يعكوب أبونا
عنكاوا تستنجد ...؟؟
يعكوب أبونا
رغم مرور سنوات طويلة على الاستيلاء على أراضي عنكاوا الزراعية، لا تزال القضية حيّة، تتجدد كلما تصاعد الغضب الشعبي إزاء ما تتعرض له البلدة من انتهاكات عمرانية وتعديات سافرة على هويتها وحقوق سكانها. فالمشكلة لم تكن يومًا مجرد بناء مطار أو مشاريع استثمارية، بل هي في تغييب العدالة ورفض الاعتراف بحقوق أصحاب الأرض، وفي تغيّر نمط الإدارة من خدمة الناس إلى تجاهلهم.
المطالبة بالتعويض عن الأراضي التي تم الاستيلاء عليها تعثرت، ليس فقط بفعل المماطلة، بل أيضًا نتيجة توجيه الدعاوى القضائية إلى جهات غير مختصة، كهيئة حل نزاعات الملكية التي لا تملك الولاية القانونية على حالات الاستملاك بعد 2003. وبحسب التحليل القانوني، فإن الطريق الصحيح هو القضاء المدني والاعتماد على المادة 23 من الدستور العراقي والمادة 1050 من القانون المدني، اللتين تضمنان التعويض العادل في حالات نزع الملكية للمنفعة العامة ..
لكن القضية ليست قانونية فقط. إنها إنسانية ومجتمعية في جوهرها. فالاستيلاء لم يتوقف عند حدود المطار، بل امتد ليشمل الأراضي الزراعية المتبقية، وتمّ ذلك من دون حوار أو إشراك أهالي عنكاوا في القرار، وفي ظل تغييب متعمد لصوتهم، ومحاولات تهميشهم في إدارة شؤون منطقتهم. بل إن الكثير من أبناء البلدة الذين حاولوا توكيل محامين لرفع دعاوى التعويض اصطدموا بامتناع البعض عن التوكل، تحت ضغوط غير معلنة، أو بحجة أن الملف معقد سياسيًا ...
الاحتجاجات الشعبية التي انطلقت مؤخرًا ضد التوسع غير المنضبط للفنادق والنوادي الليلية، تعيد فتح ملف الأرض من جديد. إذ يرى الأهالي أن من صادر الأرض، صادر معها الحق في تقرير المصير المحلي، فالمشهد الحالي هو امتداد لتلك اللحظة التي صودرت فيها الحقول دون تعويض. اليوم تُصادر الخصوصية والهوية والبنية الأخلاقية للبلدة. فالمرافق الجديدة التي تُنشأ تحت مسميات سياحية، تتحول فعليًا إلى أوكار للانحلال، وتستهدف تهميش الطابع المسيحي المحافظ للبلدة، وسط سكوت مطبق من بعض المؤسسات الدينية والرسمية، وكأن ما يجري لا يعنيهم.
في موازاة ذلك، تراجعت قدرة المجتمع المحلي على التأثير في اختيار ممثليه، بدءًا من القائمقام، وصولًا إلى الإدارات الخدمية. فالمناصب تُمنح عبر التوافقات الحزبية لا بحسب إرادة سكان عنكاوا، ما زاد من شعورهم بالعزلة داخل مدينتهم. وتحوّلت مطالبهم إلى بيانات موسمية، لا تلقى تجاوبًا حقيقيًا من أصحاب القرار..
رغم هذا، لا تزال هناك فسحة أمل. فالقضية القانونية لم تُغلق، والطريق القضائي المدني يبقى الأداة الفعالة لاستعادة الحقوق. وإذا اقترنت هذه الخطوة بحراك شعبي واعٍ، وتحرك سياسي جاد من ممثلي شعبنا في الإقليم، يمكن إعادة فرض الملف على طاولة السلطة. المسألة لا تتعلق فقط بقطعة أرض، بل بمبدأ: هل يمكن الاستمرار في تهميش مجتمع بأكمله، وسلب أرضه وقراره، دون أن يُحاسب أحد .؟
عنكاوا اليوم ليست فقط ضحية استملاك، بل نموذج لبلدة تناضل من أجل الحفاظ على ذاتها. من الحقول إلى الساحات، ومن الكنائس إلى البيوت، تهمس الأصوات نفسها: لا نطلب معجزة، نطلب فقط إنصافًا وعدالة. والقضية ما زالت حية، طالما هناك من يؤمن بأن الأرض لا تُختزل في سند ملكية، بل في انتماء لا يُشترى ولا يُباع ..نامل ان يكون هناك انصاف واستجابه لحل مشكلة عنكاوا ..
يعكوب ابونا ................ 28 /5 /2025