اخر الاخبار:
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

كـتـاب ألموقع

معزوفة المزامير الخرساء ..// حسين السنيد

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

 

الموقع الفرعي للكاتب

معزوفة المزامير الخرساء ..

حسين السنيد

 

مسك  صديقي حميد يد طفلته المولودة قبل سويعات لاول مرة, احس بنعومة يدها تخترق كفه الخشنة .. كزنبقة تنبت بين الصبار. لم يشعر باثر نعومة يدها في كفه فحسب, بل راحت تجري في داخله قوس قزحا. وصلت لعيونه فرأى العالم  اخضر اللون, والى اذنيه حيث سمع الترانيم البنفسجية من كل مكان والى عيونه وشفاهه حيث انبثقت اشعة صفراء نحو السماء.  شعر صديقي بسعادة لم يشعرها في حياته من قبل .

لقد طال انتظار صديقي حميد لقدوم طفلته الاولى 12 عاما كاملا ,كافح خلالها للحصول على ذرية. لم يترك مكانا مقدسا, مزارا او حرما او كنيسة الا ونذر لها نذرا ثقيلا. من مشفى الى مشفى ومن مركز للاخصاب المجهري الى آخر. يذهب في كل مرة لهذه المراكز بجيوب مليئة بالنقود ويرجع بجيوب فارغة, ولكن لم يفرغ قلبه من الامل يوما .

مسك حميد يد طفلته, واحس انه يمسك على معاناة الاعوام السابقة كلها, وانها تتبدل فرحا وهلاهل وقبلات .

-    مبروك صديقي حميد ...

قلتها له عبر الهاتف النقال, اجابني بصوت مرتجف ..

-    شكرا ..

ولم يزد على ذلك حرفا واحدا, مرات كثيرة لايمكن لحميد ان يعبر عن مايدور ف يصدره بسهولة, فيركن للصمت .. فقط الصمت.

والان يا قارئي العزيز, ارجوك ان تحتفظ بهذه الصورة في ذهنك, مهما حدث لحميد او لطفلته او زوجته او لي انا!! ففرحة كبيرة مثل هذه تستحق ان تبقى في ركن امين من الذاكرة ,بعيدا عن هجمات النسيان, لماذا ننسى افراحنا في موجات الحزن الصعبة التي تجتاح حياتنا؟

 وبعد عام من هذا اليوم , جلسا حميد وزوجته امام الطبيب ..

قال الطبيب بعد معاينة التقارير وبصوت هادئ فيه مسحة حزن:

-    للاسف ... ابنتكما مصابة بالعمى.. وكذلك بكماء وصماء, لايمكنها السماع ولا التكلم ولا الرؤية. نتيجة وجود مشاكل في تكوينها في رحم الام .

 بكت الام واحتضنت طفلتها بقوة .. انهمرت الدموع, ثم لطمت خدها, مزقت ملابسها .. قذفت الطفلة جانبا .. صرخت بجنون ..هرع لها الممرضون وحقنوها بحقنة مهدئة .

لكن حميد كان صامتا, رمق طفلته.. احتضنها و ضغط صدره على صدرها حتى راح يحس بنبضات قلبها وانفاسها المتسارعة, ثم خرج دون كلام .

في تلك الليلة لم ينم صديقي .. انتظر حتى نامت الطفلة, وبدأ الصراخ, صرخ بكل قوته. وتابع الصراخ, منتظرا ردفعل من طفلته النائمة بهدوء, وصل دوي صراخه المجنون الى الشارع سمعه الجيران. ولكن لم يوقف حميد صراخه حتى شعر بالدم يتدفق من حنجرته ويفور مع صراخه, لم تسمعه الطفلة, كانت تنام بهدوء ... بهدوء تام .

وفي اليوم التالي, وحين فتحت الطفلة عيونها مع اولى اغاني الشمس. كان صديقي يرقص, نعم .. يرقص, لكن لم تكن رقصة بالمفهوم المعروف, لم تكن حركاته موزونة, بل كانت اشبه بمن يمشي على طريق من جمروشوك باقدام حافية. كان يقفز ثم ينام على الارض, ثم ينقلب على ظهره ,ثم يعاود القفز امام الطفلة. منتظرا ضحكة الطفلة او ابتسامتها او استغرابها او بكاءها وخوفها. اي شيء يدل انها احست به. لكنها كانت هادئة وتنظر بعيون ليس لها معاني الى نقطة واحدة و تدير رأسها بحركات عشوائية .

 

وبكى صديقي ..بكى بحرقة ..لاهثا, بفم يجري دم وحنجرة مجروحة. بكى واحتضن طفلته .

واستمر صديقي كل ليلة يصرخ, ادمن وجبات صراخه الليلية.. وفي الصباح يرقص مثل طير مذبوح, يصرخ مفجوعا ويرقص موجوعا. اعتقد في داخله ان لايمكن لطفلته ان لاتسمعه وتراه الى الابد, لايمكن لهذه الصرخات ان لاتخترق اذانها ذات ليلة, ولايمكن لرقصته المذبوحة ان لا تنطبع على عيونها الى الابد, لابد انها ذات مرة ستبتسم له. فاستمر ..استمر لاشهر , يصرخ ويرقص, ويطيل النظر الي طفلته متوقعا ابتسامتها في اي لحظة, وفي كل مرة كان يخيب أمله.

 

قلت لك يا قارئي العزيز فيما سبق, ان قلب صديقي حميد, ربما يكون اكبر مستودع للامل, لا يفرغ بسهولة!

 تمكنت من رؤيته بعد ان حبس نفسه والطفلة في الغرفة لاشهر. كان بلاصوت, بوجه شاحب وسحنة باهتة. نحف كثيرا وطالت لحيته وابيضت بشكل غريب. قلت له:

-    صديقي.. الاف الاطفال بل مئات الالاف يولدون هكذا.. ليس وحدك انت؟ اما سمعت ان هناك مدارس ومعاهد مخصصة لهم؟ وانهم اليوم قادرون على ان يستمرون بالحياة ويدخلون المدارس والجامعات؟

لم يقل صديقي شيئ .. كان جامدا ,شعرت اني احاول عبثا حفر قلب في جدار وجعله ينبض.

لا اعرف ما الصورة التي تشكلت في مخيلة صديقي في تلك اللحظة؟ وماذا سمع؟  ولكني عرفت ان هناك دويا مكتوما في صدره وانعكاسات مرعبة تتولد فيه. ولكن كما تعرفون, انه يصمت في المواقف الصعبة.

هل شاهدتم في نشرات الاخبارية, الحرائق العملاقة التي تحدث في الغابات الكبيرة؟؟ هي لاتتوقف بسهولة ..تستمر بالتهام الاغصان الخضراء والسنابل ..لاتتوقف رغم حشود رجال الاطفاء, تستمر, تلتهم, تستطعم الزهور والاوراق الخضراء, تستمر الى آخر غصن, الا اذا مرت غيمة حبلى بقطرات الخلاص  وامطرت, هنا ينتهي الحريق وتنجو الغابة بنفسها .. فهل سيمطر صديقي حميد؟

 

 ذات يوم رجع صديقي ..مصابا بموجة من الجنون الى البيت, وربما كان سبب هذه النوبة ان تزامن عبوره في الشارع مع خروج طلاب المدراس في المنطقة. دلف غرفته كثور هائج وبدأت الصرخات, بدأت بشكل اقوى من كل مرة, وراح يرقص هذه المرة ويصرخ. قذف بنفسه ارضا وانقلب. استمر لساعة كاملة. حين شعر بلسعات الدم في حنجرته, القى بنفسه على الارض, قرب طفلته النائمة بهدوء دون ان تصدر اي صوت او تشعر بالعاصفة التي تجتاح المكان .

مد صديقي يديه نحو الطفلة, ولمس بها رقبة طفلته الناعمة كالقطن .. ثم احكم قبضته, حشرجت الطفلة وغصت. ولكنها كانت ماتزال هادئة. ضغط على رقبتها بقوة. كان يلهث ويمكنه ان يسمع صوت خفقات قلبه تلعنه مع كل نبضة, احس ان الشيطان يتقمصه في تلك اللحظة. احكم قبضته على رقبة الطفلة  وضغط بكل قوته هذه المرة ..فتحت الطفلة عيونها .

 

لم ار صديقي حميد منذ آخر لقاءنا قبل سنوات .. اللقاء الذي تكلمت لكم عنه. انتقلت الى مدينة اخرى للعمل, ولكن كلما رأيت طلاب المدراس الابتدائية حاملين حقائبهم على ظهورهم, او في سيارات الباص المخصصة لنقلهم, او كلما سمعت اصواتهم الفرحة المنطلقة من المدرسة القريبة. اقول في نفسي: اين الان طفلة صديقي حميد؟؟؟ بالتاكيد كان يمكنها ان تكون بينهم ..ولكن هل هي بينهم الان ؟؟ من يدري ؟ ربما نعم ..ربما لا!

 

 

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.