فعليا وليس وهماً، يتمثل في مطالب سيئة يتم تسريبها للتظاهرات (مثل قانون الانتخاب المعد قبل سنتين من التظاهرات) وأكثر من ذلك خطر استغلال جو الفوضى الذي توفره التظاهرات من قبل أعداء البلد لإطلاق سراح الدواعش، او حتى الانزلاق بالبلد الى السيناريو السوري او الليبي.