
واقع الشارع الانتخابي في انتخابات مجالس المحافظات(7)
حميد الحريزي
قبل فترة وجيزة بدأت الحملة الدعائية لانتخابات مجالس المحافظات التي يرى الكثير من السياسيين إنها من الأهمية بمكان بحيث إنها ستكون عاملا هاما في الفوز بمقاعد مجلس النواب بعد انتهاء مدة البرلمان الحالي،فمن يستطيع أن يفرض هيمنته على مجالس المحافظات ستكون له نفس الهيمنة وربما اكبر في مقاعد البرلمان القادم لما لهذه المجالس من قدرات في تهيئة وتعبئة الناخبين لصالح قائمة أو فرد دون غيره في منافسة تبدوا كأنها لغزا محيرا مجهول الهدف، فما يشاهده ويسمعه المواطن العراقي لايتعدى صورة المرشح ورقم قائمته وتسلسله فيها دون بيان ولو موجز مختصر عن تاريخه السياسي وتحصيله العلمي ونبذة ولو بسيطة لما قام بع من أعمال وأفعال وأقوال للصالح الوطني العام وماهو المجال أو الفرع من فروع الإدارة أو المعرفة وماهو ودوره وما هي مواقفه خلال هذه السنوات الخمس العجاف التي مرت على أبناء المحافظة وأبناء العراق عموما التي تميزه وتكسبه ثقة الناخب ومفاضلته مع غيره من المرشحين.
إننا نشهد جحافل من صور المرشح يدفع بعضها البعض وقد يعتلي بعضها ظهر الأخر مع أرقامها المميزة لغرض إن تدخل في لاوعي الناخب كلمة أنا أنا أنا أنا الأفضل وأنا اختيارك ولمئات المرات ومئات الأماكن ولاين ما ذهب بالإضافة إلى حجم اللافتات والتي تكفي لكسوة آلاف العرايا وكأنها بحجمها وعلو مكان تعليقها تعبر عن فخامة المرشح وعلو ه ورفعته ودوره الكبير في الحياة الاجتماعية والسياسية ليسلم الناخب هذه الإشارات والعلامات لمخزون لاوعيه لتكون الدافع الأكبر لخياره أمام صناديق الاقتراع.
وبالمناسبة فان الكثير من علماء النفس والاجتماع يقسمون الناخبين إلى:-
1- الناخب المتلقي التابع/ وهو من النوع الذي لا يمتلك القدرة ولا الدافع لتحليل وتركيب المعلومات والاشارات التي يستلمها لإصدار الحكم والرأي بل يستلم الإشارة كما هي من المصدر دون أية تساؤل.
2- الناخب المؤدلج/ ويشكل هؤلاء الأفراد المنتمين للأحزاب والتنظيمات السياسية على مختلف توجهاتها وايدولوجيا، فهؤلاء يتلقون التوجيه من قياداتهم الحزبية باعتبار إن الحزب أو التنظيم السياسي هو الأعلم في معرفة من هو الأفضل والأجدر والاك فا بما يخدم أهدافه وتوجهاته وسعيه للهيمنة على السلطة السياسية.
3- الناخب الناقد الفاعل/ وهم الأفراد ذوي الثقافة والخبرة والقدرة على الاختيار الصائب والمميز ببين الشعارات وتوجهات الأفراد والجماعات بما يخدم الصالح العام والهدف المعلن من قبل المرشح،ولاشك إن هذا الصنف هو المعول عليه في اختيار نخبة تمتاز بالكفاءة الإدارية والعلمية والمالية والنزاهة والوطنية الصادقة والنهج الديمقراطي الواعي لقيادة العملية السياسية في لبلاد أو لتسلم المسؤولية لقيادة إي من المؤسسات في الدولة المطلوب من المواطن راية ومشاركته في اختيار أعضائها.
4- الناخب الناقد المترفع/ وهو الفرد أو الجماعة التي تتحلى بالقدرة والقابلية والخبرة على الاختيار والإبصار والتشخيص والفرز ببين مختلف القوائم والأسماء ولكنها لاترى من ببينها من يرتقي لمستوى إرضاء تطلعها وطموحها وغالبا ما ترى إن الظرف ألزماني والمكاني ومستوى الوعي الاجتماعي غير ناضج وغير ملائم ولم يرتقي بعد ليؤهلها لقيادة المؤسسة المعينة والمطلوب رأي الفرد في اختيار أعضائها مما يجعلها هذا الاعتقاد إن تنسحب للداخل ولأتشارك في هذه الممارسات لابل مستخفة وغير معترفة بنتائجها وبما يترتب على نتائجها.
5- الناخب الانتهازي المنتفع/ وهو يمثل الإفراد والجماعات حتى التي لأهم لها سوى ما تحصل عليه من فائدة وخصوصا المادية أو مناصب أو مكاسب موعودة سوف يتم حصوله علليها ويؤمنها له مرشحه الفائز في الانتخابات، فهولاء هم عبارة عن أصوات (سلع) معروضة للبيع لمن يدفع أكثر بغض النظر ممن يكون.
نستخلص من مآتم عرضه آنفا إن من يقدم على الترشيح يأمل الفوز في الانتخابات على مختلف صفاتها ومستوياتها إن تكون لديه دراسة وافية من الناحية النفسية والاجتماعية ليتمكن من معرفة ماهو الصنف السائد من الناخبين المطلوب رأيهم واللذين يحق لهم الإدلاء بأصواتهم لصالحه أو ضده.
ففي المجتمعات التي تعاني من الشد والتوتر والصراع الاجتماعي الطبقي أو العرقي أو الطائفي ستكون العواطف والغرائز هي المهيمنة على العقول وعلى خيارات الناخبين، لذلك غالبا ما يلجا بعض المرشحين إلى استثارة العواطف والمشاعر والمناطق الرخوة في المنظومة العصبية للناخب لغرض استثارتها سواء بالتأكيد أو الرفض للمرشح والمنافس ولا يمتنع عن إثارة أحداث غابرة تساعد على تأجيج العاطفة النائمة وتستثير العاطفة الخاملة. وقد يلجا البعض الآخر في الجانب الأضعف إلى صناعة واختلاق قضايا ثانوية من اجل حرف توجه وصرف نظره عن قضيته إلام لينشغل في أمور ثانوية مما يقلل من اهتمامه ولرنما يمتنع عن المشاركة في الاختيار بسبب فقدانه التوازن والاستقرار والقدرة على التواصل.
وهنا لابد من الإشارة إلى الأهمية الكبرى لوسائل الدعاية والإعلام وكفاءتها وقدرتها على الترويج والإقناع والتعبئة لاتجاه معين ولقائمة بذاتها أو لفرد بعينه وهنا سيكون الأمر خاضعا للقدرة المالية في امتلاك وسائل الدعاية والإعلام المقروء والمسموع والمرئي والكفاءات والقدرات عالية التخصص والمهارة والتجربة القادرة على تخليق وتصنيع الرأي بالاتجاه المطلوب، لذلك نرى خيبة وفشل وعدم قدرة الأفراد والجماعات ذات القدرات المادية البائسة أو المتواضعة على كسب المقاعد أو المواقع مهما امتلكت من قوة الحجة والصدق والكفاءة والخبرة الذاتية لأنها لا تمتلك الوسائل الفاعلة على التوصيل والتواصل في ظل التطور التكنولوجي الهائل لوسائل الاتصال والإعلام والدعاية والإعلان.
نحن هنا لسنا بصدد توصيف نوعية ناخبينا في عراق اليوم ومن هي الفئة الراجحة ومن هو الأصلح من القوائم والأفراد من المرشحين ومن يمتلك القدرات المالية والإعلامية القادرة على التوصيل والقدرة على التوعية والتوجيه أو الايهام والتضليل أو الترغيب والترهيب.وما هي الأحداث والمعارك الجانبية التي طفت أو التي ستطفو على السطح من اجل التحكم برأي الناخب سواء بالسلب أو الإيجاب،ولكننا نجتهد في التأشير إلى طبيعة المتغيرات التي طغت على نوع وطبيعة وتوصيف القوائم الانتخابية والأفراد في مجالس المحافظات والتي طال النقاش والجدل عند إقرار قانون واليات هذه الانتخابات ولسنا بصدد هل إن الانتخابات في الظرف الراهن هي الأسلوب الأمثل لبناء دولة القانون والمؤسسات الديمقراطية.
فالملاحظ إن صفة الاستقلال والمستقل والمستقلين لوحظت ملحقة بالكثير إن لم يكن اغلب القوائم الانتخابية والإفراد المرشحين للانتخابات وحلت محلها اللقب القبلي والعشائري للمرشح ،ونرى إن هذا يعود إلى حالة الفوضى والتردي والفساد الذي شهدته ((العملية)) السياسية الجارية والسائرة في نفقها الخانق نفق المحاصصة الطائفية والعرقية طوال السنوات الخمس الماضية بعد انهيار الديكتاتورية، وماطرأ من خفوت للشد والتوتر الطائفي والعرقي مما ننتج عنه تبلور رأي عام شعبي يرفض الطائفية والعرقية لابل محاربتها بسبب ماعانته العامة من الأذى والدمار والتهجير على مختلف المستويات بسبب التناحر الطائفي والعرقي. هذا مما دفع بالكثير من القوى والأحزاب والحركات التي صعدت وحصلت على المكاسب والمراتب تحت راية التمثيل الطائفي والعرقي إلى الشعور بالخطر على مواقعها بسبب تغير مزاج وتوجه الناخب إلى التخفي والاستتار تحت مضلة نبذ الحزبية عموما باعتبارها لا يمكن أن تكون إلا طائفية أو عرقيه وهنا تدثرت بدثار وشعار الاستقلال والإصلاح و العشائرية-التي أصبحت لها مؤتمرات ومكاتب سياسية وما إليه من ميزات وصفات الأحزاب لسياسية ولكنها طبعا تستند على (السواني والأعراف) بدلا من الأنظمة الداخلية والبرامج!!!
ومن الملاحظات البارزة هي الوقع الباهت والصوت الخافت للقوى اللبرالية واليسارية السائرة في نفق (العملية السياسية) وتخفيها خلف عناوين ورموز يشوبها الغموض وعدم الوضوح من قبل اغلب الناخبين العراقيين واللذين يتطلعون إلى رؤية نخبة لبرالية علمانية أو يسارية ديمقراطية نابذة المحاصصة كي تتصدر العملية السياسية الجارية أصلا تحت مفعول المخدر ألاحتلالي الذي يعمل جاهدا لتخليق وتصنيع طبقة سياسية لبرالية علمانية من االكمبرادور المحلي التابع للرأسمال الأمريكي والمنفذ لمصالحه في العراق والمنطقة لتتمكن أمريكا من سحب يدها من التدخل المباشر العسكري والاقتصادي والثقافي وهذا ما عجزت عن تحقيقه لحد الآن، متجاهلة سبب استحالة قيام ديمقراطية لبرالية بدون وجود حاملتها ومولدتها الطبقة البرجوازية الوطنية المنتجة وهذا ما يتعارض أصلا مع هدف ومرمى الرأسمال العالمي التي لا تنتج هيمنتها إلا طبقة برجوازية طفيلية مستهلكة.
إما بالنسبة للقوى والأحزاب والحركات اليسارية فهي بين من ارتضى لنفسه الانخراط في ((العملية السياسية)) مخدرا باللبرالية السياسية الجديدة ومخدرا(بكسر الدال) جماهيره بواقع إن لابد ممن التأقلم والتكيف المبدئي والفكري والتنظيمي من اجل قبوله ومسايرته كمحطة استراحة يسترد فيها الرفاق أنفسهم ويتم تعويضهم بنعيم ((الامبريالية)) ((محررة)) الشعوب في عصر العولمة عما فاتهم ففي الزمن الماضي كأنه يضع إثقاله وهمومه في أحضان ما كان يعتبره عدوه الأول.
لكن مشكلة هذا اليسار إن ليس بمقدوره محو كل شعاراته الثورية ونهجه ومنهجه وتاريخه السابق والمبادئ المعادية للرأسمال العالمي وخصوصا الأمريكي التي تربت عليها جماهيره ناهيك عن رفاقه فهي تلاحقه في كل مكان وتسبب له الصداع والإحراج في كيفية تبرير خطه السياسي والفكري الحالي فاثر الاستتار تحت عناوين ولافتات وقوائم مثل ((مدنيون ديمقراطيون، التحالف المدني )) وما إليه ممن العناوين القابلة التأويل والتفسير يمكنها من التضليل والمراوغة.وهناك يسار راديكالي رافض لمجمل العملية السياسية وآثارها وإفرازاتها متخفيا خلف ترفعه ورفضه ساترا ضعفه وتشتته وفقدانه لحامله الاجتماعي على ارض الواقع حيث يعمل الواقع لموضوعي على كبت وإعاقة تطلعاتها نحو التحالف والتالف والتوحد وإنضاج برنامج عمل واضح وواقعي وفاعل مما يجعلها على هل هامش الأحداث والحراك الاجتماعي الآسن، حينما تجد نفسها بلا موضوع بسبب توقف عجلة الإنتاج والعمل والميوعة الطبقية والطفرات السريعة والغير متوقعة للإفراد والجماعات من موقع هابط إلى موقع صاعد وبالعكس كأنها في لعبة الحية والدرج بسبب الفوضى ((الخلاقة)) التي صنعها الاحتلال مولدا عدم التوازن والاختلال في البنية الاجتماعية العراقية بالإضافة إلى التخريب المريع الذي لحق بالرأسمال الاجتماعي الايجابي للفرد العراقي،فاختلت الموازين والقيم لتحل محلها قيم الفهلوة والثعلبة والقردنة والغلبة محل قيم التضامن والمحبة والتضامن والتعاون التي هي من اقوي دعائم قوى اليسار في كل مكان.إن هذا الحال سيجبر المواطن العراقي الناخب إما على الترفع والامتناع عن ممارسة حقه الانتخابي ورفضه للعملية برمتها ا وان ينجر إلى الإدلاء بصوته متأثرا بطائفته أو عشيرته أو رمزه مما يفضي إلى صعود نفس الطبقة السياسية السابقة ومرادفاتها ومثيلاتها إلى مجالس المحافظات وبالتالي نظل ندور في دائرة التخلف والفساد وفقدان الخدمات ففي ظل وضع اقتصادي ينذر بوقع مؤلم وثقيل على الطبقات الكادحة والمحدودة الدخل والإمكانيات المادية المحدودة، وهذا الأمر يهدد بمزيد من البطالة والفساد والتهميش وتكاثف أحزمة الفقر وتضخم بؤر الانفجاريات والأزمات والجريمة المنظمة وتجارة المخدرات والاتجار بالرقيق الأبيض ...الخ.