بنيامين يوخنا دانيال
من أجل سياحة مسؤولة
بنيامين يوخنا دانيال
ينظر إلى (السياحة المسؤولة) في الأدبيات السياحية على انها شكل من أشكال (السياحة المستدامة) إلى جانب السياحة البديلة والسياحة المتضامنة والسياحة الأقل سلبية والسياحة النظيفة والسياحة الناعمة وغيرها. وكلها تهدف إلى إيجاد معادلة عادلة ومتوازنة وجلية, تجمع بين الأنشطة والفعاليات السياحية والبيئة الطبيعية والمجتمعات المحلية والأفراد الذين ينتمون إلى هذه المجتمعات في آن واحد, وبما يؤدي إلى تحقيق الأهداف الاقتصادية والبيئية والاجتماعية والثقافية المرجوة والمستهدفة, ومن خلال استراتيجية ترمي إلى الاستخدام الأفضل والاستثمار الأمثل للموارد والمكونات الطبيعية بمختلف أنواعها, باعتماد سياسات ووسائل وسبل الحماية والصيانة والتطوير المطلوبة في اطار الاستدامة, وبما يتماشى ويتناغم مع النظم الأيكولوجية, ويخدم وينمي التراث البيئي الوطني والعالمي, وعلى نحو قابل للاستمرار والاستدامة, وبأكثر من اتجاه, وعلى الأصعدة المشار إليها أعلاه. وهي سياحة في تصاعد وتوسع دوليا وعلى نطاق الكثير من الدول, فقد ورد بتقرير صادر عن (مؤسسة السفر و منتدى المستقبل) بأن (75%) من الذين أستطلعت آرائهم يرغبون بعطل تتسم بمسؤولية أكثر و(70%) منهم يرى ضرورة أن تلتزم الشركات السياحية المعنية بالحفاظ على البيئة الطبيعية. وهنا لابد من ذكر بعض التعاريف الواردة في الأدبيات السياحية منذ أوائل التسعينيات من القرن الماضي حول (السياحة المسؤولة) التي عقد لها المؤتمر الأول في عام 2002, ومنها التعريف الوارد في (إعلان كيب تاون بخصوص السياحة) وجاء فيه (إن السياحة المسؤولة هي السياحة التي تعظم فوائد المجتمعات المحلية, وتقلل من الآثار الاجتماعية والبيئية السلبية, وتساعد السكان المحليين على الحفاظ على الثقافات والموائل أو الأنواع الهشة), وهو تعريف اعتمده (سوق السفر العالمي) عام 2007 بمناسبة (اليوم العالمي للسياحة المسؤولة), وهناك تعريف آخر لها في (مدونة الأخلاقيات العالمية لمنظمة السياحة العالمية 2001). ووفقا لمنظمة السياحة العالمية التابعة للأمم المتحدة إنها (تعني احترام العالم و اختلافاته بغض النظرعن طريقة سفرنا). وبحسب (أر إيه سميث) إنها (جميع أشكال السياحة التي تحترم البيئات الطبيعية والعمرانية والثقافية للمضيف ومصالح جميع الأطراف المعنية). أما (معهد وورلد ووتش) فيرى (إنها السياحة التي تعظم الفوائد بالنسبة للمجتمعات المحلية وتقلل من الآثار السلبية والمثالب على البيئة أو الثقافة المحلية). وهناك بعض الدول التي سعت في هذا المضمار وقطعت مراحل واسعة فيه, وذلك بتوجيه أجهزتها الرسمية والخاصة العاملة في مجال السياحة وغيره إلى استراتيجيات فعالة ومؤثرة من أجل (سياحة مسؤولة) متناغمة مع (البيئة الطبيعية), ومستوفية لشروط وقواعد ومبادىء (الاستدامة), ومنها جمهورية جنوب أفريقيا ومن خلال تجربتها في (دوربان) المدينة الساحلية الرائعة التي تصنف ضمن أفضل المدن الشاطئية نظافة وجودة وتنظيما في العالم, حيث ازدان شاطئ (ساوث) فيها ب (الراية الزرقاء) الممنوحة من قبل (مؤسسة التعليم البيئي) (رسم) لعدة مرات, بالإضافة إلى شواطئ عديدة في البلاد, مثل (باكنيس, هوبي, ستراند فورتين, هارتيبوس) وبمعدل ( 4 – 8 – 8 – 14 – 20 – 20 – 18 – 19 – 29 ) شاطئا في الأعوام من 2001 و حتى 2009 على التوالي. وقد انصبت جهود السلطات المعنية في (دوربان) على عدة جوانب, يمكن اجمالها بما يلي: أولا: ترشيد استهلاك الطاقة واعتماد الطاقة البديلة في الكثير من المشاريع السياحية. ثانيا: تبني نظم متطورة ورشيدة لادارة النفايات واللجوء إلى أسلوب التدوير والإعادة. ثالثا: إيجاد أحياء سكنية بديلة للقديمة وملائمة للبيئة الطبيعية ومتماشية مع مبادئ الاستدامة المعروفة. رابعا: إعادة النظر في كثير من وسائل النقل واعتماد تلك التي تتسم بكونها تناسب البيئة. وهكذا نظر إلى السياحة المسؤولة ك (أداة تسويقية استراتيجية) لتحسين الصورة السلبية لجنوب أفريقيا وفقا للباحث الأكاديمي (ريتشارد جورج). وقد تبنتها العديد من الشركات السياحية في جمهورية جنوب أفريقيا تحت مظلة (جمعية الضيافة الفيدرالية في جنوب أفريقيا), وذلك تنفيذا للسياسة السياحية الوطنية المتبناة منذ عام 1996, وعملا بالمبادىء التوجيهية الوطنية للسياحة المسؤولة المعلنة في عام 2002. وأيضا الهند ومن خلال مشاريع رائدة في (كوماراكوم وتيكادي وداياناد وكوفالام) ومنذ عام 2007. ومن خلال اعتماد أساليب وسبل عززت الآثار الإيجابية للسياحة, اقتصادية كانت او اجتماعية أو بيئية أو ثقافية, وقللت من المثالب والعيوب المتمخضة عن بعض الاتجاهات التقليدية في السياحة وشملت: أولا: تشجيع الحرف و الصناعت اليدوية التقليدية, وبما يلبي حاجات وطلبات السواح. ومنها (الشالات الكشميرية, لوحات مادوباني, ساري الحرير البناراسي, فخار جايبور الأزرق, تطريز تشيكانكاري, لوحات باتاتشيترا, المنحوتات الخشبية من ساهارانبور, تطريز كوتش, فخاريات الطين, دوكرا للصناعات المعدنية وغيرها كثيرة), وتنتشر بكثافة في (بيهار, راجستان, غوجارات, آسام, جنوب الهند). ثانيا: زيادة الإنتاج الزراعي في تلك المناطق باعتماد أساليب انتاج جديدة وزراعة الأراضي المهملة (خصوصا بالمنجروف) واستصلاح غيرها وإقامة مزارع الأسماك وتحسين أداء المزارع المحلي, وإيجاد قنوات بيع جديدة للمنتوجات الزراعية, حيوانية كانت أو نباتية, والعمل على بيعها للفنادق والمطاعم المحلية القريبة. علما تسهم الزراعة والقطاعات المرتبطة بها مثل تربية الحيوانات والغابات ومصايد الأسماك بنسبة عالية في الناتج المحلي الإجمالي. وتشير التقارير الصادرة عن منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) إلى الإنتاج الكبير للهند للعديد من أنواع الفواكه الطازجة مثل الموز والمانجو والليمون والبابايا والجوافة بالاضافة إلى البامية والحمص والحليب والفلفل الحار والزنجبيل والجوت والدخن والقمح والأرز وغيرها. ثالثا: خلق فرص عمل جديدة للأفراد من المجتمعات المحلية التي تقطن تلك المناطق. رابعا: التنشيط السياحي فيها من خلال إقامة المهرجانات والاحتفالات المختلفة وتشجيع الفنون التقليدية المرتبطة بالمجتمعات المحلية (أتيرفاتيرا, فاناكالي, كولكالي). ومن هذه المهرجانات أيضا (دورجا بوجا وكالي بوجا في البنغال الغربية) و (تشابشار كوت ميم كوت ونينجول تشاكوبا وهيكرو هيتونجا في شمال الشرق) و (أونام وبونغال في الجنوب) و (تارنيتار ميلا في الغرب) و (لاثم هولي في الشمال). خامسا: اعتماد وسائل سهلة وبسيطة صديقة للبيئة في العمل السياحي, مثل الدراجات الهوائية التي صارت تؤجر في الفنادق والمنتجعات السياحية في تلك المناطق. وكذلك العربات التي تجرها الحيوانات والخيول وغيرها كثيرة. أما في بلغاريا فقد بادرت (الجمعية البلغارية للسياحة البديلة) إلى اطلاق حملة من أجل حماية البيئة الطبيعية وتنمية (السياحة المسؤولة), ومن خلال مهرجان (الأيام الخضراء), ومنذ عام 2010, ويشمل المهرجان بعض الفقرات المتعلقة ب (التوعية البيئية) وعروض الأطعمة والمنتجات والمستحضرات التجميلية من أصول عضوية, ومسابقة للصور الفوتوغرافية, والمسابقات والفقرات الترفيهية من أجل الترويج لهذا النمط السياحي. كما أنعقد في 29 نيسان 2011 في جامعة صوفيا المؤتمر الدولي للسياحة المسؤولة لدعم هذه المبادرة, وتحت شعار (البلقان: وجهة للسياحة الخضراء). وهناك شهادة محلية وسمت ب (البيت الأخضر) تمنح سنويا للمواقع السياحية التي استوفت شروط السياحة المسؤولة في بلغاريا, وقد منحت إلى أكثر من (35) موقعا من هذه المواقع حتى 2012. ول (الجمعية البلغارية للسياحة البديلة) المؤسسة في عام 1998 الدور المهم في انشاء وإيجاد شبكة من أماكن الإقامة الريفية, وذلك خدمة لسياحة مسؤولة ومستدامة في المناطق الريفية والجبلية. أما تركيا فلها تجربة طيبة أيضا في مجال السياحة المسؤولة بعد أن كانت وجهة معروفة ل (السياحة الجماعية) المعروفة بسلبياتها ومثالبها الجمة. وصارت الآن تعتمد بعض السبل والقواعد في اطار الاستدامة البيئية.
* عن ( مقالات في السياحة ) للباحث , مطبعة بيشوا , أربيل – العراق 2012 .