مراد سليمان علو

 

للذهاب الى صفحة الكاتب 

الليل الطويل

مراد سليمان علو

 

الجوعُ يتجوَّلُ في أحشائي،

وفي معاجمِ القرى البعيدةِ،

يبحثُ عن معنى النزوحِ.

كأسي فارغةٌ من البهجةِ،

ومن الابتسامةِ والصبرِ.

غادرَ الفرحُ قواميسَ لغتي،

الخيمةُ ترتجفُ مثلي،

كمهرِّجِ سيركٍ حانَ وقتُ تقاعدِه.

نهبوا أموالي كلَّها،

مَنْ سيدفعُ عني ثمنَ عشاءي الباردِ؟

الجوعُ يركضُ في أحشائي،

يبحثُ عن معنى الهجرِ في معاجمِ المنافي.

هدموا بيتي الجميلَ،

كان يبني السنونو من ترابِه أعشاشًا،

ويصنعُ من قصيدتي بابًا.

ذبحوا أهلي،

فسافرتْ أساطيرُنا إلى المجهولِ،

وفي قعرِها لغتُنا ترقعُ أكفانَنا.

خطفوا القروياتِ الجميلاتِ،

آه "يا ليلُ يا عينُ"،

كنتُ أعرفُ بعضَهنَّ،

كنتُ أتغزَّلُ بهنَّ في أسواقِ القريةِ،

كشاعرٍ أضاعَ قصائدَهُ في الصحراءِ.

أنا الآنَ زائرٌ مهلهلُ الثيابِ،

أتسوَّلُ ببابِكَ يا ليلُ.

أيَّةُ عاصفةٍ ستعيدُ لي القمرَ؟

وأيَّةُ خدعةٍ سأعيدُ بها تابوتي؟

مَنْ سيتطوَّعُ في زمنِ الجوعِ هذا،

ويفرحُ قلبي من كلِّ قلبِه؟

كيفَ سأنسى كلَّ هذا الأسى؟

مَنْ سيملأُ كأسي بلغةٍ جديدةٍ،

أعودُ بها للوراءِ قليلًا،

أُقلِّمُ أشجارَ حديقةِ الكلماتِ؟

أعرفُ أنَّ ليلي طويلٌ،

وقمري غائبٌ.

أعرفُ أنَّ السنبلةَ انفرطتْ حبَّاتُها،

والمجرشةَ انكسرتْ.

ولكن كما الحجرُ يرجو أخاهُ الحجرَ،

أطمعُ جرَّاءَ هذا التشذيبِ المهذَّبِ،

أن يمنحني الموتُ معطفَهُ الثقيلَ،

ويصنعَ لي طقمَ أسنانٍ.

فهذهِ الوليمةُ القاسيةُ،

لا تليقُ إلَّا بعراقيٍّ.