بنيامين يوخنا دانيال

 

عرض صفحة الكاتب 

السياحة الزراعية: الواقع وآفاقها المستقبلية

بنيامين يوخنا دانيال

 

تزدهر هذه السياحة الصديقة للبيئة في المناطق الطبيعية الغنية بالموارد والزاخرة بالمناظر الخلابة الرائعة والأجواء المفعمة بشتى مناحي الحياة الريفية البسيطة التي تتلاقى مع رغبات وميول فئة واسعة من السواح من أصدقاء البيئة الطبيعية الذين يهربون من أجواء المدن وضغوط الحياة اليومية وروتينها, صوب المزارع الخضراء والحقول الغيناء, وسط المجتمعات الريفية البسيطة حيث دفء اللقاء وحسن الضيافة, وبعيدا عن أزمة السير وأسواق الأبواق الصادرة عن السيارات والإشارات المرورية المعقدة ودخان العوادم الناجمة عن وسائل النقل المختلفة, ليقضوا فيها اجازاتهم وعطلاتهم, وليعيشوا أجواء صحية هادئة, وبوجود خدمات ضيافة تخص الايواء والطعام والشراب والترفيه والتسلية, من أجل اتاحة فرص التنزه و التخييم وممارسة هوايات مثل التصوير والرسم وركوب الخيل والسباحة في  الأنهار والبحيرات والصيد ومراقبة الفراشات الملونة والطيور الجميلة وجمع أوراق النباتات والرقص الشعبي والمشاركة في المسابقات التقليدية التي تقيمها المجتمعات المحلية وملاحقة الطيور المهاجرة وغيرها كثيرة. وقد شجعت السلطات السياحية في الكثير من الدول هذه السياحة التي تسجل معدلات نمو مناسبة في ظل تنامي الوعي البيئي لدى الناس عموما والسياح على وجه الخصوص, وبوجود خطط تنمية و تطوير للزراعة في هذه المناطق التي يمكن أن تستوعب الكثير من الأنشطة السياحية التي من شأنها أن تحسن الواقع الاقنصادي والاجتماعي للمجتمعات المحلية المستقبلة التي تقطن فيها وعلى نحو مستدام وفي اطار شروط وأسس (الاستدامة البيئية) المعروفة, كما حدث في الولايات المتحدة الأمريكية التي أصدرت وزارة الزراعة والتنمية الريفية فيها دليلا سنويا للسياحة الزراعية خلال الفترة 1979 – 2006 من أجل تنمية وتطوير هذا النمط السياحي الذي بات يرد كثيرا في الأدبيات السياحية. وقد بلغ حجم السياحة الزراعية فيها في عام 2002 نحو (704) ملايين دولار, وكان نصيب الأسد للمزارع (مزارع العنب والفواكه والمكسرات الشجرية) ومزارع الماشية في المقاطعات التي تتمتع بكثافة سكانية عالية. وتعتبر (ميشيغان) رائدة في هذا المجال, والتي سجلت إيرادات اجمالية في عام 2012 بلغت (434) مليون دولار قابلتها ضرائب لصالج الخزينة عن عملياتها بقيمة (13,7) مليون دولار مع خلق (4000) فرصة عمل دائمية و(28000) فرصة عمل بدوام جزئي, وقد شهدت ولادة (جمعية ميشيغان لتسويق المزارع والسياحة الزراعية) في عام 2007 التي أصدرت في عام 2007 أيضا دليلها لمؤسسات السياحة الزراعية. وأيضا جمهورية الصين الشعبية المعروفة بريفها الواسع الشاسع حيث خططت السلطات لتنمية (السياحة الزراعية) وخلق (تكامل للسياحة الزراعية) على نحو واسع ومستدام منذ عام 2006, وبما ينسجم مع الجهود والاتجاهات الرامية إلى تنشيط السياحة الداخلية ورفع حجم السياحة الأجنبية الواردة وزيادة العائدات وتوفير فرص العمل وتقليص البطالة ومعالجة الهجرة. وكان المستهدف أن تسجل هذه السياحة (350000) فرصة عمل مباشرة إضافية في الأرياف, بالإضافة إلى (1,5) مليون فرصة عمل غير مباشرة بنهاية عام 2010, مع زيادة مستوى الأجور في هذا القطاع الحيوي بنسبة (5%) سنويا للفترة 2006 – 2010, شاملة (100) محافظة صينية و (1000) بلدة و (1000) منطقة ريفية, وفقا لبيانات واحصائيات (الإدارة الوطنية للسياحة) , منها (30) موقعا سياحيا في ريف شنغهاي التي استقبلت في عام 2006 وحده نحو (3,9) مليون سائح وزائر محلي من أصل (300) مليون على النطاق الوطني, أنفقوا (5,3) مليارات دولار أمريكي. وهناك مناطق نشطت فيها السياحة الزراعية على نحو ملحوظ ومتميز, مثل (تيانجين) في الشمال و (بوويدان) في مقاطعة (حيانغشي) في الشرق, وقرية (جينميشيوشان) في بلدة (قويدينغ) بمقاطعة (قويتشو) في الجنوب وتسكنها قومية (بويي), وقرية (هونغشا) في (سانشينغ) التابعة ل (تشنغدو) بمقاطعة (سيتشوان) التي تعتبر موطنا للزهور, وشهدت في احدى السنوات الدورة الأولى لمعرض الزهور والنباتات بتشجيع من السلطات المختصة التي ساهمت في بناء وإعادة بناء الكثير من (المنازل الريفية) وبنسبة (80  بالمائة من الكلفة, وذلك من أجل تنشيط هذا النمط السياحي وتعظيم مساهمته في عموم صناعة السياحة والسفر الصينية. وأيضا قرية (دونغجيري) الخاصة بقومية ( بي ) العرقية وهي بلدات (هوتياوشيا) على طريق (يوننان) في الجنوب (3100م فوق مستوى سطح البحر) التي يزورها السواح من هواة الطبيعة. وكانت (السياحة الزراعية) من الأدوات الفعالة التي لجأت إليها الحكومة الصينية في سبيل مساعدة سكان المناطق الريفية ومعالجة مشكلة الفقر المستشري فيها, وفي اطار الخطة الخمسية الثانية عشرة, وبالتركيز على (128) ألف قرية فقيرة و (832) محافظة موزعة في كافة أنحاء البلاد. فتم انشاء (1,7) مليون (مشروع زراعي وسياحي ترفيهي) تقريبا في عام 2012 ساهم بشكل فعال في توفير فرص العمل ل (6,95%) من اجمالي قوى العمل الريفية مع تحقيق إيرادات نقدية بقيمة (240) مليار يوان متأتية من (800  مليون سائح و زائر زار الريف الصيني الواسع. أما في إيطاليا الرائدة في هذا المجال والتي شرعت القانون (2006/ 96) والقانون (1985/730) والقانون (2006/96) بخصوص (السياحة الزراعية) و (استدامة المناطق الريفية) والمحافظة على هويتها الزراعية, وقد ظهرت للمرة الأولى في النظام القانوني الإيطالي في عام 1973 مع قانون مقاطعة (ترينتو) المتمتعة بالحكم الذاتي وبعدها (فينيتو) في عام 1975 و(كامبانيا). وهناك آلاف المزارع التي تم توظيفها في صناعة السياحة منذ زمن طويل, وذلك بتحويلها وتكييفها لتصبح أماكن ايواء واطعام وترفيه للسواح الذين ييممون شطرها طلبا للهدوء والاسترخاء والتوازن النفسي, وللفوز بمحاسن الحياة الريفية البسيطة, مثل النزل والاستراحات وبيوت الضيافة والفنادق الصغيرة والأكواخ والمطاعم الريفية التي تقدم أكلات إيطالية تقليدية معدة من أجود أنواع اللحوم والألبان الطازجة والعصائر الطبيعية وتشكيلات الفاكهة الموسمية وغيرها كثيرة. فباتت تستقبل أفواج السياح والزوار على مدار السنة, وخصوصا في فصل الربيع وأيام العطل والاجازات, وأدرت على أصحابها الكثير من العائدات النقدية من جراء ممارسة الأنشطة السياحية المختلفة, فشكلت بذلك عاملا فعالا في استقرار الأيدي العاملة في القرى والأرياف الإيطالية وعزوفها عن الهجرة إلى المدن والمناطق الحضرية من جهة, ونمو وتنمية الزراعة نفسها من جهة أخرى, ومنها مزارع تتيح لزوارها فرص معايشة ومشاركة السكان في بعض النشاطات الزراعية مثل: جني الثمار, تربية الدواجن, نثر البذور, حلب الأبقار والماعز, العناية بالنحل, حراثة الأرض, تقليم الأشجار, اطعام الأسماك في الأحواض الاصطناعية, بناء أعشاش الحمام, العناية بالمفاقس, تسميد الحقول, زراعة ونقل الأشتال, اعداد الأجبان, رعاية البط, تجفيف الفاكهة مثل التين والتوت والمشمش والعنجاص, صناعة المربيات, انجاز بعض الصناعات اليدوية البسيطة من صميم الريف, رعي الخراف, تنظيف السواقي والمجاري المائية, تغذية الدواجن والأبقار, رعاية الأزهار والورود, ربط المراجيح بين الأشجار, جمع البيض, ادامة الأسيجة وصيانتها, الحراثة وتنظيف الحقول, ري البساتين, ركوب الخيل .. الخ. و تشير الاحصائيات الوطنية في إيطاليا إلى ارتفاع عدد ( المزارع السياحية ) في البلاد من ( 8,9 ) آلاف مزرعة في عام 1998 إلى ( 17,7 ) ألف مزرعة في عام 2007 . كما بلغ عدد المزارع السياحية المرخصة لاستقبال السياح في عام 2011 نحو ( 20000 ) مزرعة . وفي مناطق كثيرة من فرنسا التي ازدهرت فيها هذه السياحة خلال الأعوام الأخيرة وعلى نحو ملحوظ جراء التغيرات الحاصلة في سلوكيات السواح و اتجاهاتهم نحو السياحة المحلية بسبب الأزمة الاقتصادية التي هيمنت على منطقة اليورو, حيث تشير نتائج إحدى الدراسات الحديثة المجراة من قبل معهد ( توب رور ) عام 2010 بالتعاون مع معهد الإحصاء الفرنسي إلى: 1 – تفضيل ( 47 ) بالمائة من الذين شملهم الاستفتاء إلى قضاء اجازاتهم في المنازل الريفية بسبب الأزمة . 2 – تعديل ( 67 ) بالمائة منهم لخططهم في قضاء هذه الاجازات لنفس السبب . 3 – تفضيل ( 64 ) بالمائة منهم للسياحة الخضراء . 4 – تفضيل ( 23 ) بالمائة منهم لمنشآت الايواء الريفية . . إن ( السياحة الزراعية ) كاستراتيجية مهمة و فعالة في نمو و تطور و ازدهار بأكثر من اتجاه وعلى المستوى الدولي والوطني للكثير من الدول التي ترمي إلى تحقيق ( تنمية زراعية مستدامة ) وتعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية, ويعزى ذلك إلى عدة أسباب متعلقة بجوانب نفسية واجتماعية واقتصادية وصحية, ومنها: أولا : التغيرات الحاصلة في ميول و رغبات السياح بإتجاه الطبيعة ومكوناتها. ثانيا: قلة تكاليفها بالمقارنة مع أنواع السياحة المرتبطة بالتسوق وحضور المهرجانات والمؤتمرات و زيارة المناطق الأثرية. ثالثا: ملاءمتها للأسرة على نحو أفضل. رابعا: اقترانها بالرغبة في التغيير والاسترخاء وكسر رتابة الحياة اليومية المملة. خامسا: ملاءمتها لذوي الاحتياجات الخاصة. سادسا: اقترانها بجوانب صحية إيجابية.

* عن ( مقالات في السياحة ) للباحث , مطبعة بيشوا , أربيل – العراق 2012 .