بنيامين يوخنا دانيال

 

عرض صفحة الكاتب 

سياحة مراقبة ومشاهدة الحيتان في ظل نشاطات الصيد الجائرة

بنيامين يوخنا دانيال

 

تعتبر سياحة مراقبة ومشاهدة الحيتان حديثة العهد بالمقارنة بكثير من أنواع السياحة التي يعرفها الإنسان, شأنها شأن الأنواع الأخرى المرتبطة بالبيئة الطبيعية. وقد أشارت إليها الهيئة الحكومية الدولية المعترف بها بشأن إدارة الحيتان كمورد بالقول  أي مؤسسة تجارية تتيح للجمهور رؤية الحيتان في بيئتها الطبيعية). وقد تنامت وتوضحت معالمها في فترة التسعينيات من القرن الماضي, وظلت تسجل معدلات نمو سنوية طيبة, بلغت (3,7) بالمائة خلال الفترة 1999 – 2009, وذلك وفقا لدراسة معدة من قبل (الصندوق الدولي لرفاه الحيوانات) ونشرت في احدى دورياتها بمناسبة انعقاد الاجتماع السنوي ل (اللجنة الدولية للحيتان) في البرتغال قي عام 2009, وأشارت إليها (لايف ساينس – علم الحياة). ويعزى ذلك إلى تنامي الوعي البيئي لدى الناس بصورة عامة, ولدى السواح بصورة خاصة., وذلك بفضل الحركات البيئية التي لعبت دورا كبيرا وفعالا بهذا الاتجاه, خصوصا في الدول المتقدمة التي شرعت القوانين والقرارات اللازمة بهذا الشأن, وفي ظل قانون صدر عن (اللجنة الدولية لصيد الحيتان) في عام 1986, وقضى بحظر صيد هذه الحيوانات المهددة بالانقراض في أعالي البحار (وقبله الاتفاقية الدولية لتنظيم صيد الحيتان 1946 المعدلة عام 1956), وذلك بسبب نشاطات الصيد الجائرة والمتصاعدة من قبل بعض الدول مثل اليابان التي تعتبر الأولى في هذا المجال للاقبال الشديد على لحوم الحيتان فيها, ثم النرويج التي أخذت فيها عملية صيد الحيتان بعدا تراثيا متأصىلا ولها مراسيمها وطقوسها التي وردت في رسومات على الصخور يعود تاريخها إلى 2000 سنة قبل الميلاد تقريبا. وهناك وثيقة ترويجية بخصوص صيد الحيتان تعود لسنة 890 ميلادية. وتليها ايسلاندا. وحتى 19/6/2006 عندما صدر قرار عن اللجنة المذكورة, وسمح بموجبه صيد الحيتان وتصنيعها مرة أخرى, رغم اعتراض البرازيل ونيوزيلندا, وامتعاض الكثير من المنظمات المعنية بالحيتان والبيئة البحرية وغيرها, مثل (الصندوق الدولي لرفاه الحيولنات) (آي اف أي دبليو) المرتبط بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي لهيئة الأمم المتحدة ومقره في (كاب كود – الولايات المتحدة الأمريكية). وهناك مناطق تنشط فيها سياحة مراقبة الحيتان بشكل كبير, مثل ساحل (بنجونيا) في الأرجنتين وفي موسم التزاوج والولادة, وخلجان (سامانتا) في الدومنيكان, و(ايبيسيت) في كيبيك وخليج (سان لورنس) قبالة السواحل الكندية, ومنطقة (سانج ساينج بو) في (أولسان) في كوريا الجنوبية وفيها متحف خاص بالحيتان, يضم مختلف الأعمال المتعلقة بصيد هذا الحيوان. وفي منطقة كويسلاند في الساحل الغربي من أستراليا, وفي سواحل سدني العاصمة التي تستقبل الحيتان الحدباء المغادرة لنصف الكرة الرضية الجنوبي في حزيران متوجهة إلى الشمال الدافىء في أيلول وتشرين الأول, علما يوجد (30) نوعا من الحيتان في المياه الأسترالية. وفي الرأس الغربي لمدينة (كيب تاون) بجنوب أفريقيا وخلال الفترة من تموز إلى نهاية تشرين الثاني. وفي مدينة (كرايست تشيرش) على جزيرة نيوزيلندا الجنوبية, وأيضا في المالديف حيث تشاهد أكثر من (21) نوعا من الدلافين والحيتان خصوصا خلال آذار ونيسان وتحميها قوانين صارمة منذ 15 آذار 1993  وأيضا في مضيق جبل طارق بين قارتي أفريقيا وأوروبا, والتي تواجه الحيتان فيها تهديدات جدية بالانقراض جراء (الصيد الجائر) و (التلوث). فكانت موضوع النقاشات الدائرة في مؤتمر تنظيم صيد الحيتان في كوريا الجنوبية (سيول). وفي خليج (سكيا لفاندي) بالقرب من (هوسافيك) في شمال ايسلاندا, حيث توجد شركة (نورث سبيلينغ) السياحية العالمية التي تستقبل زبائنها من ألمانيا وإيطاليا والنمسا وفرنسا وهولندا وغيرها من الدول, وبمعدل (30000) سائح دولي في السنة, وتخرج بهم في جولات مشاهدة ومراقبة الحيتان وهي تغوص وتطفو وتجول خلال الفترة من بداية نيسان وحتى نهاية تشرين الأول, وعلى متن سفينة (ناتفاري) العائدة إلى هذه الشركة التي ازدهرت أعمالها في الأعوام الأخيرة بفضل نشاطاتها في مجال (سياحة مشاهدة ومراقبة الحيتان). أما في الولايات المتحدة الأمريكية فتمارس هذه السياحة بالدرجة الأساس في محمية ستيلواغن بانك البحرية الوطنية عند مصب خليج ماساتشوستس, علما شهد خليج مونتيري في كاليفورنيا في عام 1950 أول مشاهدة منظمة للحيتان (الحيتان الرمادية) وأثناء هجرتها السنوية, وقد تمت المشاهدة من فوق المنحدرات المطلة. وهناك سياحة مراقبة ومشاهدة حيتان نشطة في الصين ولاوس وكمبوديا وبنما ونيكاراغوا. وينظر إليها كوسيلة لحماية هذه الحيتان بعيدا عن أنشطة الصيد الجائر خصوصا لو تمت بوجود حملات توعية وتثقيف فعالة لتشجيع هذه السياحة مع إمكانية مناسبة للتأثير الإيجابي على الحالة الاقتصادية والاجتماعية للمجتمعات المحلية. وتشير بعض الاحصائيات الواردة بالدراسة الصادرة عن (الصندوق الدولي لرفاه الحيوانات) المشار إليها أعلاه ان نشاطات وعمليات مراقبة الحيتان التي يشتغل فيها (13000) شخص تقريبا حتى عام 2009  قد درت نحو (2.1) مليار دولار أمريكي في عام 2008 على الصعيد العالمي. وهو مبلغ كبير بالمقارنة مع ما تدره أنشطة صيد وصناعة الحيتان (إن صيد الحيتان أقل ربحية من سياحة مشاهدتها ومراقبتها), و ان (13) مليون شخص قد شاهدوا وراقبوا فيها مختلف أنواع الحيتان والدلافين وخنازير البحر في البحار والمحيطات من (119) دولة من كافة قارات العالم. وهنا لابد من الإشارة إلى ضرورة ممارسة هذه السياحة وفقا لضوابط وأسس في اطار الاستدامة لتعظيم (قيمتها المضافة), وبعكسه فقد تترتب عن ذلك عدة مثالب وعيوب, إذ تشير نتائج بعض البحوث العلمية المجراة في هذا المجال إلى احتمال تأثر سلوكيات الحيتان هذه بأصوات قوارب المراقبة والمشاهدة (التلوث الضوضائي), الأمر الذي قد يؤثر سلبا على نظامها الغذائي وتكاثرها. مع إمكانية موت بعض الحيتان نتيجة لحوادث الاصطدام غير المقصودة بين هذه القوارب.

 

* عن ( مقالات في السياحة ) للباحث , مطبعة بيشوا , أربيل – العراق 2012 .