جمال محمد تقي

 

من يردع بلطجي الشرق الاوسط؟

جمال محمد تقي

 

اذا كانت امريكا كبيرة بلطجية العالم تحرسها وتحميها، ومستعدة من اجلها تركيع الصغير والكبير من البلدان، فمن يردع إسرائيل، هذا الكيان الفلتان والازعر بكل ماتحمله العبارة الدارجة من معاني؟

أمام الجمعية العامة للامم المتحدة يقف نتنياهو بوقاحة، وتهافت مبتذل، موبخا، وبردح متعالي، كل صوت يدين او ينتقد إسرائيل، فلا المحاكم الدولية، ولا الامم المتحدة ولا منظماتها ولا اي دولة او كيان في العالم له الولاية على افعال إسرائيل، او مؤهل او صاحب إختصاص في تقييم سلوكها، وكأن لسان حاله يقول للجميع: إسرائيل معصومة ومحصنة من اي زلل، وان وجد الأغيار مايقولوه بحقها، فذلك لانهم نقمة لا تريد لنعمة إسرائيل من التحقق والتسيد، ويختم خطابه متوعدا الجميع بقوة النصر الإسرائيلي القادم، وهو محق في كون إسرائيل ليست كأي دولة طبيعية اخرى، يمكن ان تسري عليها شريعة الامم المتحدة، وذلك لأنها نبت شيطاني لا يضبطها ضابط، إلا من ينفخ فيها روح القوة الشريرة!

 

تبرير امريكي جاهز للفرعنة الإسرائيلية:

قلب الحقائق واحدة من اهم دعائم السرديات الإسرائيلية التي تزكيها امريكا حتى قبل ان تسردها اسرائيل، فكل ما تقوم به من إنتهاكات وجرائم وخروقات هو دفاع عن النفس، وأي رد فعل عليها هو تصعيد، والاغتيال السياسي من دون محاكمة هو قصاص عادل، وقتل المدنيين هو بسبب خصوم إسرائيل الذين يتخذون منهم دروعا بشرية، واذا عجزت عن تبرير جريمة معلنة ومدانة فأنها تعد بالتحقيق فيها واذا أحرجت اكثر فانها تعبر عن القلق اي انها غير مستعدة لإدانة إسرائيل مهما فعلت، وهذا ما حصل مع اغتيال الصحفيين كما في حالة شرين ابو عاقلة، ومع اغلاق قناة الجزيرة في تل ابيب ورام الله، هي تدفع إسرائل للتصعيد من خلال تعهدها المطلق بضمان أمنها دون شروط، وعندما تتبنى اي فعل اسرائيلي وتبرره بذريعة الدفاع عن النفس، فهي تعززه، حتى لو كان شكلا سافرا من الإبادة الجماعية، وبكل نفاق تطالب من الاخرين ضبط النفس!!

 

إمتصاص الزخم الاسرائيلي بقواعد إشتباك غير تقليدية:

 المعركة مع اسرائيل بحالة حساب مفتوح لا تؤجل فيه الردود، وهكذا تتوالى الاغتيالات الجماعية بالتزامن مع قصف ناسف لكل المواقع المحسوبة على لبنان وحواضن حزب الله في الجنوب والبقاع والضاحية، وبعد الإغتيال الصادم لزعيم الحزب، حسن نصرالله، لم تسدد إسرائيل من حسابها المفتوح والمتراكم حتى الآن شيئا يذكر، فهل التوعد بالتدفيع الآجل يقطع الطريق على اي تدفيع عاجل يجهض محاولات إسرائيل الرامية لنسف بنك الاهداف جميعا، وبدفعة واحدة تهربا للامام من اي استحقاق او تكلفة؟ وهذا ما سيجعلها تندفع بزخم لفرص سانحة نحو تحقيق ما هو ابعد من نازحي مستوطنات شمال اسرائيل، بحيث اصبح دحر حزب الله، واحدا من بنك الاهداف الماثلة، وبما يحفز للنيل من ايران مباشرة وبديناميات متصاعدة لكسر ما يشكل ثوابت، ادمن عليها الوضع القائم في كل الساحات!

 

فقدان زمام المبادرة لحزب الله بفعل الفرملة الايرانية:

اذا كان العدو يحقق الاختراقات المتكررة، بالنقاط، التي ستكسر تباعا اي حصانة رادعة للتمادي، فمعنى ذلك، انه يقترب من تحقيق مكاسب إستراتيجية، قابلة للتحول الى تفوق إضافي، حتى من دون حاجته لضربات قاضية، وما يجري اليوم في مشهدية المواجهة المحتدمة بين، حزب الله، كطرف اصيل فيما يعرف بمحور المقاومة، الذي يفترض به ان يغطي ميدان المنازلة مع الكيان الصهيوني، من غزة الى ايران مرورا بلبنان واليمن وسوريا والعراق، يعكس تخلخلا في التناسب المتداخل بين لعب دور الإسناد الفاعل لحالة المقاومة في غزة، وبين التصدي الرادع للضربات المباشرة، التي تتواتر على اطراف المحور المساندة في عقر دارها، فالكيان الصهيوني يهاجم طهران مباشرة ويغتال رئيس المكتب السياسي لحماس، إسماعيل هنية، وطهران تتوعد مثلما توعدت في سوابق اخرى دون ردع، وقبلها هُجمت بيروت وإغتالت اسرائيل فيها الشهيد العاروري، ثم هُجمت مرة أخرى وإغتيل فؤاد شكر الرجل الثاني في حزب الله، وكظم الحزب غيظه، ومن دون إعادة تقييم للحيثيات غير النمطية التي تجاوزت مبررات الصبر الإستراتيجي، وحالة الإستنزاف المتبادل، والذي اصبح ثقلا على الحزب نفسه، بحيث لم يعد معه ممكنا الاستمرار بحالة التمويه بالغموض الإستراتيجي التي تغطي على واقع التفاوت في موازين القوى واصولها، ووصل تصاعد الهجمة الإسرائيلية المرتدة، والمعلنة، للذروة على حزب الله في تفجيرات وسائل الاتصال البينية بين اعضاء الحزب وكوادره والتي اوقعت ببئته خسائر نوعية وكمية لم يستطع إنكارها زعيم الحزب السيد حسن نصر الله قبل إستشهاده، رغم عدم اعترافه بأن تكرار تلك الاختراقات يعبر عن إنكشاف اسرار الحزب للعدو، وبالتالي إفتقاده لميزة هي من صلب وخصوصية العمل المقاوم، سريته، التي تستدعي فرض إنعدام الرؤية، والعماء شبه الكلي على مجساته، ثم تتوالى الضربات التي تمس عصب الحزب وتخترق نخاعه الشوكي، كما في التفجير الاخير في الضاحية الجنوبية الذي ادى لإرتقاء نخبة النخبة من القيادات العسكرية للحزب المتمثلة بقوة الرضوان الخاصة، وعلى راسهم، ابراهيم عقيل، الرجل العسكري الاول في الحزب بعد رحيل فؤاد شكر، حتى نجاح إسرائيل بإغتيال قائد الحزب وزعيمه نصر الله، الذي كان في خطابه الاخير يستنزف إسرائيل، وتحديدا نتنياهو المتعطش، وبعجلة من أمره، لتغيير المعادلات القائمة من حوله، وقلبها لمصلحة نصره الشخصي الذي سيغفر له ما حصل في 7 اكتوبر، وما قبلها!

 

من يدفع أثمان غموض ايران ووضوح إسرائيل ؟

التوقع النمطي المدفوع بحس إيراني يميل الى فرملة وتنقيط وتجزئة مستلزمات الاستجابة لتحدي إسرائيل في إستباق كل اطراف محور المقاومة وجعلها مرصودة وملاحقة ومشلولة ومتلقية للضربات بهجمات متصاعدة مباغتة لا رادع لها، لتستفرد بمكونات المحور الواحد بعد الآخر، مستفيدة لاقصى الحدود من التخادم الامريكي الظاهر والمستتر والذي يساهم في تكتيف اي محاولة مؤثرة من اطراف المحور الاخرى لنجدة الساحة التي تعاني من الانقضاض الاسرائيلي المباشر، كما حصل مع غزة، والهدف النهائي الاجتثاثي الذي ترمي اليه اسرائيل وعلى نار هادئة فيها، ولو بعد حين، للقضاء على حالة غزة، بالتهجير والتطهير، وليس القضاء على مقاومتها فقط، وقد نجحت حماس رغم حمام الدم الجاري بأن تكون مخفية وغير مرئية وهذا سر صمودها حتى الان مع إن اسرائيل لم توفر وسيلة من وسائل الذكاء الطبيعي والاصطناعي الإ واستثمرت بها، واهداف اسرائيل مع حزب الله لا تختلف بالنتيجة مع اهدافها مع حماس فالهدف النهائي هو اجتثاثه ايضا بعد تقليم اظفاره ومحاصرته وجعله فاقدا تماما لزمام المبادرة، وتجفيف منابع التغذية الخارجية التي تساعده على البقاء، من خلال ابتزاز ايران، وجعلها أسيرة لخيارات محصورة بين الدفاع عن عقر دارها او عقر دار الاخرين، وعندما يكون مشروعها النووي بكفة والآخرين بكفة اخرى، حتما ستختار الاول، فصل الساحات عن بعضها بالتهديد الوجودي سيجعلها اكثر قابلية على التراجع، لاسيما وإنها غير قادرة على التوحد الفاعل والإستباقي في عمليات إسناد بعضها البعض!

 

اين الانظمة العربية من كل ذلك ؟

ليس من الحكمة إغماض العيون عما يجري في غزة ولبنان والضفة الغربية، ولا يكفي الخروج من قاعة اجتماع الجمعية العامة للامم المتحدة اثناء إلقاء نتنياهو لكلمته، وقبلها الكلمات الرنانة التي توبخ إسرائيل وجرائمها، فالمطلوب من الدول المطبعة والتي تهوى التطبيع مع إسرائيل إيقاف كل اشكاله بالسر والعلن، والضغط على اسرائيل وحماتها للكف عن المتاجرة بالسلام الزائف الذي يعرضه نتنياهو بخرائطه التوضيحية، والتي تبشر بتسيد اسرائيل على الشرق الاوسط، وبرعاية امريكية من خلال مشاريع انفجارية، للربط الاقتصادي والتجاري والمعلوماتي والكهربائي والنفطي والسككي بين الهند واوروبا مرورا بالامارات والسعودية والاردن واسرائيل، بعد الانتهاء من تصفية العوائق المتمثلة بالقضية الفلسطينية، وذلك بتصفيتها بعد تقزيمها، وقطع كل شرايين المقاومة التي تدعمها، فمسايرة اسرائيل بالسر وإدانتها بالعلن هو نفاق لا تبرره ذرائع الخطر الايراني الذي اصبح شماعة لا تحتمل كل هذا الكم من التخلي عن قيم ومرتكزات الأمن الاقليمي العربي لمصلحة كيان مجرم مارق لا يضمر لشعوبنا غير الشر العنصري وعقيدة التفوق الديني والثقافي !