اخر الاخبار:
تفكيك مجموعة اجرامية "خطيرة" في بغداد - الأربعاء, 12 حزيران/يونيو 2024 10:52
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

كـتـاب ألموقع

التراث الصحراوي: التاريخ والذاكرة// انغير بوبكر

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

انغير بوبكر

 

عرض صفحة الكاتب 

التراث الصحراوي: التاريخ والذاكرة

محاولة قراءة

*انغير بوبكر

 

مقدمة :

ضمن منشورات المجلس الوطني لحقوق الانسان، تم اصدار كتاب مؤسس وهام لكل المشتغلين في الدراسات الصحراوية ، جمعت فيه اعمال ندوة الداخلة الدولية التي التأمت فعالياتها يومي 16و 17 دجنبر 2011 وعرفت مشاركة عدد كبير من الخبرات البحثية الوطنية والدولية ( المغرب وفرنسا واسبانيا والسينغال والنيجر وموريتانيا والبرتغال وامريكا والمكسيك) ، الندوة نظمها المجلس الوطني لحقوق الانسان تحت عنوان " حول التاريخ والذاكرة والتراث الصحراوي: البحث والصيانة والحفظ في المتاحف" بمدينة الداخلة بشراكة مع  جامعة محمد الخامس اكدال – الرباط، وكالة الجنوب والمجمع الشريف للفوسفاط جهة وادي الذهب لكويرة، وتندرج في اطار برنامج مواكبة توصيات هيئة الانصاف والمصالحة في مجال الارشيف والتاريخ والذاكرة، كما عرف الندوة حدثا هاما يتعلق بتكريم احد ابرز الباحثين في الدراسات الصحراوية بيير بونت PIERRE BONTE

 

ادريس اليزمي: الاثار والنقوش الصخرية تبقى من اكبر الشواهد التاريخية على ان الصحراء المغربية لم تكن ارض خلاء ولا منطقة مهجورة مغمورة

الأستاذ ادريس اليزمي باعتباره رئيسا للمجلس الوطني لحقوق الانسان اثناء انعقاد الندوة في دجنبر 2011 ،  ذكر باهمية دراسة تاريخ الصحراء الممتدة من وادي نون الى وادي الذهب باعتبارها منطقة شاهدة على قرون من  تاريخ الانسانية، حيث عرفت تواجد بشري منذ ماقبل التاريخ، ولعل الاثار والنقوش الصخرية  تبقى من اكبر الشواهد التاريخية على ان الصحراء المغربية لم تكن ارض خلاء ولا منطقة مهجورة مغمورة بل هي تنبض بالحياة وبالعمران البشري وتحتضن اجناسا بشرية، جاءت من كل الانحاء والاصقاع منجذبة بالمراعي وطرق التجارة الصحروية المزدهرة التي كانت نشيطة بفعل نشاط القوافل التجارية منذ قرون عديدة، التي استفادت من وجود قبائل قوية حامية لهذه التجارة الصحراوية كما استثمرت كذلك انتشار المسالك الصحراوية الامنة والابار التي تطفئ عطش التجار، عبر التجارة  الصحراوية انتقلت الافكار والمعتقدات والتقاليد، وتعمق التواصل الحضاري بين المغرب وبقية مناطق العالم اوروبا شمالا وافريقيا جنوبا ، رغم الطارئ الاستعماري الذي احدث قطيعة مؤقتة ورجة عنيفة في العلاقات بين الصحراء وافريقيا، الا ان قوة وترسخ العلاقات الثقافية والدينية بين الجانبين، حال دون تحقيق الاستعمار لاهدافه في انسلاخ الصحرء المغربية عن دورها الحضاري كوسيط تجاري وثقافي بين شمال افريقيا واوروبا شمالا وبين الصحراء الكبرى وافريقيا السواداء من جهة اخرى. الندوة الدولية في الداخلة حسب اليزمي ستحاول ان تضع حصيلة اولية للمصادر المخطوطة، وتلك التي توجد في الارشيف الاستعماري، مع رصد مواقع تواجد هذه المصادر وتقديم توجيهات منهجية ونظرية ونقدية للباحثين حول كيفية توظيفها في الكتابة التاريخية حول المنطقة . ، العمل اذا كل العمل على محاولة اضاءة عتمات في مرحلة تاريخية لم يدرس فيها تاريخ الصحراء ، خصوصا في المرحلة ماقبل الاستعمارية  التي تعاني من نقص فيما يتعلق بمصادرها التاريخية. فمازال كم كبير من الارشيف الاسباني والفرنسي لم تتم دراسته، ناهيك عن الذي لم تسمح بعد ادارة  الاستعمار بوضعه بين ايدي الباحثين. العقبة الرئيسية في البحث التاريخي عن الصحراء هي اننا امام مجتمع يهيمن فيه الشفهي المرتبط بالذاكرة التي هي معرضة للنسيان والاندثار مما يحتم مجهودات علمية رصينة لحفظ الذاكرة الفردية والجماعية ولكن بعدة منهجية وعلمية صارمة ودقيقة، فكتابة التاريخ انطلاقا من الشفوي والمروي  ومن النقوش والاثار لا يتم الا بمنهجية تاريخية علمية تنفتح وجوبا على العلوم الانسانية والاجتماعية الاخرى . ندوة الداخلة كانت مناسبة ايضا لتسليط بعض الضوء على  دور المتاحف في حفظ الموروث الثقافي سواء بجزءه المادي او  اللامادي، رغم سيطرة التقليد المتحفي بشكل كبير على صيانة وحماية التراث المادي في حين يتم فقد يوم بعد يوم لعدد  كبير من الموروثات اللامادية من اغاني واهازيج واكلات وفنون شتى.

 

احمد حجي: الاهتمام بالموروث الصحراوي ليس ترفا فكريا، بل التزام علمي وحضاري

الثانية كانت مساهمة مدير وكالة الجنوب انذاك احمد حجي، الذي اعتبر ان "الاهتمام بالموروث الثقافي للمغرب الصحراوي ليس ترفا فكريا او مجرد مشروع ثانوي يتم الحاقه بالاختيارات الكبرى المرتبطة بالاقلاع التنموي للاقاليم الجنوبية للمملكة" بل انه اختيار صائب يخدم بالاساس تفعيل نموذج هوية متعددة  المشارب والروافد، في اطار علاقات ممتدة عبر التاريخ بين العمق الصحراوي المغربي والغرب الصحراوي كمجال حضاري وثقافي مشترك.

 

عبد الرحمان نكايدي: قلة عدد الدراسات التي تهم العلاقات بين المغرب وافريقيا  السوداء بشكل عام على الاقل الى حدود سنة 1995 ، حيث انه من بين 120 شهادة او اطروحة تناقش بكلية الاداب بالرباط ، هناك خمس دراسات فقط تهم هذه العلاقات  المغربية الافريقية

مقال الباحث عبد الرحمن نكايدي ، الذي عنونه ب ذاكرة تاريخية مشتركة المغرب وافريقيا جنوب الصحراء (من القرن الحادي عشر الى القرن العشرين)، تطرق في بدايته الى ملاحظة في غاية الاهمية وهي في واقع الامر احالة الى ما قاله الباحث مصطفى القادري في انه من النادر ان ينظر الى المغرب والمغارب في بعدهما الافريقي، ذلك ان المغرب لا يوجد الا بالنسبة الى المشرق وبه، لان "العرب" يهيمنون على البحث التاريخي لهذه المنطقة منذ الاسلام و"الفتح العربي" الذي شكل اداته حسب الباحث نكايدي نقلا عن القادري مصطفى، كما ان الباحث اثار ملاحظة هامة نقلا عن عبد المجيد القدوري تتعلق بقلة عدد الدراسات التي تهم العلاقات بين المغرب وافريقيا السوداء بشكل عام على الاقل الى حدود سنة 1995، حيث انه من بين 120 شهادة او اطروحة تناقش بكلية الاداب  بالرباط ، هناك خمس دراسات فقط تهم هذه العلاقات المغربية الافريقية، رغم ان المغرب وافريقيا جنوب الصحراء ربطتهما تاريخيا علاقات كثيرة ومتنوعة لكنها غير مدروسة بشكل كبير ودقيق . سلط الباحث في بداية مداخلته النور على قضايا ابستيمولوجية تتعلق اساسا بضرورة الاجابة عن التساؤلات التالية: لمن نكتب  وعلى اية مشروعية نرتكز وعلى اي اساس وثائقي ننتج التاريخ؟ ، اي ضرورة تصحيح المصادر والوثائق المستعملة في التاريخ لكل البنيات المهمشة ومنها بنية التاريخ الافريقي والصحراوي الذي يرتكز الى يومنا هذا دراسته في الاغلب الاعم على رؤى طالما غدتها الاثنولوجيا الكولونيالية، لذلك تنامى الاهتمام بالمقاربة التاريخية التي تعطي اهمية كبيرة  للمصادر" الحقيقية" التي هي في حوزة الرواة والمحافظين على التقاليد، اي الاعتماد بشكل كبير على الرواية الشفوية والدلائل العلمية الاثرية التي تقول جزءا من الحقيقة العلمية المغيبة في معظم المصادر  الاوروبية المشوبة بصور نمطية حول المجتمعات الصحراوية، هكذا يصبح  من قبيل الضرورة الملحة وضع حد فاصل بين المقاربة الايديولوجية للتاريخ ورسالته  الاستكشافية التي تجعل خطابه مفهوما (...) وذلك بمساءلة حقبه المختلفة والاحداث التي هيكلته لاجل كتابة هذا "الوعي الجمعي" الذي كان في طور التشكل لكن المعمر اراد محوه او على الاقل ايقاف ديناميته. للتدليل على وجود علاقات تاريخية بين الضفتين الاساسيتين للقارة الافريقية: المغارب وافريقيا جنوب الصحراء، استدعى الباحث بعض المحطات التاريخية البارزة في ازمنة مختلفة من اجل ذلك،  فما اسماه "بالقرن المرابطي" كان مرحلة اساسية من مراحل القوة الاقتصادية والسياسية للامبراطورية المغربية التي سمتها التاريخية البارزة هي توحيد اسبانيا والمغرب تحت يافطة من اسماه ميشيل ابيطبول: MICHEL ABITBOL بالقائد السياسي الاكبر اي يوسف بن اشفين الذي غزت جيوشه الصحراء الجنوبية ثم جنوب المغرب ، ويعبر الاستيلاء على سجلماسة وغزو غانة عام 1077م احدى انتصاراته التي عززت القوة السياسية والاقتصادية للدولة المرابطية، والحروب بطبيعتها رغم قسوتها ووحشيتها الا انها تنقل ثقافة وعادات الشعوب الغازية وتحدث تثاقفا جديدا، اي ما اسماه الباحث نكايدي بالثقافات الناشئة الي ترسم معالم مجتمعا جديدة تتكيف مع واقع جديد وعالم يعرف تحولا مستمرا، وتساهم في خلق تاريخ مركب الذي يعبر بشكل عميق عن الاستمرارية الحيوية والتفاعلات الثقافية والقيمية التي ابانت عنها هذه الشعوب على امتداد عدة قرون، لقد قام المربطون بالفعل بدور تاريخي بالغ الاهمية من حيث توحيد المغارب او في تمتين وترسيخ العلاقات المغربية الافريقية، لذلك كانت الفترة المرابطية لحظة مؤسسة في التاثير المغربي في العمق الصحروي والافريقي، استعصى على كل القوى المحلية والاجنبية فيما بعد ان تحاول استئصال العلاقات المغربية الافريقية، على نفس النهج والمنوال سارت الامبراطورية الموحدية على نفس النهجي المرابطي في تطوير نفس البنيات العلائقية مع البلدان والشعوب الافريقية ، وان كان الاهتمام الموحدي بغزو الغرب الافريقي محدودا الا ان الفترة الموحدية عرف تطور التاثير العمراني والمعماري المغربي على المغارب وعلى الغرب افريقيا قاطبة ، وما يزال هذا التاثير قائما الى يومنا هذا ، المرحلة السعدية ستعرف فتح عهد جديد من العلاقات بين المغرب وبلاد السودان فاستثمر احمد المنصور الذهبي قوة بلاده العسكرية وحاجته امبراطوريته العسكرية الى الاستيلاء على ثروات السودان المتنوعة والغنية، امام اختلال دورة انتاج وتسويق السكر وحاجة الاقتصاد السعدي للعبيد والذهب لانعاش الدورة الاقتصادية، من الاسباب المباشرة التي تضافرت بالإضافة الى استيلاء ملوك صونغاي على مناجم ملح تغازة مما اضر بالاقتصاد السعدي واثر سلبا على دور الوساطة التجارية الذي يقوم به المغرب بين اوروبا وبلدان افريقيا جنوب الصحراء وبداية بروز الاطماع التركية والبرتغالية في ثروات السودان، لتعطي كنتيجة حتمية اجتياح المنصور لبلاد السودان. رغم ان الاهداف الاقتصادية لحملة المنصور السعدي على السودان كانت جلية وواضحة الا ان التسويغ الديني للحملة كان ضروريا واساسيا لتبرير الحملة ونتائجها، وتم اكراه الفقهاء واهل الحل والعقد على استصدار فتاوى معززة لموقف السلطان السعدي، وتم التركيز على انعدام النسب القرشي لذى حاكم السودان، الذي كان انذاك من شروط سلامة الحكم، بكل تاكيد تعتبر معركة 13 مارس 1591م المعروفة بمعركة تونديبي وهزيمة السونغاي، لحظة فارقة في العلاقات المغربية الافريقية وحدث موشوم في الذاكرة التاريخية الافريقية، خصوصا وان استيلاء السعديين على السودان تم فيه اعلان قوة الامبراطورية المغربية اقتصاديا وثقافيا وترابيا ، مما ايقظ مخاوف الاوروبيين الذين باتوا يتحسسون خوفا من قوة الجيش المغربي الذي تعزز بقوة زنجية كبيرة ستكون هي النواة الاولى لتشكل ما يعرف في الادبيات التاريخية المغربية بجيش البخاري ، الذي برز دورهم بقوة في عهد السلطان المولى اسماعيل، استطاع الباحث نكادي ان يؤصل للعلاقات المغربية الافريقية بالاستناد الى معطيات تاريخية واحداث سياسية قوية وراسخة في ذاكرة علاقات المغرب مع افريقيا جنوب الصحراء، لذلك فشل الاستعمار في القضاء على هذه التاريخ العلائقي الممتد رغم كل مجهودات الخلخلة التي احدثها بوضعه الحدود وتمزيق شعوب وتوزيعها على وحدات دولتية غير منسجمة. بعد الاستعمار تواصلت هذه العلاقات التي بدأت ضمد جراح الاستعمار والانحلال التدريجي من تأثير سياساته التغريبية على جميع الاصعدة ، وتعتبر العلاقات المغربية السنغالية من جهة والمالية من جهة اخرى نموذج بارز للانسجام والاندماج النموذج الناجح والمثمر للعلاقات المغربية الافريقية، ولعل الاستثمارات المغربية في عدد من البلدان الافريقية في مجالات متنوعة كالبناء والابناك والتامينات والاشغال العمومية والتعاون العلمي والاكاديمي واحتضان عدد من الدول وعلى راسها السنغال لعدد هام من الطلاب المغاربة خصوصا بكليات الطب والصيدلة وطب الاسنان، وفي المقابل استقبال الجامعات والمعاهد المغربية عددا هاما من الطلبة الافارقة ، اكبر دليل على تدشين عهد جديد متميز وواعد للعلاقات المغربية الافريقية. لقد حان الوقت اذا حسب الباحث نكايدي تفنيد الثنائية المزعومة بين عالمين يسمى احدهما مغاربيا ابيض والاخر جنوب صحراوي اسود  يختلف احدهما عن الاخر بل يكن له العداء (...) لبوغ هذا المرام ، وجب تشجيع التعاون العلمي وتبادل  التجارب ولاسيما تدريس هذا التاريخ  الذي تكاد الاجيال الحالية  لا تعرفه الا قليلا  او هي  تجهله مطلقا. 

 

عبد الكريم مدون : مقاربة اهتمام الدراسات والكتابات الكولونيالية بعيدا عن منطق  الهدم المعرفي بل التركيز على التأسيس المعرفي البديل بالاستفادة من المنهج الخلدوني

الباحث عبد الكريم مدون ، كان مساهمته في الكتاب ، جد قيمة ، استهلها وختمها  باشارة دقيقة تتعلق بهدف دراسته التي عنونها بين "الاسير والباحث" هذه الاشارة هي انه يقارب موضوع اهتمام الدراسات والكتابات الكولونيالية بعيدا عن منطق  الهدم المعرفي، بل بالتركيز على التأسيس المعرفي البديل، لذلك اعتمد المنهج الخلدوني في قراءة حركية المجتمعات الصحراوية التي تتميز بالحركة الدائمة الدؤوبة " الرحل"  وهو المنهج الذي يقوم على ان واقع معاش البدو وظروفهم الاجتماعية هي التي تبرر خشونتهم في كل تفاصيل حياتهم ، ملبسا ومأكلا وعلائقيا، مما يجعل الباحث يخلص الى نتيجة منطقية اساسية في دراسته  مفادها ان فهم المجتمعات الصحراوية "البدوية " وممارسات الفرد والجماعة  الاجتماعيتين  في هذه المجالات يمكن فهمها وتفهمها ان هي قرأت لذاتها وفي احترام لسياقات تمثلها للزمان والمكان والتهديدات والتحديات المطروحة امام ساكني هذه المجالات، وممارساتها الاجتماعية وانماط عيشها، رغم انها  قد تبدو غريبة عند مقارنتها بممارسات مجتمعية نعبر عنها بالتحضر او الانتماء للحداثة باللغة المعاصرة لكن ذلك سيفهم ان نحن وضعنا انفسنا مكانهم وحاولنا تقمص شخصياهم وفهم تخوفاتهم والتعرف على انشغالاتهم وسبر اغوار حياتهم اليومية في علاقاتها سواء بالانسان الاخر او بالطبيعة، لذلك فالباحث يلح على ضرورة قراءة المجتمعات الصحراوية "البدوية" قراءة علمية تنحو نفس المنحى الذي اختاره الباحث والسوسيولوجي الفرنسي روبير مونطان ،الذي اثنى عليه الباحث كثيرا ، اذ رغم خلفيته الاستعمارية و عمله الى جانب ولمصلحة السلطات الاستعمارية الفرنسية بالمغرب، الا ان خطابه حول البدو الرحل كان متوازنا ومنصفا وذو خلفية منهجية علمية ، لذلك نراه يقول ويشدد على انه " يجب ان نكلف انفسنا مجهود فهم  البدو الرحل، من خلال محاولة التفكير كما يفكرون، لذلك لابد لنا ان نتخلى عن احكامنا المسبقة وعن طريقتنا في قياس الزمن وفي تقسيم المجال وفي استشراف المستقبل وكذا التخلي عن عادتنا في الحكم على الناس والاشياء ، انطلاقا الباحث مدون في تناوله للمجالات الصحراوية انطلاقا من نظرتين مختلفتين لهذه المجالات، نظرة يمثلها الباحث السوسيولوجي روبير مونطان والتي تناولت دراسة المجال اعتمادا على منهجية علمية رصينة ، ونظرة يمثلها نصين كتبا من طرف فرنسيين اسرا في المجال الصحراوي من طرف الصيادين اثناء غرق سفنهم في القرن الثامن العاشر وامضيا جزءا غير يسير من حياتهما لدى القبائل والتجمعات الصحراوية، وخلافا لخطاب الباحث المدقق مونطان، كان خطاب الأسيرين  مفعم بمفاهيم واحكام قيمية تعكس بالطبع نفسية الاسير من جهة ومن جهة اخرى تميل الى التعميمات وغلبة الصور النمطية، فقد وصف  الاسيرين  بريسون  وصونيي ، المجتمعات الصحراوية بالمتوحشة وبالصلابة والتعطش للدماء، كما وقفا مليا على واقع الاذلال والتحقير الذي تعيشه المرأة الصحراوية. لقد استطاع الباحث والمؤرخ عبد الكريم مدون ان يستنطق نص الاسيرين ليقرا من خلاله البنية الدهنية التي صاغت النصين من جهة رؤيتها و تمثلها للآخر وهو تمثل لا يخرج بثة عن ما هو رائج ومعروف في الاوساط الشعبية وحتى العلمية في هذه المرحلة من تاريخ اوروبا اي القرن الثامن عشر من ازدارء الاخر ونعته بكل الاوصاف القدحية، ولعل اطلالة سريعة على ما كتبه هيكل عن افريقيا والبداوة في كتابه فلسفة التاريخ الجزء الثاني، دليل على انتشار هذه النظرة التحقيرية لكل المجتمعات التي توصف ب"البداوة" لدى الكتاب والباحثين والفلاسفة ... التي هي نظرة مؤسسة لظهور علم الانثربولوجيا نفسه كعلم يدرس المجتمعات " المتخلفة" مقابل السوسيولوجيا التي تدرس المجتمعات المتمدنة. وفق الباحث والمؤرخ مدون في ان يؤرخ لتمرحل لتطور الصورة النمطية عن المجالات الصحراوية عبر الاعتماد على نصين تاريخين، في القرن الثامن عشر، والى نص وبحث علمي  لباحث في القرن العشرين، لنتلمس التغير والتمايز الذي استمر الى يومنا هذا في التعاطي والنظر الى  المجالات الصحراوية والافريقية عموما.

 

برنابي لوبيث غارسيا: الاسباب التي جعلت اسبانيا مهتمة باستعمار جزيرة واد الذهب  وارسال البعثات العلمية اليها  انطلاقا من دراسة تقرير خوسيه غونثاليت

 

تحفل مساهمة الباحث والاستاذ بجامعة مدريد المستقلة  برنابي لوبيث غارسيا ، بكثير من المعطيات العلمية  الدقيقة  عن  مدينة الداخلة سنة 1905، وقد اعتمد الباحث على تقرير مفصل من صفحة 130 اعده المهندس  خوسيه غونثاليت،  حيث انه حاول في تقريره جمع اكبر قدر من البيانات المتاحة في المناخ والبنية الجيولوجية والتركيبة البشرية والمحيط الطبيعي لمنطقة جزيرة وادي الذهب، والتي اعطانا التقرير بعص الاسباب التي جعلت اسبانيا مهتمة باستعمارها وارسال البعثات العلمية اليها، فهي جزيرة  مهمة تجاريا وثروتها السمكية جد غنية ، كما ان الجزيرة توفر على خدمة منتظمة للبواخر وعلى مصنع  يضفيان عليها اهمية. التقرير المعتمد عليه  يضم وثائق وملحقات خرائطية وقعها المؤلف، وتصميم  للمصنع والحصن وصورا فوتوغرافية للبعثة، في الجزء الاول من التقرير يقوم كاتبه  بوصف جغرافي ويقدم تفاصيل مهمة عن الموقع والتضاريس وامكانية الملاحة بالشواطئ كما التركيز على المناخ يخلص التقرير على انه طقس جيد على العموم مقارنة مع مناطق اخرى في العالم يتواجد فيها الاسبان كالساحل الامريكي  ، ثم انتقل مؤلف التقرير الى وصف الساكنة ، حيث اعتبرها قليلة العدد (حوالي 176 شخص داخل الجزيرة و 130  يعيشون في اجزاء اخرى متفرقة خارجها  اي ما مجموعه حوالي 300 شخص ) سنة اعداد التقرير اي سنة 1905،  والاثار العديدة للسكان انما هي نتيجة مرور القوافل التجارية التي تنتقل من قبيلة الى اخرى ومن القبائل التي ذكرها التقرير، قبيلة اولاد العروسيين في الشمال، واولاد زكري في الجنوب، كلها من القبائل الرحل ويربط انتقالها باماكن تواجد المراعي التي تشكل اهم احتياجاتهم. اما اهم مصادر عيشهم فهي  الصيد والرعي... ونسبة قليلة من الساكنة من يعرف قراءة و كتابة اللغة العربية ، اي ثلاثة اشخاص من مجموع السكان، كما ان اثنان فقط من يعرف اللغة الاسبانية بل ويجيدها، التقرير يصف الساكنة وعاداتهم وتقاليدهم بازدراء شديد وبنظرة استعلائية واضحة   مثل وصفه قبائل اولاد دليم التي يصفها بالقبائل المشاغبة والجشعة بل والشرسة، يقدمك التقرير كذلك وصف دقيق ومنفصل للمصنع ومرافقه وقد تم هدمه للاسف الشديد سنة 2004 في تجاهل للقيمة التراثية والتاريخية لهذا الاثر كما يعتبر التقرير ذو قيمة تاريخية للتعرف على التراث الصحراوي من حيث حديثه عن  الثروة النباية والحيوانية التي تعرفها مدينة الداخلة تاريخيا من حيث وجود  النمور والفهود والضباع وبنات اوى والثعالب والارانب البرية والظباء والغزلان بالإضافة الى الماشية من اغنام  وابقار. 

 

احمد جوماني: علاقة كبار الرحل بالحدود الاستعمارية، وقارب تمثل الرحل للحدود الموروثة استعماريا والمفارقة الكبيرة بين مفهوم ومضمون الترحال كحركة دائبة والحدود كترسيم للاستقرار والجمود .

الباحث احمد جوماني ساهم بمداخلة متميزة تناولت علاقة كبار الرحل بالحدود الاستعمارية، وقارب تمثل الرحل للحدود الموروثة استعماريا والمفارقة الكبيرة بين مفهوم ومضمون الترحال كحركة دائبة والحدود كترسيم للاستقرار والجمود، لذلك كانت مداخلته محاولة موفقة لتسليط الضوء على الجوانب الكارثية والتعسفية   للتخطيط والتقطيع الاستعماري وانعكاساته السلبية على الاقتصاد الرعوي العريق ، كما اصل تاريخيا للتقطيع الاستعماري للمغرب الصحراوي مشيرا الى الاتفاقية السرية الموقعة بين اسبانيا وفرنسا لسنة 1904 والتي تم بموجبها تحديد نطاقي دائرتي نفوذ القوين الاستعماريتين  بالمغرب  الصحراوي ، فحصلت اسبانيا وفق هذه الاتفاقية على الساقية الحمراء ومنطقة طرفاية وصولا الى وادي درعة، الملاحظة الاولى التي نستشفها من هذه الاتفاقية بين اسبانيا وفرنسا لتقسيم النفوذ انها لم تراع ابدا التشكيلات القبلية الممتدة لذلك قسمت القبائل بين منطقتي النفوذين بدون مراعاة للخصوصيات المحلية و للانتماءات القبلية التي هي من ركائز المجتمع الصحراوي عبر التاريخ ، لذلك كان الباحث الجوماني على حق عندما اعتبر ان لا مستقبل للحدود ، حتى ولو كانت مثبتة على حواجز مادية ، اذا ما كانت منشغلة فقط بالاطار المادي. هذا التقسيم الاستعماري المقصود جدا لتفتيت البنية القبلية وبث بذور التفرقة والتجزئة بين القبائل ، ادى الى  اثار كارثية على مجموع اقتصاد الرحل والبنية الاجتماعية القبلية بصفة عامة رغم الاختلافات الموجودة بين تدبير الاستعمارين الاسباني والفرنسي للمجال القبلي، وتجلت اكثر السياسة الاستعمارية في المجال الصحراوي في العلاقات المتذبذبة والمتأرجحة بين قبائل كبار الرحل وبين السلطتين الاستعماريتين، وهي علاقة لم تستقر على حال ، انما تأرجحت تارة بين انتفاضة القبائل ومقاومتها وعصيانها وبين المفاوضات والهدنة اي الدخول في مرحلة  التدجين والمسالمة المؤقتة في انتظار الاستفادة من المراعي والتنقل الحر بين منطقتي النفوذ الاستعماري، فالتقارير الاستعمارية  تظهر فطنة الرحل وتمكنهم المتقن من اوجه القصور في الادارة الاستعمارية الفرنسية والاسبانية، وتجعل خطوط ترحالهم تتحرك على مجموع الاراضي دون اعارة اهتمام في الغالب لمصالح مراقبة الرحل. خلاصة مداخلة الباحث الجوماني هي ان رخص الانتجاع والقيود الادارية الاستعمارية المفروضة لم تستطع  التحكم بحركية الرحل بشكل كبير لكن الرعي الترحالي شهد تراجعا كبير بفعل عوامل كثيرة اهمها الظروف المناخية والسياسية والتحولات الاجتماعية والاقتصادية التي عرفها المجال الصحراوي ، الذي تحول فيه الرحل الى كسابة "متبرجزين" .

 

رحال بوبريك: من الخطا الاعتقاد حسب الباحث رحال بوبريك ان عملية ايكوفيون هي  سبب نهاية جيش التحرير وبالتالي تأخير تحرير الصحراء ، انما المرجح ان  عدم تحرير الصحراء في هذه الحقبة التاريخية  يعود الى عدة أسباب وتتحمل فيها  المسؤولية عدة اطراف

مساهمة رحال بوبريك في الكتاب  كانت حول عملية ايكوفيون التي تندرج  في اطار مساعي القوى الاستعمارية لتصفية جيش التحرير المغربي، فالقوتان الاستعماريتان فرنسا واسبانيا اختلفتا حول كثير من القضايا لكن اتفقتا على ضرورة تصفية جيش التحرير الذي بات صيته و قوته تستنفرهما معا. فحسب الباحث فقد تكونت نواة جيش التحرير بالجنوب المغربي من اعضاء سابقين في جيش الحرير المغربي الذي تشكل بالشمال والذي حل مباشرة  عقب الاستقلال ، لتنظم الى هذه النواة اولى المجموعات المسلحة الصحراوية في النصف الثاني  من سنة 1956 ، قبل ان تتوالى وفود المتطوعين  من قبائل الصحراء بعد انتقال قيادة جيش التحرير الى كلميم، حيث تمت قيادة اولى العمليات ضد  القوات الفرنسية  في مركز قريب من تندوف، عبر عملية اطار المعروفة بعملية تكل، بشمال موريتانيا، او عمل عسكري جنوب الساقية الحمراء ، وهي اول عملية  ذات شان دشنها جيش التحرير ضد المستعمر، رغم ان العملية العسكرية عرفت هزيمة قاسية  لجيش التحرير المغربي الا ان وقعها النفسي والاستراتيجي كان اكبر على المستعمر الفرنسي، لانها عملية استهدفت العمق الموريتاني وهددت المصالح الاقتصادية الفرنسية مباشرة خصوصا مع بدء الشركات الفرنسية استغلال مناجم الحديث بموريتانيا، اذا ، لم تقتصر عمليات جيش  التحرير على الجانب الفرنسي بل تغيرت استراتيجيتها  لتستهدف الوجود الاسباني كذلك، ولعل معركة الدشيرة التي وقعت احداثها الدامية يوم 13 يناير 1958 التي تكبد فيها الاسبان العديد من القتلى، دليل على تصميم جيش التحرير المغربي على مواجهة اسبانيا بنفس العزم والقوة التي تصدى بها للفرنسيين ، هذه المعركة كانت من الأسباب المباشرة التي اسرعت التنسيق الفرنسي الاسباني لوأد وتصفية جيش التحرير، رغم ان الفرنسيين كانوا دائما يتهمون الاسبان بالتغاضي عن عمليات جيش التحرير وممارسة نوع من الحياد وازدواجية المواقف فيما سبق، لقد  شكلت  مقاومة جيش التحرير الباسلة للقوتين الاستعماريتين، فرصة  لعقد قران سياسي توج بزواج مصلحة بين الاسبان والفرنسيين من اجل القضاء الميداني على قوات جيش التحرير المغربي، فانطلقت عملية ايكوفيون يوم 08 فبراير 1958 تحت قيادة القائدين العسكريين  الفرنسي DE GARLL  الذي كلف باحتلال مدينة السمارة  والذي كلف بمنطقة الساقية الحمراء ومنطقة كلتة زمور، فيما تولى الجنرال الاسباني VIDAL  مهمة شن هجوم بري وجوي انطلاقا من طرفاية والعيون والداخلة ، خلفت معركة او للدقة نقول مجزرة ايكوفيون مئات القتلى بين المدنيين  الذين لقوا مصرعهم جراء  القاء القنابل على مخيمات الرحل، بما فيها  قنابل النابالم، كما أدت المعركة الى القضاء على قطعان من الابل والماشية وتشريد المئات من  الاسر، وتهجير جماعي لعدد من القبائل نحو الشمال المغربي ، كان من النتائج المباشرة لموقعة ايكوفيون توقيع المغرب واسبانيا اتفاقية سينترا 1958 ابريل التي بموجبها انسحبت اسبانيا من مصب وادي درعة الى حتى نواحي طرفاية "الطاح" وكذا حل جيش التحرير المغربي بالصحراء في 24 مارس 1960  واندماج اطره في مختلف وحدات الجيش الملكي، لكن من الخطأ الاعتقاد حسب الباحث رحال بوبريك ان عملية ايكوفيون هي سبب نهاية جيش التحرير و بالتالي تأخير تحرير الصحراء، انما المرجح ان  عدم تحرير الصحراء في هذه الحقبة التاريخية  يعود الى عدة أسباب وتتحمل فيها المسؤولية عدة اطراف، ابرزها الرهانات والحسابات التي كانت وراء تأسيس جيش التحرير بالجنوب والتي تحكمها منذ البدء  اهداف بعيدة  أحيانا عن الشعار  المرفوع في تحرير البلد. 

 

خوسي انطونيو رودريغيث استيبان: عملية التمدن في الصحراء هي عملية للسيطرة والتمازج الثقافي. والنتيجة ان المجتمع بدا يفقد تدريجيا طابع الترحال ليتحول  السكان الى اجراء تابعين وبفعل التحضر نفسه تم خلق تكتلات سوسيو- ثقافية جديدة تجاوزت الاشكال التقليدية للتنظيم الداخلي للمجتمع الصحراوي

الباحث الاسباني خوسي انطونيو رودريغيث استيبان، شارك بمقال هام عن الخريطة الأولى للقياسات التي قامت بها السلطات الاسبانية اثناء استعمار الصحراء الاطلنتية ، حيث ان الحرب الاهلية الاسبانية  التي تلاها صعود طبقة عسكرية متعطشة للاستعمارات الخارجية ومنازعة الدول الكبرى على النفوذ ، وكذا طمع اسبانيا في أراض افريقيا الغربية خصوصا مع الهزيمة التي تعرض لها الفرنسيون في الحرب العالمية الثانية سنة 1941 م ، كلها عوامل اججت الحاجة الى البحث عن موارد ومناطق نفوذ جديدة في افريقيا الغربية والبوابة هي الصحراء الأطلسية،  لذلك أعطت السلطات الاسبانية أوامر مباشرة  لانجاز خرائط علمية ، شرع العمل فيها من سنة 1943 وتم الانتهاء منها سنة 1949 م ، وقام با  جغرافيون ومختصون جيو ديزيون وطبوغرافيون محترفون ، مكنت هذه الاعمال العلمية من  الكشف عن تراث اثري غني ستتم الاستفادة منه علميا ماضيا وحاضرا ، كما تضمنت الخرائط أسماء المواقع الجغرافية ودراسات قيمة عن  النباتات والجيولوجيا ، وهي دراسات ممهدة للاحتلال العسكري للصحراء الأطلسية. وقد مر الاستعمار الاسباني للمنطقة حسب الباحث الاسباني خوسي أنطونيو بثلاث مراحل رئيسية متمايزة ومختلفة ، المرحلة الأولى (1884-1940) ،  حيث قامت اسبانيا ببعض العمليات بهاجس الدفاع عن جزر الكناري وحماية أنشطة الصيد التي تمارس هناك ثم الحيلولة دون ترك الفرصة لقوى أخرى متربصة بالمنطقة خاصة الفرنسيين والالمان، وفي خضم الدفاع عن جزر الكناري  واستغلال الثروات السمكية المصطادة بكثرة  في المجال الممتد بين جزر  الكناري  والساحل الافريقي ، قامت اسبانيا  باستعمار ارض يسكنها  البدو الرحل ، واقتصر التواجد الاسباني على مؤسسة عسكرية ومناطق صيد الأسماك في شبه جزيرة وادي الذهب، لكن التحالفات الفرنسية مع قبائل ادرار بموريتانيا افشلت مساعي اسبانيا لتمديد سيطرتها الى منطقة تيشيت حيث  هي ممر  استراتيجي للقوافل التجارية وللوصول الى واحات ادرار، لكن ذلك لم يمنع اسبانيا ابتداء من سنة 1920م من بناء مناطق لهبوط الطائرات واحداث نظام للمراقبة ومراكز عسكرية ، احدها بالعيون ومنطقة للموارد الطبيعية على الطريق المؤدية الى الداخلة (فيلا سيسنيروس)  ومطار راس جوبي الذي احتلته اسباني سنة  1916 م واحتلال افني سنة 1934 .المرحلة الثانية (1940-1964)  ، ستبدأ هذه المرحلة بالدراسة العلمية  للأراضي التي تنوي اسبانيا استعمارها ، مع اقامةمشاريع التهيئة العمرانية للداخلة (فيلا سيسنيروس ) والعيون ، وبداية التنقيبات عن النفط ، اما المرحلة الثالثة (1964- 1975) تميزت ببداية مرحلة التنقيب عن النفط بعد الاعلان عن قانون الهيدروكاربورات في سنة 1958م، حيث حلت بالمنطقة العديد من الشركات الكبرى الأجنبية المهتمة بموضوع البحث عن الطاقة والمعادن ، مما سينعكس على البنية العمرانية لمدينتي العيون والداخلة التي بدا فيها الأجانب تشييد مساكن وكنائس وفق تصاميم التهيئة التي اعدها المعهد الاسباني للاسكان، وقد أدى العثور على مساحات واسعة غنية بالفوسفاط الى تغيير جدري في المنطقة حيث سيتقلص مجال البدو لفائدة المناطق الحضرية وتسارع انشاء مرافق الموانئ التي  تسمح بدخول السفن الكبيرة وتقوية الاتصالات الأرضية والجوية وخصوصا العسكرية منها . وقد خلص الباحث خوسي أنطونيو رودريغيث استيبان الى نتيجة منطقية مفادها ان عملية التمدن هي عملية للسيطرة والتمازج الثقافي. والنتيجة ان المجتمع بدا يفقد تدريجيا طابع الترحال ليتحول السكان الى اجراء تابعين (...) وبفعل التحضر نفسه تم خلق تكتلات سوسيو ثقافية جديدة تجاوزت الاشكال التقليدية للتنظيم الداخلي للمجتمع الصحراوي .

 

الاسبانية انخيلا هيرنانديث مورينو: ارتبطت الذاكرة الحديثة القريبة في الصحراء  بمسلسل تمزق اجتماعي ناجم عن فعل انهاء الاستعمار والمواجهات بين جماعات تنتمي الى المجتمع نفسه

 

الباحثة الاسبانية انخيلا هيرنانديث مورينو ساهمت بمداخلة حول قضية الصحراء  بين التاريخ والذاكرة، حيث ركزت في البداية على أهمية مقاربة الانصاف والمصالحة التي نهجها المغرب في اطار تصفية مخلفات الماضي، ثم ناقشت الخطابات والاتجاهات التاريخية بخصوص تناول قضية الصحراء المغربية التي انطلقت من معاناة المجتمع الصحراوي من اضطرابات سياسية كبيرة أدت الى انشطاره، لذلك ارتبطت الذاكرة الحديثة القريبة في الصحراء بمسلسل تمزق اجتماعي ناجم عن فعل انهاء الاستعمار والمواجهات بين جماعات تنتمي الى المجتمع نفسه، هذا التمزق انتج قراءتين واتجاهين تاريخيين، أولهما الخطاب الرسمي للدولة المغربية فيما يتعلق بالصحراء والذي ينتصر للوحدة الترابية المغربية والعلاقات التاريخية العميقة التي تربط بين شمال المغرب وجنوبه وضرورة  استكمال الوحدة الترابية المغربية من اجل بدء اوراش الديموقراطية والتصنيع ...  وثانيهما الخطاب الاستعماري الذي يعتبر الأقاليم الصحراوية منطقة جغرافية طبيعية لها  تاريخ وحضارة مختلفة عن التاريخ  والحضارة المغربيين، أهمية مداخلة الباحثة الاسبانية تتجلى في عنصرين رئيسيين:

-العنصر الأول يتمثل في الإقرار بان الاطروحة الاستقلالية الانفصالية التي تبنتها اسبانيا في البداية قبل ان تغديها لدى الأطراف الأخرى ، هي  مرتبطة اشد الارتباط بخدمة المصالح الاستعمارية، ولعب فيها القناصلة دورا مهما لفائدة الدولة الاسبانية والأخطر في الامر انها كانت مرجعا للنصوص اللاحقة التي ارتكز عليها معاكسة الوحدة الترابية المغربية ولم تعرض هذه الحجج  للتدقيق والفحص العلميين .

العنصر الثاني : يتعلق بالمحاور البحثية الرئيسية التي اقترحتها الباحثة الاسبانية كتوجهات بحثية ضرورية ومجالات بحثية أساسية لصيانة الذاكرة التاريخية للتراث الصحراوي وهذه المجالات هي :

-    مقارنة الاتجاهين  التاريخيين المتضادين والتحقق من الروايات التاريخية، وبالتالي تفكيك الخطابات التاريخية المتجاوزة واستعادة دراسة تاريخ المجال الصحراوي بطريقة علمية منصفة

-    انقاذ التاريخ الشفهي القبلي وذلك بتحديد هوية الاساطير والقصص الاصلية

-    الاشتغال بالذاكرة الجماعية الحاضرة و احداث قطيعة مع النظام الاستعماري السابق ونتائجه.

-    إعادة كتابة التاريخ  مسترجعين الشهادات الحية والذاكرة الشفوية مع مراعاة التدقيق والموضوعية .

 

يوسف اكمير: صدى قضية الصحراء في الصحافة الاسبانية وبشكل محدد  جريدة َABC اليمينية القريبة من فرانكو

الباحث والمؤرخ المغربي المتخصص في العلاقات المغربية الاسبانية يوسف اكمير  ، فكانت مداخلته في الكتاب هي صدى قضية الصحراء في الصحافة الاسبانية وبشكل محدد جريدة َABC اليمينية القريبة من فرانكو، فبعد سرده لتاريخ هذه الصحيفة العريقة في المشهد الإعلامي الاسباني التي تأسست سنة 1903 وعرفت اوج انتشار صيتها الإعلامي ما بين 1966 و1971. قامت الصحيفة بتغطية احداث حرب الريف  لسنة 1909 وغطت التحالف الفرنسي الاسباني ضد زعيم المقاومة الريفية محمد بن عبد الكريم الخطابي، كما تناولت حدث المسيرة الخضراء سنة 1975 وقد كان خطابها حسب الباحث اكمير خطابا معتدلا  واقل شوفينية اذا ما قورن بصحف اسبانية في نفس التاريخ ، خصصت الصحيفة صفحة كاملة لخطاب المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني حول ضرورة تحرير الأقاليم الصحراوية، كما تطرقت الصحيفة للمفاوضات المغربية الاسبانية التي ستتوج باتفاقية مدريد ، وقضايا أخرى تتعلق بالانسحاب الاسباني من الصحراء والظروف التي تم فيها .

 

البيرتو لوبيث بارغادوس: دراسة في مساهمة النشاط الصناعي والاستثمارات الأجنبية في التطور الذي عرفته الصحراء

.  الباحث البيرتو لوبيث بارغادوس ، الأستاذ السابق بجامعة برشلونة الاسبانية قدم مساهمة في تاريخ مدينة نواذيبو التي كانت تسمى ب (   وهي مدينة تم تأسيسها من طرف الإدارة الاستعمارية الفرنسية في أوائل القرن العشرين ، وقد كان الفضل  للباحث الرصين تيودور مونوTHEODORE MONOD  للتعريف بقرية الصيادين التي اكتشفها في خليج كانصادو المحيط بالمدينة ، التي عرفت فيما بعد بانها من اكبر المدن التي عرفت بالصيد الساحلي واحتضنت العمال والصيادين  القادمين من جزر الكناري ، والذين ربطوا علاقات متشابكة ومتنوعة مع السكان الأصليين ومع  ارباب السفن الكناريين  الذين وقعوا  اتفاقيات مع شيوخ القبائل  الكبرى في الداخل الصحراوي، الذين يفرضون الضرائب على  مجموعات صيادي الساحل الذي يدعون امراكن  الذين يشتغلون  في السواحل او او في احوار اركين المرتبطة بالنشاط اليدوي ، وقد حلل الباحث بيير بونت باسهاب العلاقة التي ربطت كبار شيوخ القبائل الصحراوية مع الشركات الاجنبية ومنها الشركات المستغلة للثروة السمكية مثل الشركة الفرنسية  الصناعية للصيد الكبير  سنة 1919 م ، وقد ساهم النشاط الصناعي والاستثمارات الأجنبية في التطور الذي غرفته نواديبو في السنوات الموالية وقد تحدث  بيير بونت كذلك عن هذا الامر في كتاباته التي رصدت مسارات التعمير والتنمية الاقتصادية  والبنية السكانية  التي شملت المدن الكبرى في  موريتانيا في الأبحاث المخصصة لنواذيبو التي غادرها  الكناريون نهائيا أواخر سنة 1970 م و مطلع سنة 1980 ، نتيجة الإرادة السياسية الموريتانية  لخلق قطاع صيد بحري موريتاني خالص.

 

خيسوس مارتينيت ميلان: التاريخ الاقتصادي في اطار مقاربته للاستعمار الاسباني للصحراء المغربية على ضوء  الدراسة التي قام بها حول أرشيف الشركة الاسبانية للاسهامات الصناعية 

 

 الباحث في جامعة لاس بالماس، خيسوس مارتينيت ميلان، ركز في مداخلته في الكتاب حول التاريخ الاقتصادي في اطار مقاربته للاستعمار الاسباني للصحراء المغربية على ضوء الدراسة التي قام بها حول أرشيف الشركة الاسبانية للاسهامات الصناعية، حيث قارب موضوع النشاط الاقتصادي الذي عمل فرانكو وكذا الحكومات الاسبانية الأولى على ترسيخه في قطاع الصيد البحري ، عبر شركات مختلفة وفي ازمنة متنوعة  بدءا من سنة 1946 م الى غاية سنة 1977م.

 

احمد سكونتي: حث جميع المتدخلين في القطاع الثقافي الى إيلاء الاهتمام للتراث الطبيعي والثقافي الذي يزخر به مجال الصحراء  ومحاولة التصدي لكل الاخطار المحدقة بهذا التراث العريق الذي يجب صيانته وحمايته وفق الاليات الدولية النموذجية في التي اقرتها الهيئات الأممية ومنها منظمة اليونسكو 

 ساهم الباحث المغربي احمد سكونتي بمساهمة علمية تتوخى تسليط الضوء على الإمكانات الجيولوجية والمورفولوجية والبيولوجية التي تختزها الصحراء الاطلنتية  بالإضافة الى التعريف بالمهارات والمعارف التي راكمها الانسان الصحراوي ، لذلك كان للمداخلة طابعها الترافعي كذلك من حيث حث جميع المتدخلين في القطاع الثقافي الى إيلاء الاهتمام للتراث الطبيعي والثقافي الذي يزخر به مجال الصحراء  ومحاولة التصدي لكل الاخطار المحدقة بهذا التراث العريق الذي يجب صيانته وحمايته وفق الاليات الدولية النموذجية في التي اقرتها الهيئات الأممية ومنها منظمة اليونسكو  التي اقرت اتفاقية دولية خاصة بالتراث العالمي سنة 1972  واتفاقية التراث الثقافي غير المادي لعام 2003 واللتان  صادق المغرب  عليهما .، وقد راكم الباحث تجربة مباشرة في تعامله مع التراث الصحراوي في مناسبتين ، الأولى اثناء مساهمته في تحضير القائمة التمهيدية للمغرب للتراث العالمي لليونسكو بين عامي 1996-1999 حينما كان مكلفا بالبحث في مديرية التراث الثقافي ، وكان الهدف هو إضافة مواقع اثرية وطبيعية جديدة الى لائحة التراث المغربي المعترف به دوليا، وقد وفق الباحث وفريقه في ادراج موقعين صحراويين هما  المنتزه  الوطني للداخلة وبحيرة اخنيفيس ، بعدما كانت القائمة الى غاية سنة 1998 لا تحتوي على أي ثراث او مواقع طبيعية في المناطق الصحراوية المغربية، المناسبة الثانية هي الاعداد لترشيح موسم طانطان ضمن برنامج روائع التراث الثقافي الشفاهي وغير المادي ، وهو برنامج اممي سبق اتفاقية حماية التراث الثقافي التي تبنتها اليونسكو سنة 2003م، وكان للزيارات المتكررة للباحث للمناطق الصحراوية المغربية وخاصة مدينة طانطان الأثر البالغ في اطلاعه الجيد على الغنى التراثي الذي يتصف به التراث الثقافي غير المادي بالصحراء  وخاصة ثقافة البدو والرحل والممارسات والمعارف والمهارات المتعلقة بتربية الابل والنشاطات المتمحورة حولها هذه الثروة الحيوانية الهامة التي تزخر بها المنطقة، ثم  المساهمة العلمية الجادة من قبل الباحث للقيام بجرد مفصل لحالة  الصيانة للتراث المادي  والطبيعي والثقافي مما أتاح له اقتراح خريطة للصيانة ومدة قابلية التراث للصمود ، وبالتالي تحديد أولويات الصيانة على أسس ومعايير موضوعية  توقف تدهور التراث ، كما مكن هذا الاهتمام بانتقاء المواقع والعناصر التي يتم توجيهها للاعتراف الدولي  بعد استجابتها للمعايير المعتمدة دوليا

 

رحمة ميري: منهجية جمع المعلومات حول عناصر التراث الثقافي غير المادي يعتمد جرده وتصنيفة  وفق ثلاث مراحل:

 

وفي نفس المنحى سارت مساهمة الباحثة المغربية رحمة ميري التي ركزت في مداخلتها على ان منهجية جمع المعلومات حول عناصر التراث الثقافي  غير المادي يعتمد جرده وتصنيفة  وفق ثلاث مراحل:

أولا : الاطلاع على المعطيات الموجودة والاستعانة لاجل ذلك بالمتاحف الاثنوغرافية والمكتبات والجامعات ومراكز البحث والتوثيق ومواقع الارشيفات المحلية والصحافية ..الذين يتوفرون على وثائق مكتوبة او كتب او ارشيفات  مصورة او مسجلة او أفلام، وهذا التوثيق يشكل مصرا مهما من مصادر المعلومات و يساعد في اغناء لوائح التراث الثقافي غير المادي .

ثانيا: البحث الاثنوغرافي الميداني الذي يرتكز على النزول للميدان وجمع المعلومات مباشرة لدى ممارسي هذا التراث وحامليه، ويستحسن ان يكون مع الباحث أدوات وصور فوتوغرافية واشرطة قصيرة وعدة أساسية للتوثيق والارشفة.

ثالثا: استثمار معطيات البحث الميداني وتحسيس الساكنة بأهمية التراث الثقافي الذي يتوفرون عليه، وتقع على الباحثين والمؤسسات المختصة مسؤولية جرد التراث وتوعية حامليه وممارسيه بأهمية تراثهم وتحفيزهم على تثمينه وحثهم على الحفاظ عليه ونقله للأجيال اللاحقة.

 

الباحث البرتغالي فرانشيسكو فرير: الاهتمام البرتغالي بالمدن التاريخية الموريتانية يندرج في اطار جهود البرتغال في التأريخ  لاحد الرموز الصغيرة لحضورها في الصحراء.

الباحث البرتغالي فرانشيسكو فرير، ساهم بمقال في الكتاب عن تاريخ ودان الموريتانية وموروثها الثقافي ، وتحدث على الخصوص على الجهود التي بذلتها الحكومة البرتغالية من اجل إعادة ترميم عدة مباني واثار ثقافية بودان، تنفيذا  لأول اتفاقية تعاون ثقافي بين موريتانيا والبرتغال ابرمت في دجنبر 1998 م ، واستفادت ودان وفق الاتفاقية على إعادة بناء السور الخارجي لما يسمى " بالحي القديم" للمدينة، وقد انعشت هذه الإصلاحات الحركية السياحية في موريتانيا بصفة عامة وفي ودان على وجه الخصوص كما عرج الباحث الى الاهتمام البرتغالي بالمدن التاريخية الموريتانية يندرج في اطار جهود البرتغال في التأريخ لاحد الرموز الصغيرة لحضورها في الصحراء  واستجابة لرغبة موريتانيا  في ادماج هذا الجانب من تاريخ البلاد في رواياتها حول مسالة الهوية.

 

الباحثة الفرنسية ان ماري بريزبار: الأنظمة الرعوية في المجالات الصحراوية ساهمت في الحفاظ على فصائل حيوانية ذات أهمية وراثية اصيلة ، استطاعت ان تقي مجموعة من الأنواع من الانقراض

الباحثة الفرنسية ان ماري بريزبار تطرقت في مقالها للمهارات والمعارف المرتبطة بالرعي، كما اشارت كذلك الى الأهمية التي تحظى بها الأنظمة الرعوية في المجالات الصحراوية، حيث يستطيع المربون الذين يعيشون حياة قاسية مع ممارسة الترحال المستمر من ابتكار اليات التكيف مع المحيط وإنتاج ممارسات ومهارات في التعاطي مع الحيوانات المدجنة والمجال بصفة عامة ، لذلك استرعت معارف الرعاة الصحراويين وممارساتهم وتمثلاتهم منذ زمن طويل اهتمام الباحثين ، بل وكذا اهتمام الجنود الذين كانوا في احتكاك بالبدو الرحل، خاصة منهم راكبي الجمال. هذا الاهتمام العلمي بثقافة الرحل و بمهاراتهم وممارساتهم في الرعي وفي تدبير المجال الرعوي كانت موضوع دراسات علمية كثيرة ، لعل ابرزها "دراسة  حول جمل الصحراء الغربية " لفانسان مونتاي التي تناولت باسهاب مهارات تقنية راكمها  رحل الصحراء في علاقتهم الدائمة بالجمال ، بنفس امتلاكهم معارف حول الأنواع النباتية وخصائصها الغذائية واستخداماتها التطبيبية . الباحثة ان ماري بريزبار قامت بدورها بابحاث علمية حول الممارسات التقليدية  لمجموعات المربين في جنوب فرنسا والمغرب الكبير وافريقيا الغربية ، وخلصت في ابحاثها الى نتائج هامة ومبهرة تتعلق بمهارة رعوية غير معروفة عند غير المتخصصين ، بيد انها ، مع ذلك ، موجودة لدى غالبية المجتمعات الرعوية وتم اختبارها منذ الالاف السنين .والواقع  ان وضع الناقة حملها واللحظات الأولى  من حياة وليدها هي من اهم اللحظات في نشاط المربين كما ان من المهارات التي ابدع فيها الرحل في المجال الصحراوي  تقنيات تربية الجمل  وتقنيات التبني والحلب ، والتي مهدت لابحاث ونتائج علمية كبيرة من لدن البيولوجيين في المعاهد العلمية المختصة ، الأنظمة الرعوية في المجالات الصحراوية ساهمت في الحفاظ على فصائل حيوانية ذات أهمية وراثية اصيلة ، استطاعت ان تقي مجموعة من الأنواع من الانقراض ، كما ان في وسع المحافظة على التراث الوراثي لهذه الفصائل ان يسمح أيضا بخلق فصائل جديدة  تحمل أجوبة تتناسب مع الحاجيات الغذائية للمجتمع.

 

الباحثة الفرنسية كورين فورتيي: معظم الاثار الموجودة قد تم جلبها من المستعمرات وترتبط أساسا بالتاريخ الاستعماري الفرنسي في افريقيا الشمالية والمغرب من اكثر البلدان المغاربية تمثيلا  في مجموعات هذين المتحفين اذ يضم 3233 اثرا على الأقل

الباحثة الفرنسية كورين فورتيي، استطاعت من خلال مقالها، المجموعات الصحراوية بمتحف كي برانلي ان تسلط الضوء على عدد من الكنوز الإنسانية التي تم جلبها من المستعمرات الافريقية  ومن المناطق الصحراوية والتي تتشكل أساسا من ما يوجد بمتحف الانسان لتروكاديرو والمتحف الوطني  لفنون افريقيا واقيانوسيا الواقع سابقا ببورت دوري بباريس حيث تم نقل محتويات المتحفين الى متحف كي برانلي سنة م2006 . كما تناول المقال كذلك باسهاب  المجموعات الاثرية والمتحفية الصحراوية  التي تشكلت بسويسرا  بمتحف نوشاتيل الاثنوغرافي على يد جان غابو .

تعترف الباحثة على ان معظم الاثار الموجودة قد تم جلبها من المستعمرات وترتبط أساسا بالتاريخ الاستعماري الفرنسي في افريقيا الشمالية والمغرب من اكثر البلدان المغاربية تمثيلا  في مجموعات هذين المتحفين  اذ يضم 3233 اثرا على الأقل . معظم مواد متحف الانسان قد جمعها بالصحراء مسافرون وعسكريون واداريون  وعدد كبير من ضباط الجيش الكولونيالي وتضم هذه الاثار الرماح والسكاكين  والدروع . يضم متحف الانسان مئة اثر مكونة من أسلحة وأدوات من خشب وستعزز عبر مراحل مختلفة بأثار أخرى الاتية من معسكر بمنطقة ترارزة وضابط مقيم بموريتانيا اسمه دييغو بروسي ساهم باثراء المتحف ب 33 تحفة اثرية عام 1933 م  كما سيقوم  تيودور مونو  الذي زار  موريتنايا  عدة مرات بجلب 16 اثرا من الطين من تاكانت شمال موريتانيا وسيشرف المعهد الفرنسي للدراسات الافريقية الموجود بالسينغال في تجميع المواد الصحراوية ، في عام 1938م ستجلب اوديت دو بيكودو 80 تحفة لفائدة المتحف كما ستغنيه بصور ومحكيات ذات قيمة اثنوغرافية عالية الأهمية. اما متحف نوشاتيل الاثنوغرافي  الذي قامت الباحثة بزيارته  سنة 2009  فيضم أشياء موريتانية هامة  انتقي اغلبها من طرف الاثنولوجي وعالم المتاحف جون غابو  المتوفى سنة 1992 م ، وتعود مجموعات هذا المتحف الى اخر القرن  الثامن عشر . وعندما صار جان غابو مديرا لمتحف  نوشاتيل الاثنوغرافي سنة 1945 م كان مخصصا بنسبة 80 في المئة لافريقيا "السوداء"  وسيقرر جان غابو تكملة مجموعات هذا المتحف بالاثار الاتية من افريقيا الشمالية وخاصة الصحراء من عند البيضان والطوارق ليغير مسار المتحف جذريا خاصة بعد ان قام بعدة  بعثات علمية الى الصحراء ما بين 1947و 1955 جلب منها  ما مجموعه 2961 تحفة فنية . 150 منها ضمن الجواهر والحلي، كما جمع  تحف من موريتانيا لدى صناع مذرذرة وبوتلميت بالترارزة  وكذلك لدى الصناع التقليديين بولاتة حيث اقام أبحاث عن جماعة النماديين أي الصحراويين الذين يصطادون الغزلان بكلابهم. ان اعمال جان غابو علامة فارقة في إعادة تسليط الضوء على كنوز الصحراء وعلى  الجمع بين الحس الجمالي والاستعمال الاجتماعي والثقافي للتحف الاثرية فأسس بذلك بامتياز علم المتحف الصحراوي الأصيل.

 

محمد دحمان : مفتاح التنمية ليس هو فقط استيراد التكنولوجيا من اجل تحقيق الرخاء الاقتصادي للسكان بل كذلك واساسا الاهتمام بالإنسان باعتباره أداة التنمية وغايتها، لذلك تطرح اليوم لازمة التنمية المستدامة في علاقتها العضوية مع  الموارد البشرية وثقافتها

 

مقال الدكتور محمد دحمان  حول حماية الثقافة الشفهية الحسانية ركز على مسالة رئيسية هي ان مفتاح التنمية ليس هو فقط استيراد التكنولوجيا من اجل تحقيق الرخاء الاقتصادي للسكان بل كذلك واساسا الاهتمام بالإنسان باعتباره أداة التنمية وغايتها ، لذلك تطرح اليوم لازمة التنمية المستدامة في علاقتها العضوية مع  الموارد البشرية وثقافتها التي يوجد في طليعتها الإرث الثقافي الشعبي والتقاليد المتوارثة . والمغرب باعتباره من البلدان السائرة في طريق النمو يختزن ثقافة  وموروثا شعبيا غنيا وفي صلبه الثراث الحساني لكن  يعيش في تهديد حقيقي يتعلق  بتسارع وتيرة التغير الاقتصادي والاجتماعي في الأقاليم الصحراوية لكن مقابل عدم انتاج او توظيف الثقافة الشعبية . يرتكز الباحث في دعوته الى إعادة الاعتبار للموروث الشفهي الحساني  وخاصة الشعر الحساني "الغن"  على مقولة للباحث هامباتي با الذي يعتبر ان الانسان هو كلامه وكلامه شاهد على من هو، لذلك من أراد دراسة المجتمعات الصحراوية لابد له من استكناه  المعارف المنقولة شفاهيا من جيل الى جيل الى اخر عبر الزمن فيما اسماه الباحث الافريقي بالذاكرة الحية لافريقيا . فمنطقة الساقية الحمراء ووادي الذهب ، عرفت نهضة أدبية  كبيرة في مجال الشعر الحساني  خلال القرن التاسع عشر الميلادي  والنصف الأول من القرن العشرين وقد ارجع بعض الباحثين الأجانب ومنهم الباحث الانثربولوجي  الاسباني خوليو كارو باروخا بين تطور الشعر الحساني في الصحراء وبين الحراك العسكري والحرب بين القبائل المتنازعة او بينها وبين الاستعمارين الفرنسي  والاسباني بداية القرن العشرين. الباحث محمد دحمان يركز على قضية جوهرية  وهي ان  الموروث الشعبي الشفهي جزء أساسي ومهم من الذاكرة المحلية بل يعد من اهم المرويات الشفاهية الحاضرة دائما عند جميع  القبائل والحياة اليومية للناس، فهو سجل للذكريات وعاكس  لطبيعة العلاقات الاجتماعية وانماط العلاقة بالمكان . الشعر الحساني الشفهي يختزن أماكن للذاكرة ويحفظ اللغة ويعتبر تاريخا لعدد من الاحداث الاجتماعية والسياسية التي حدثت ،لذلك يعتبر ان حماية التراث الشفهي وتدوينه وتوثيقه مسالة هامة في تاريخ  مجال صحراوي ما زال الباحثون يتلمسون الطريق لتأريخ احداثه . لذلك يختم الباحث دحمان مقاله بتوصية هامة تتعلق  بضرورة الإسراع بتدوين  التراث الشفهي الحساني  صيانة وحماية وتثمينا لاسيما الشعر الشعبي الأكثر انتشارا خاصة وان رحيل العديد من كبار السن الذين يحفظون  الاشعار الحسانية  ويحرصون على  روايتها واستحضارها ، يتناقصون يوما بعد يوم ،كما ان  الموروث الشفاهي اصبح مهددا  بفعل هيمنة ثقافة الصورة  وهيمنة وسائل الاعلام الحديثة على الناس  وتراجع الجلسات الجماعية خاصة مع التحولات الاجتماعية العميقة التي تعتمل داخل البنية الاجتماعية الصحراوية والانتقال من الجماعة والجماعي الى الفرد والفردانية. يجب ان يوظف الموروث الشفهي في البرامج الدراسية وفي انشاء متاحف جهوية وفي ابداع مسرحيات واعمال أدبية حسانية من اجل  تمتين وترسيخ المكون الثقافي الحساني  ضمن مكونات الهوية الوطنية المغربية الجامعة .

 

الباحث الموريتاني سيدي احمد ولد احمد سالم : لا يزال تراث ولاتة وتيشيت من مؤلفات و مخطوطات بحاجة الى عناية اكثر

الباحث الموريتاني سيدي احمد ولد احمد سالم الذي يعمل بمركز الجزيرة للدرسات بقطر ساهم بمداخلة جد قيمة حول الفضاء الحساني والتراكم المعرفي ، بدا مداخلته بالتعريف بالفضاء الحساني الذي اعتبره مجالا ترابيا متسعا من ميزاته الأساسية تداول ساكنته للهجة الحسانية  فضلا عن  تقاربهم في ظواهر اجتماعية وتاريخية ودينية، يجمع هذا الفضاء موريتانيا والأقاليم الجنوبية المغربية بالإضافة  الى منطقة تندوف في الغرب الجزائري وإقليم ازواد في شمال مالي .

حسب الباحث عرف الفضاء الحساني في القرون الثلاثة الماضية انتاجا ثقافيا متميزا ، كما تميز الفضاء بانه احتضن وانجب علماء ومدارس علمية مشهود لها بالعلم والتدريس ، كما انتج الفضاء الحساني كبار الشعراء  والفقهاء واللغويين ، وتم تأسيس مكتبات كبيرة تحتضن مخطوطات نادرة . هذه النهضة الثقافية  تشكل امتدادا لحركة المرابطين التي كرست انتشار الإسلام ورسخت تدريس المعارف المختلفة ، وقد احتكرت فئة الزوايا المهام العلمية في اطار تقسيم قبلي للمهام بين العلم والحرب .ويوجد التراث الصحراوي الحساني في مدن صحراوية شكلت خلال القرون الماضية محطات ومواقف  للتجارة بين الصحراء وأهمها : ولاتة وشنقيط وودان وتيشيت  التي ظهرت بين القرنين الحادي عشر والرابع عشر .ففي الوقت الذي حظيت فيه مخطوطات مكتبتا شنقيط وودان ومخطوطاتهما ببعض الصيانة فان مكتبات ودان تعرضت للإتلاف  بفعل هجرات  سكانية متتالية  وما عانته المدينة من تصحر  لذلك انتقلت المخطوطات من ودان الى تيشيت . ومن امثلة المكتبات الودانية  التي هاجرت نحو  تيشيت نجد مكتبة  اهل الناجم  وهي اسرة من ادو الحاج  كما تم نقل مكتبة  العالم والمؤلف  الوداني احمد بن طوير  الى مدينة شنقيط . اما مدينة شنقيط فهي من اعرق المدن الموريتانية  التي تحتضن  مؤلفين وعلماء كبار مثل الطالب محمد  بن المختار بن بلعمش العلوي واحمد بن البشير الغلاوي وتعتبر مكتبة اهل حبت بشنقيط من اهم وابرز مكتبات المخطوطات والتأليف بموريتانيا  من حيث التنوع  والأهمية وكثرة الوثائق . كما ان مكتبة اهل الشيخ سيديا في مدينة تلميت الترارزية فهي من اعظم المكتبات الموريتانية، كانت هناك عدة محاولات علمية لجرد وفهرسة وتعريف  مخطوطات شنقيط  وقد  بدأت سنة 1950 حين نشر المختار بن حامدن والبير لريش مقالا في نشرة المعهد الوطني لافريقيا السوداء  عن مكتبات شنقيط  وفي سنة 1966 قام المؤرخ ابن حامدن أيضا ومعه خبير من اليونسكو يدعى ادام هيموفسكي  بوضع  فهرس مؤقت للمخطوطات المحفوظة بموريتانيا  وتم حصر 2054 تاليفا مخطوطا لحوالي 394 مؤلفا موريتانيا ، كما ان المعهد الموريتاني للبحث العلمي المؤسس سنة 1975م ، قام بجهد علمي لجمع وصيانة وفهرسة المخطوطات الموريتانية. وفي سنتي 1988 -1989م قام سيدي احمد بن احمد سالم وشارل استيوارت واحمد بن محمد يحي بإعداد فهرس عام لمخطوطات المعهد  الموريتاني للبحث العلمي  كما انجز قبل ذلك بقليل أي سنة 1987 فهرسة لمكتبة اهل الشيخ سيدي الموجودة  ببوتلميت من طرف استيوارت شارل ، اما الباحث محمدو بن الداه بن ايدة فقد قام بفهرسة لمخطوطات مدينة ولاتة كما قام احمد بن محمد يحي باعداد فهرس اخر للمخطوطات الموجودة  بمكتبات تيشيت في صيف 1997. اما مجهودات تصوير المخطوطات على شكل أفلام فقد بداها الباحث الألماني الريخ روبشتوك بالتعاون مع الأستاذ احمد بن عبد القادر والأستاذ  راينر اوسوالد  وقاموا بإنجاز فهرس من 2603 مخطوط ومصورا من 100 مكتبة موريتانية  من مختلف مناطق البلاد وقد استمر هذا المشروع الموريتاني الألماني اربع سنوات حيث انتهى  سنة 1984م وفي سنة 2002  في اطار مشروع صيانة و تثمين التراث الثقافي الموريتاني الذي يموله البنك الدولي  تم جرد 776 مخطوطا موزعة  على 175 مكتبة  موريتانية.

تدور تأليف هذا الفضاء حول مختلف المعارف العربية الإسلامية التقليدية .ويلخص المستشرق المختص في  الثقافة في هذه المنطقة جون هانويك اهتمامات المؤلفين بانها تندرج ضمن اربع عناوين رئيسية  هي الكتابات التاريخية والتربوية والتعبدية والسجالية. وقد كان للمغرب دور مؤثر وفاعل في التأثير في الفضاء الثقافي الحساني فالزاوية الكنتية المختارية بازواد كانت على اتصال مستمر بالبلاط  العلوي الذي كان  من مصادر تزويد هذه الزاوية بالكتب . كما نال الشيخ سيديا بن المختار بن الهيبة حظوة كبيرة عند سلطان المغرب  .

 

خاتمة :

هذه بعض المداخلات العلمية القيمة التي حفل بها كتاب التراث الصحراوي ، التاريخ والذاكرة ، وقد تضمنت هذه المداخلات ادلة  علمية على الترابط المتين والمشترك الثقافي الجلي والامتداد التاريخي للتراث الصحراوي كمكون أساسي من مكونات التراث المغربي والافريقي عموما ، اذ رغم المحاولات الاستعمارية لفصل المجالين الصحراوي عن  المجال المغربي من جهة وعن افريقيا من جهة أخرى الا ان النقوش الصخرية والفتوحات العلمية في مجال الاركيولوجية والرواية الشفوية المبثوثة في نفوس السكان وفي عادات الشعوب الافريقية، كانت عناصر ساهمت الى جانب غيرها في تقويض الأهداف الاستعمارية التجزيئية والتفتيتية التي عمل عليها المستعمر كثيرا ، كما ان مقاومة  التراث الشفوي اللامادي الأزمنة الطويلة وتقلباتها ، ساعد كثيرا في ان  يبقى التراث الصحراوي في مختلف تجلياته  شاهدا على عمق التواصل المغربي  الافريقي.

 

انغير بوبكر

المنسق الوطني للعصبة الامازيغية لحقوق الانسان بالمغرب

باحث في قضايا الديموقراطية والتعدد الثقافي وحقوق الانسان

حاصل على دبلوم السلك العالي للمدرسة الوطنية للادارة بالرباط

خريج المدرسة المواطنة للدراسات السياسية

دبلوم المعهد الدولي لحقوق الانسان بستراسبورغ

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

212661093037

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.