بنيامين يوخنا دانيال

 

عرض صفحة الكاتب 

تطبيقات السياحة المستدامة من خلال المحميات البحرية

بنيامين يوخنا دانيال

 

يشير مصطلح (المحميات البحرية) إلى المناطق البحرية والساحلية المتميزة أو المهددة التي ينظم ويحد أو يحظر فيها بعض الأنشطة البشرية التي يمكن لها أن تشكل تحديات وتهديدات فعلية للتنوع الحيوي – البيولوجي والأنظمة والموارد والأحياء الموجودة فيها, مثل الصيد المفرط والتعدين والتنقيب والسياحة غير المستدامة, ومعالجة القمامة ومياه الصرف الصحي المسببة للتلوث وحركة الملاحة الكثيفة والامتدادات العمرانية المبالغ فيها وتحلية المياه والاستزراع على نحو مفرط وغيرها.

 

وتمثل (تطبيقات السياحة المستدامة) بعض الاتجاهات الفعالة والمؤثرة في موضوع حماية وصون وتطوير البيئة الطبيعية عموما والبيئة البحرية على وجه الخصوص في ظل الاحترار العالمي – الاحتباس الحراري القائم, وارتفاع معدلات التلوث, إلى جانب أنواع أخرى من المحميات التي أثبتت بحكم التجارب المتبناة في بعض الدول فعاليتها, وأفضت إلى نتائج مبهرة, تتطابق والأهداف المتوخاة منها في هذا الجانب. الأمر الذي دفع السلطات المعنية في الكثير من الدول الساحلية إلى تبني وتوسيع شبكة متنوعة من المحميات البحرية في مناطق عديدة من العالم بعد ادراكها للأهميات العظيمة التي تنطوي عليها, حتى وصل عددها إلى ( 1306 ) محمية بحرية معلنة في عام 1995 وفقا ل (برنامج المنظومة العالمية للمحميات البحرية) التابع ل (الاتحاد الدولي لصون الطبيعة), مقابل ( 430 ) محمية بحرية في ( 69 ) دولة في عام 1995 و ( 118 ) محمية بحرية موزعة في ( 27 ) دولة في عام 1970 . والعدد في تزايد يوما بعد يوم. ومنها (  27 ) محمية بحرية في أستراليا وحدها قابلة للزيادة إلى ( 60 ) محمية و ( 23 ) في تونس و( 3 ) في الامارات العربية المتحدة قابلة للزيادة إلى ( 4 ) و نحو ( 40 ) محمية بحرية في إيطاليا و هي من الدول الرائدة في هذا المجال.

 

ومنها أيضا محميات بحرية مدرجة ضمن قائمة التراث العالمي لمتظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسيف) التي تتضمن ( 183 ) موقعا طبيعيا من أصل ( 936 ) حتى عام 2011 , مثل محمية (باباهانا وموكوكا) البحرية في (هاواي)– الولايات المتحدة الأمريكية الزاخرة بالتشكيلات المرجانية والبحيرات الشاطئية والجبال البحرية. ومحمية (أرغين) البحرية في موريتانيا التي دخلت هذه القائمة في عام 1989 وتعتبر الأولى من نوعها في غرب أفريقيا.

 

وهناك العديد من التجارب القائمة على توظيف واستثمار هذه المحميات البحرية وغيرها من المحميات في نشاطات وبرامج (السياحة المستدامة), وفي اطار ممارسات سليمة ومستدامة بيئيا, باعتبارها تطبيقات ناجحة, لغناها بالكثير من المشوقات الطبيعية (مغريات – مجذبات) التي من الممكن أن تشكل حجر الزاوية في الكثير من النشاطات والفعاليات السياحية, وان تستقطب أفواج السياح لغرض السياحة الأيكولوجية المسؤولة التي يزداد روادها يوما بعد يوم بتنامي الوعي بأهمية البيئة الطبيعية, والبيئة البحرية والساحلية على وجه الخصوص. ولذلك غالبا ما يراعى في تصميم هذه المحميات الفوائد الاقتصادية, ومنها السياحية طبعا, ووفقا لقواعد الاستدامة المعروفة إلى جانب الفوائد البيئية. فلو أخذا محمية الحاجز المرجاني الكبير في أستراليا لوجدنا أن الإيرادات السنوية المحققة فيها من جراء الأنشطة السياحية أكثر بكثير من تلك المتحققة عن الصيد التجاري, كذلك الأمر بالنسبة لمحمية جزر (ميديس) البحرية ومحمية (غالاباغوس) في الإكوادور. مع الأخذ بعين الاعتبار الرسوم المجباة من الزوار التي ستساهم حتما في تغطية مصاريف انشاء و إدارة المحمية البحرية, كما هو الأمر في نظام محمية (راجا أمبات) البحرية في إندونيسيا حيث توجه ( 30 ) بالمائة من هذه الرسوم نحو الإدارة والبقية الباقية لتطوير الخدمات السياحية والمراقبة والإنفاذ وما إلى ذلك, مع ارتفاع الطلب على خدمات الفنادق والمنشآت السياحية المقامة بالقرب منها, وبخاصة مراكز الغوص ومحال بيع المنتجات الحرفية اليدوية ونقاط تأجير الزوارق التي تساهم في تحقيق الإيرادات السياحية, مع ضرورة التزامها بالقواعد والتعليمات كما هو الأمر في محمية جزر (مينديز) البحرية حيث حدد عدد الغوصات ب ( 450 ) غوصة كحد أقصى يوميا.

 

ومن المحميات البحرية في جزر (توركس وكايكوس) في الكاريبي, والمحمية البحرية في جزيرة (بو) في الفلبين, والمحمية البحرية في (كمبرلي) الواقعة على بعد ( 300 ) كلم من (بروم) الأسترالية التي دخلت شبكة المحميات البحرية الأسترالية في عام 2012 , وتستقبل الزوار بهدف السياحة البيئية ومن هواة مشاهدة ومراقبة الحيتان التي تتوجه إليها سنويا وخلال موسم التزاوج والولادة على وجه الخصوص.

 

والمحمية البحرية (كوساموي) في مملكة تايلاند التي يذهب إليها السواح عبر قوارب صغيرة وكبيرة وضمن رحلات منظمة تعدها شركات السياحة والسفر الوطنية وعلى ضوء تعليمات صارمة صدرت وعممت بهذا الخصوص. وأيضا محمية (أرغين) البحرية الموريتانية (جنة المنكب البرزخي) التي صنفت كمنطقة رطبة ذات أهمية دولية في عام 1982 وفقا لاتفاقية (رامسار) البيئية الموقعة في إيران عام 1971, وتزخر بأنواع عديدة من الحيوانات والطيور المستوطنة والمهاجرة التي تجذب هواة مراقبة وتصوير الطيور وغيرها ومن كافة أنحاء العالم.

 

أما محمية (تافولارا) البحرية الواقعة في شمال شرق إيطاليا فتستقطب في الصيف قرابة ( 130000 ) سائح و ( 15000 ) سائح في الشتاء كمعدل, ومن أجل تنظيم الحركة السياحية فيها فقد عمدت السلطات المختصة إلى تحديد مسارات معينة لهم ومنذ عام 2005 مع السماح فقط باستخدام قوارب بمحركات ينبعث منها القليل من الانبعاثات السامة, بالإضافة إلى استخدامها في أنشطة البحث العلمي. ناهيك عن فوائدها المتوخاة في مجال: -

أولا : اغناء التنوع الحيوي ( البيولوجي ) .

ثانيا : والحد من التلوث

ثالثا : وتنمية واستدامة الموارد الطبيعية وغيرها .

وهذه نماذج من بعض التطبيقات للسياحة المستدامة في المحميات البحرية التي ثبت نجاحها على نحو بين, وهي في ارتفاع يوما بعد يوم على المستوى الدولي وعلى مستوى العديد من الدول التي التحقت بركب هذه السياحة.

 

* عن ( السياحة والتلوث : مقالات ) للباحث , مطبعة بيشوا , أربيل – العراق 2013 .