د. ادم عربي

 

عرض صفحة الكاتب 

فائض الغذاء وجوع المليارات!

د. ادم عربي

 

يردُّ العالم على هذا السؤال بإجابات تكشف أنَّ السؤال نفسه جائع إلى جواب شافٍ، إذْ يعاني أكثر من مليار إنسان من الجوع، نتيجة تقاعس الحكومات عن بذل الجهد الكافي لرفع مستوى الإنتاج الزراعي، ولأنَّ الموارد المائية من أمطار ووسائل ريّ لم تعد تفي باحتياجات الزراعة المتزايدة. يفاقم الأمر تغيّر المناخ العالمي الذي يهدّد الأمن الغذائي، حيث تتسع رقعة التصحّر ويشتد الجفاف. يضاف إلى ذلك تحويل جزء من الغذاء إلى وقود، وقيام بعض الدول الغنية بفرض قيود على تصدير غذائها، بينما يتزايد عدد سكان الأرض بوتيرة تعكس تجاهلاً صارخاً لنظريات مالتوس حول التزايد السكاني ومحدودية الموارد.

هذا جانب من إجابات خبراء الأمم المتحدة عن سؤالٍ لا يزال العالم يعاني جوعاَ لمعرفة جوابه.

 

ويبدو لي أنَّ ما يستحق التوقف والتفسير العقلاني هو ذلك "التناقض" الذي أشار إليه الأمين العام للأمم المتحدة في تصريح سابق ، على ما أذكر ، حين قال إنَّ عدد الجياع في العالم يزيد المليار، رغم أنَّ كمية الغذاء المتوفرة حالياً تفوق ما يحتاجه العالم فعلياً.

 

وما أعلنه الأمين العام، وإنْ لم يكن كشفاً جديداً، يؤكد أنَّ العالم يمتلك اليوم من الغذاء ما يكفي لإطعام جميع الجياع، بلْ وما يمكن أنْ يُنهي أزمة الجوع العالمية من جذورها.

 

لا يمكن تفسير وجود مليار جائع في العالم على أنه نتيجة حتمية لنقص في الغذاء، سواء أكان هذا الغذاء من عطايا الطبيعة أم من نتاج الإنسان.

فبمجرد اعترافنا بأنَّ العالم ينتج ما يكفي من الطعام لسدّ حاجات جميع البشر، ويملك القدرة على القضاء التام على الجوع، لا نُكلِّف أنفسنا عناء الخوض في سرد وتحليل الأسباب والعوامل الأخرى ، رغم أهميتها في مواضع أخرى ، التي طُرحت ضمن الإجابة عن السؤال: "لماذا يعاني سُبع سكان العالم من الجوع؟".

يمكن النظر إلى هذا "التناقض" كما لو كان "قانوناً" قائماً بذاته، فكلما زاد العالم إنتاجاً للغذاء، وتضاعف ما يُسمّى "بالفائض الغذائي"، ارتفعت في المقابل أعداد الجياع، واتسعت صفوف الجيش البشري الملياري الذي يعاني الجوع .

 

ولتقريب هذه المفارقة إلى الأذهان، نعرض مثالاً مبسطاً: تخيّلوا ضيعة صغيرة، لا يتجاوز عدد سكانها بضع مئات، لكنها تنتج ما يكفي لإطعام عدة آلاف؛ ومع ذلك، يعاني سُبع أهلها من الجوع القاتل.

هل سيكون بوسعكم ،في محاولة تفسير هذا الواقع ، إقناع أنفسكم أو الآخرين بأنَّ سبب جوع هؤلاء الناس هو أنهم "زيادة سكانية" لا تحتملها الضيعة، وكأنهم خالفوا تعاليم مالتوس؟

أو أنَّ الجوع نتيجة لعوامل طبيعية ومناخية خارجة عن إرادة البشر، كما لو كانت ضرباً من القضاء والقدر؟

أو أنَّ السبب يكمن في ضعف الإنتاج الزراعي الناتج عن تقصير "حكومة الضيعة"؟!

هل تبدو هذه التبريرات كافية فعلاً أمام واقع تنتج فيه الضيعة أكثر مما تحتاج؟.

 

إنّ جياع الضيعة لم يكونوا كذلك لأنَّ الغذاء مفقود، بلْ لأنَّ "زعيم الضيعة" ، الذي يُمثّل رمزاً للدولة ، أصدر "أوراقاً" أي نقوداً لا يُسمح بالحصول على الطعام إلّا من خلالها، فمَن حُرم من هذه الأوراق سقط في براثن الفقر والجوع.

 

وقد شبّه برنارد شو هذه "الضيعة" برأسه، من حيث غزارة الإنتاج وسوء التوزيع.

 

لكن ما وصفه "شو" بسوء في التوزيع هو في الحقيقة نمط توزيع مُنظَّم، لا ينفصل عن جوهر النظام الرأسمالي، سواء في صيغته الوطنية أو على مستوى العالم بأسره.

 

يمكن لزعيم الضيعة الذي يرمز إلى الدولة أنْ يجسِّد الصورة الأخلاقية التي تدّعيها دولنا، فيدفعه حسّه بالخير والإحسان إلى منح الجياع جزءاً ضئيلاً من مخزونه من "الأوراق" أي النقود، فيكفيهم ذلك للبقاء على قيد الحياة، لكن في حالة من الجوع المستمر والخالية من الكرامة.

 

أما إنْ كان هذا الزعيم ينتمي إلى الغرب، فلن يمنح جياعه تلك الأوراق التي تتيح لهم الحصول على الطعام، إلّا إذا قدّموا عملاً في المقابل.

 

رغم وفرة الغذاء في العالم، يبقى الجياع على حالهم، لأنهم محرومون من الحق في الوصول إلى هذا الفائض الغذائي؛ إذْ إنَّ هذا الحق مشروط بامتلاك النقود ، التي لا تُمنح إلّا مقابل أجر أو راتب، لا يُحصَّل إلّا بالعمل.

 

لكن كيف يمكن لهم أنْ يعملوا، في حين أنَّ وجود جيش العاطلين عن العمل هو أحد الأعمدة التي يقوم عليها النظام الرأسمالي ويحافظ بها على استقراره واستمراره؟

 

 

وقد شبّه برنارد شو هذه "الضيعة" برأسه، من حيث غزارة الإنتاج وسوء التوزيع.

لا يمكن للنظام الرأسمالي أنْ يوجد دون بطالة، ولا تأتي البطالة دون أنْ تجرّ وراءها نتائجها الحتمية، مثل الفقر والجوع، وما ينجم عنهما من سوء تغذية، وأمراض جسدية تقصّر من أعمار البشر، إضافة إلى معاناة نفسية واضطرابات اجتماعية وانحرافات أخلاقية وسلوكية لا مفر منها.

 

رغم أنَّ الغذاء العالمي متوفر نسبياً، إلّا أنه بالإمكان زيادة إنتاجه، وتوسيع تنوعه، والارتقاء بجودته، إذا أُعيد توجيه إدارة الاقتصاد بحيث تُنقل نسبة كبيرة من قوى الإنتاج من مجالات لا تعود بالنفع الحقيقي على الأغلبية الساحقة من البشر، إلى قطاع الزراعة وإنتاج الغذاء.

 

مع تحقيق ثورة غذائية كبرى من هذا النوع، تزداد ضرورة أنْ تتولى الدولة بنفسها توفير فرص العمل لمن يعجز القطاع الخاص عن توظيفهم، بسبب أسباب متجذرة في مصالح الطبقة الرأسمالية.

 

وبذلك يُوجَّه جزء كبير من المال العام عبر الدولة نحو تنشيط الاقتصاد وخلق الوظائف والأعمال، فتختفي البطالة تدريجياً، ويتمكن الجميع من الحصول على الغذاء المنتج الذي يستمر في النمو والتنوع والتحسن النوعي.

 

يمكن للدولة، دون أنْ تنتهك الحقوق الطبقية لأصحاب العمل في القطاع الخاص، أنْ تحقق استقلالاً نسبياً عن هيمنتهم، فتؤسس اقتصاداً موازياً يوفر فرص عمل لكل من يعجز القطاع الخاص عن تشغيلهم، ما يقضي على ظاهرة المواطنين بلا دخل، ويضع حداً لتناقض وفرة الغذاء مع كثرة الجياع !

النظام الاقتصادي العالمي اليوم يتباهى بتحرير التجارة العالمية بعد أنْ تلاشى فيه كل أثر لما كان يُعرف بالضمير الإنساني والأخلاقي، لكنه في جوهره يعزز من شراسة الرأسمالية ويُعمّق من ظاهرة العولمة التي تتسم بالقسوة المفرطة.

 

وفي ظل هذا الواقع، هل يمكن لهذا النظام أنْ يظل قائماً وينمو دون أنْ يُنتج كميات أكبر من الغذاء؟ ومع ذلك، يتقلص حق الإنسان في الحصول على نصيبه من هذا الغذاء، الذي يراه الجميع واضحاً أمام أعينهم، لكنهم عاجزون عن الوصول إليه؟