د. ادم عربي
واشنطن وموسكو.. صراعٌ لتبادُل المصالح!
د. ادم عربي
كُلَّمَا تَأَزَّمَتِ العَلَاقَةُ بَيْنَ وَاشِنْطُن وَمُوسْكُو، حَتَّى لَوْ كَانَتِ الأَزْمَةُ أَقَلَّ حِدَّةً مِنْ "أَزْمَةِ القِرْمِ" السَّابِقَةِ أَوْ أَزْمَةِ أُوكْرَانْيَا الحَالِيَّةِ، يَكْثُرُ الحَدِيثُ فِي الإِعْلَامِ عَنْ اِحْتِمَالِيَّةِ عَوْدَةِ الحَرْبِ البَارِدَةِ أَوِ اِسْتِئْنَافِهَا، رَغْمَ أَنَّ تَارِيخَ العَلَاقَةِ بَيْنَ العَاصِمَتَيْنِ لَمْ يَشْهَدْ حَرْبًا مُبَاشِرَةً. يَتَفَرَّعُ مِنْ هَذَا النِّقَاشِ مَوْضُوعٌ آخَرُ يَتَعَلَّقُ بِالنِّظَامِ الدَّوْلِيِّ الجَدِيدِ الَّذِي يَبْدُو فِي طَوْرِ التَّشْكِيلِ، أَوِ الَّذِي تَشَكَّلَ بِالفِعْلِ. يَعْتَقِدُ أَنْصَارُ نَظَرِيَّةِ المُؤَامَرَةِ أَنَّ العَاصِمَتَيْنِ مُتَّفِقَتَانِ عَلَى مَا يَجْرِي مُنْذُ أَزْمَةِ القِرْمِ. أَقُولُ هُنَا: لَا تُبَسِّطُوا الأُمُورَ بَيْنَ قُطْبَيِ العَالَمِ فَهِيَ أَعْقَدُ مِمَّا تَبْدُو، وَلَا تُعَقِّدُوهَا أَكْثَرَ مِنَ اللَّازِمِ فَهِيَ أَبْسَطُ مِمَّا تَتَصَوَّرُونَ.
الاِتِّحَادُ الرُّوسِيُّ تَحْتَ قِيَادَةِ بُوتِين هُوَ خَلِيطٌ تَارِيخِيٌّ يَجْمَعُ بَيْنَ السِّتَالِينِيَّةِ، الَّتِي أَطَاحَتْ بِاللِّينِينِيَّةِ، وَالرَّأْسَمَالِيَّةِ، الَّتِي أَطَاحَتْ بِهَا الثَّوْرَةُ البُلْشِفِيَّةُ. بُوتِين يُمَثِّلُ الدَّوْرَ وَلَيْسَ الشَّخْصَ، وَهُوَ اِبْنُ الضَّرُورَةِ التَّارِيخِيَّةِ لِرُوسِيَا الرَّأْسَمَالِيَّةِ الَّتِي اِكْتَشَفَتْ، بَعْدَ تَجَارِبِ لِيبْرَالِيَّةٍ فَاشِلَةٍ، أَنَّ السِّتَالِينِيَّةَ النَّقِيَّةَ مِنْ شُيُوعِيَّةِ سْتَالِين، أَوْ جُزْءًا مِنْهَا، هِيَ أَفْضَلُ نِظَامٍ لِلْحُكْمِ. رُوسِيَا النَّوَوِيَّةُ كَانَتْ وَمَا زَالَتِ الدَّوْلَةَ الوَحِيدَةَ الَّتِي تَسْتَطِيعُ تَدْمِيرَ الوِلَايَاتِ المُتَّحِدَةِ فِي سَاعَاتٍ قَلِيلَةٍ إِنْ قَرَّرَتِ الاِنتِحَارَ. حَذَّرَ غُورْبَاتْشُوف، آخِرُ رَئِيسٍ لِلاِتِّحَادِ السُّوفِيَتِيِّ، الوِلَايَاتِ المُتَّحِدَةَ مِنْ عَوَاقِبِ سَعْيِهَا لِلتَّفَوُّقِ العَسْكَرِيِّ، قَائِلًا إِنَّهُ لَا يُمْكِنُ لأَحَدٍ مَنْعُ الاِتِّحَادِ السُّوفِيَتِيِّ (أَوِ الاِتِّحَادِ الرُّوسِيِّ الآنَ) مِنْ تَفْجِيرِ تِرْسَانَتِهِ النَّوَوِيَّةِ عَلَى أَرَاضِيهِ.
الخَوْفُ النَّوَوِيُّ المُتَبَادَلُ كَانَ وَلَا يَزَالُ الأَسَاسَ فِي العَلَاقَةِ المُتَنَاقِضَةِ بَيْنَ القُطْبَيْنِ. كِلَاهُمَا يَرْتَبِطُ بِالآخَرِ بِمَصَالِحَ حَيَوِيَّةٍ وَاسْتِرَاتِيجِيَّةٍ، وَلَكِنَّهُمَا فِي صِرَاعٍ مُسْتَمِرٍّ، يَظْهَرُ وَيَخْتَفِي حَسَبَ الظُّرُوفِ. هَذَا الصِّرَاعُ يَسْتَمِدُّ قُوَّتَهُ مِنْ تَضَارُبِ المَصَالِحِ؛ فَبَعْضُ مَصَالِحِ أَحَدِهِمَا لَا يُمْكِنُ الحِفَاظُ عَلَيْهَا إِلَّا بِإِلْحَاقِ الضَّرَرِ بِمَصَالِحِ الآخَرِ. وَمَعَ ذَلِكَ، يَتَّفِقُ الطَّرَفَانِ عَلَى النُّقْطَةِ الَّتِي لَا يَجِبُ تَجَاوُزُهَا فِي صِرَاعِهِمَا مَهْمَا اِشْتَدَّ.
بَيْنَهُمَا دَائِمًا لُعْبَةٌ تُسَمَّى "اِقْتِسَامُ وَإِعَادَةُ اِقْتِسَامِ النُّفُوذِ العَالَمِيِّ" بِمَا يَتَنَاسَبُ مَعَ كُلِّ تَغْيِيرٍ كَبِيرٍ فِي مِيزَانِ القُوَى الدَّوْلِيِّ. بَعْدَ كُلِّ تَغْيِيرٍ كَبِيرٍ، يَسْعَيَانِ لِلتَّفَاهُمِ، حَيْثُ يُحَاوِلُ كُلٌّ مِنهُمَا إِقْنَاعَ الآخَرِ بِتَقْدِيمِ تَنَازُلَاتٍ. إِذَا فَشِلَ هَذَا السَّعْيُ، يَتَّفِقَانِ عَلَى خَوْضِ صِرَاعٍ مَكْشُوفٍ. فِي هَذِهِ اللُّعْبَةِ، يَخْتَبِرَانِ قُوَّةَ بَعْضِهِمَا، مُسْتَخْدِمِينَ كُلَّ الأَوْرَاقِ الَّتِي يَعْتَقِدَانِ أَنَّهَا رَابِحَةٌ، وَلَكِنَّهُمَا يَتَّفِقَانِ عَلَى عَدَمِ تَجَاوُزِ النُّقْطَةِ الحَرِجَةِ فِي صِرَاعِهِمَا.
بَعْدَ فَتْرَةٍ مِنَ الصِّرَاعِ وَتَغْيِيرِ العَدِيدِ مِنَ الوَاقِعِ، كَمَا هُوَ الحَالُ الآنَ فِي شِبْهِ جَزِيرَةِ القِرْمِ وَأُوكْرَانْيَا، يَتَّضِحُ الوَزْنُ الحَقِيقِيُّ لِكُلٍّ مِنهُمَا. عِنْدَهَا يُعِيدُ الطَّرَفَانِ السَّيْفَ إِلَى غِمْدِهِ، وَيَجْلِسَانِ لِلتَّفَاوُضِ وَالتَّفَاهُمِ عَلَى إِعَادَةِ اِقْتِسَامِ النُّفُوذِ وَفْقًا لِلْحَقَائِقِ الجَدِيدَةِ الَّتِي أَفْرَزَهَا صِرَاعُهُمَا، مَعَ الاِلتِزَامِ بِقَانُونِ "إِلَّا الحَرْبِ النَّوَوِيَّةِ". نَحْنُ الآنَ فِي بَدَايَةِ جَوْلَةٍ جَدِيدَةٍ مِنْ هَذَا الصِّرَاعِ.