بنيامين يوخنا دانيال
تدهور السواحل والبيئة البحرية بغياب التنمية السياحية المستدامة
بنيامين يوخنا دانيال
تعتبر السواحل والبيئة البحرية من أهم عناصر الجذب السياحي الطبيعية, لما تزخر به من موارد وعناصر ومعطيات فعالة ومؤثرة على السواح وجاذبة لهم من جهة, وعلى أصحاب القرارات السيادية للمشاريع السياحية (المستثمرون) من جهة ثانية. ولما توفره من فرص واحتمالات لتأسيس وبناء واستمرار أهم أنواع وأشكال وأنماط السياحة والنشاطات السياحية والرياضات المائية, مثل السياحة البحرية وسياحة الغوص والسياحة العلاجية وسياحة مشاهدة المرجان والكائنات البحرية ومراقبة الحيتان والدلافين, والصيد والسباحة وركوب الأمواج والتزحلق الشراعي والسباقات بالزوارق والخروج برحلات بواسطة القوارب الشراعية والسفن والفنادق العائمة وغيرها كثيرة. وكلها توفر (منتجات سياحية) متميزة ونشاطات مستدامة تقدمها مراكز الغوص والمراسي والقرى السياحية والفنادق العائمة والفنادق المطلة على البحر ومراكز خدمات السياحة والشاليهات وغيرها, وتتمع بها (صناعة السياحة) في الكثير من البلدان التي وظفت واستغلت هذه الموارد والمعطيات في العمليات والنشاطات السياحية واحسنت استثمارها على نحو مستدام وفقا لقواعد وأسس الاستدامة المعروفة, وتبنت الخطط السياحية الرشيدة المتكاملة المطلوبة, وأخذت بخطط (تنمية مستدامة), مثل إسبانيا واليونان وتركيا وقبرص وفرنسا وإيطاليا والدنمارك والبرتغال وجمهورية جنوب أفريقيا والباهاما والدومنيكان وبورتوريكو والمغرب التي تزدان الكثير من الشواطئ والمرافئ فيها ب (الراية الزرقاء) الممنوحة من قبل (مؤسسة التعليم البيئي) للدلالة على حسن ادارتها واستغلالها ونظافة مياهها وجودة الخدمات التي تقدمها للسواح والزوار على مدار السنة. والعكس صحيح, حيث يفضي التطور السياحي العشوائي والفعاليات والنشطة السياحية التقليدية غير المدروسة والبعيدة عن خطط التنمية السياحية المحكمة والمتكاملة والمستدامة إلى استنزاف الموارد والعناصر والمعطيات التي تتمتع بها, والاخلال بتوازن البيئة البحرية والاضرار بالتنوع البيولوجي (الحيوي) ووظائف النظام البيئي وتدهور مؤكد في السواحل وعلى نحو يصعب تداركها وإصلاحها واعادتها إلى وضعها السابق, وبما ينعكس على المنتجات السياحية التي تقدمها على المدى القريب والبعيد. وبإمكاننا أن نسوق هنا الكثير من الأمثلة على ذلك, ومنها حالة السواحل المصرية على البحر الأحمر وخصوصا في الغردقة وسفاجا التي تمثل الأنشطة السياحية والرياضات المائية المتنوعة فيها (40) بالمائة من اجمالي الإيرادات السياحية, وبوجود (3000) مركب وعائمة مسجلة لدى السلطات و(700) مركز غوص وأنشطة بحرية وغيرها كثيرة, وهي مهددة بفعل الكثير من السلوكيات والتصرفات غير المسؤولة, مثل كسر وردم الشعاب المرجانية القريبة في سبيل التوسع واعداد المساحات المطلوبة من أجل بناء وتوسيع المنشآت الفندقية والسياحية المختلفة, وعمليات الصيد الجائرة للأسماك والكائنات البحرية, والتلوث الناتج عن سوء إدارة المخلفات المتأتية من هذه المنشآت والمراكب, وعدم تنظيم عمليات الغوص وأكثرية الأنشطة والرياضات على النحو المطلوب, الأمر الذي انعكس سلبا على مستعمرات الشعاب المرجانية وطبقات العشب البحري والأنواع الفريدة التي تستوطن فيها. وهناك دراسة علمية انجزها الباحث الدكتور أحمد برانية عام 2009 و أشارت إلى تدمير ( 4 ) ملايين م3 من الشعاب المرجانية وبقيمة (12) مليار دولار أمريكي في الغردقة وسفاجا فقط. كذلك شواطئ لبنان الذي تشهد شواطئ (خليج جونيه, المتن, قبالة طرابلس) فيه عمليات صيد عشوائية ونشاطات طمر وردم وشفط رمال جائرة وعلى نحو عشوائي كثيف, بالرغم من اعتراض الجمعيات البيئية الوطنية, وذلك من أجل انشاء مرافق ومنشآت سياحية تفتقر إلى أبسط الشروط البيئية والأمنية (الأمن السياحي), الأمر الذي أخل بالحياة النباتية والحيوانية في المنطقة وأضر بموارد وعناصر البيئة البحرية فيها على نحو بين, وأيضا في منطقة (شرم ابحر) بالمملكة العربية السعودية التي شهدت تنفيذ جملة مشاريع سياحية في الآعوام الأخيرة ولنفس الأسباب. و (العقبة) في الأردن و (ديربان) بجنوب أفريقيا التي جردن (4) شواطئ فيها من (الراية الزرقاء) في عام 2008 إثر تدهورها وفقدانها للمواصفات البيئية الدولية المحددة من قبل (مؤسسة التغليم البيئي). وشواطئ الرباط وسلا ومالاباطا وميامي واصيلا الميناء وطنجة المدينة في المغرب التي جاءت ضمن (28) شاطئا غير صالح للسياحة ومعظم الرياضات المائية جراء التلوث, وفقا للتقرير الصادر عن وزارة الماء والبيئة المغربية عام 2008. ومن الأمثلة الكثيرة أيضا على الضغوط التي تمثلها السياحة على البيئة البحرية والسواحل التي تتسم بالكثافة السكانية أيضا حالة (كيرنز) و جزر (ويتصنداي) من الحاجز المرجاني العظيم في أستراليا البالغ عدد السكان فيهما نحو (130) ألف شخص بينما تستقبل سنويا نحو (1,8) مليون زائر لغرض السياحة. وأيضا حالة (ميريسا) في سريلانكا التي تعتبر وجهة سياحية نشطة وزاخرة بشتى المجذبات والفرص مثل الغطس ومشاهدة الحيتان والسباحة وركوب الأمواج ولكنها عانت من الضغط على الموارد على نحو كبير جدا, علما ان (80) بالمائة من النشاطات السياحية في البلاد موزعة على السواحل التي يقطنها نحو (4,5) ملايين شخص (شاملة المناطق القريبة من السواحل). وعليه كان موضوع إدارة السواحل والحفاظ عليها في اطار (الاستدامة البيئية) من المواضيع الرئيسية التي تناولتها الأدبيات السياحية من عدة جوانب, وذلك من أجل إيجاد وخلق (سياحة مستدامة) تنعكس نتائجها إيجابا على البيئة والمجتمعات المحلية المستقبلة مع التقليل من العيوب والمثالب المتمخضة عنها إلى أدنى الحدود الممكنة.
* عن ( مقالات في السياحة ) للباحث , مطبعة بيشوا , أربيل – العراق 2012 .