الموقع الفرعي للكاتب

الوطنية العراقية العرجاء (5)

منصور عجمايا

 

 

توالت الأحداث وأحتدمت المجريات وأزدادت الأهانات وأنتشرت فرق الموت لقتل الأنسان العراقي وتشردت الناس وحفرت خنادق القبور الجماعية معدومين وأحياء ، أطفالاً وشيوخاً وشبيبةً بلا ضمير ولا دين ولا حياء ، معززة حنكة وجبروتة وصلافة النظام الدكتاتوري الفاشي الأرعن ، في ملاحقة الشعب العراقي عموماً بجميع مكوناته القومية والأثنية من أقصى الشمال الى أدنى نقطة في جنوب العراق ، بممارسات جائرة لا تمت بصلة للروح الأنسانية ولأبسط قيم وقواعد أحترامها وحقوقها ، ليس لمعارضي النظام فحسب بل حتى للوشايات والمعلومات الغير الدقيقة ودون مراعاة الحالات النفسية والأنفعالات الخاصة بسبب تردي الأوضاع الحياتية للأنسان العراقي ، للحصار الدائم والمتواصل من جهة ونزع وسلب قدرة المواطن الشرائية من خلال طبع وتزوير العملة العراقية بدون رقيب قانوني حسابي ولا رصيد دولي يحدد المطبوع من جهة أخرى ، خصوصاً بعد نهاية الحرب العراقية الأيرانية وحرب الكويت ، لتتواصل الأنتفاضة الخالدة في آذار 1991 من قبل الشعب العراقي الحي المنتفض من أجل الحياة دون الموت ، تلك الحياة التي أرخصها العراقي من أجل الأفضل للأنسان الحالي والقادم.

معاناة شعب كوردستان ما بعد الأنتفاضة الخالدة:

جميع المتتبعين لواقع الغليان الشعبي ما بعد آذار 1991  ، عاشوا وأدركوا الحالة الصعبة والدماء الغزيرة التي سكبت في الشارع العراقي خصوصاً في كركوك ، بعد سقوط المحافظات الكوردستانية دهوك واربيل والسليمانية بشكل أبيض دون أراقة قطرة دم واحدة تحت سيطرة الجبهة الكوردستانية ،  بجميع مكوناتها القومية والأثنية وقواها السياسية المتحالفة لأسقاط النظام الفاشي ، مما جعل النظام يفقد توازنه وموازينه في التحكم الى العقل والقبول بالمد الشعبي الحاصل في العراق ، ليشن هجومه الأرعن فاشياّ بمحاربة أبناءه وتطلعاتهم من أجل الحرية ولحياة أفضل ومستقبل أحسن ، مما جعل الشعب الكوردستاني في حيرة من أمره ، شاداً الرحال للخروج الجماعي الى دول الجوار وخصوصاً تركيا وأيران ، بملاحقة القوات الفاشية الدكتاتورية للشعب المسالم المتطلع للحرية والكرامة الأنسانية والعيش بأمن وأمان ، ليتحرك الرأي العالمي ويصدر قراره الأممي بجعل منطقة كوردستان بمحافظاتها الثلاثة (منطقة آمنة محمية من قبل المجتمع الدولي) ليكون شعب كودستان بملايينة المهاجرة على الحدود العراقية ، عاكفاً الى بيوته ومنطقته وقراه ومدنه العامرة بعد أن غادرها مرغماً ليفقد خيرة أبنائه في الطرق والممرات والوديان والجبال ، وبعد سحب النظام أجهزته الأدارية من المنطقة الشمالية بمحافظاتها الثلاثة(دهوك وأربيل والسليمانية) لتدار من قبل شعب كردستان تحت خيمة الجبهة الكردستانية.

بقت المنطقة الشمالية تحت الأدارة الذاتية الشبه المستقلة من العراق ، ليتم فيما بعد أجراء أنتخابات برلمانية لتشكل فيما بعد برلمان وحكومة منتخبة من البرلمان وفق الأستحقاق الأنتخابي ، يستولي عليها الحزبان الديمقراطي والوطني الكردستاني يتقاسمان مواقع السلطة والمال والجاه والأدارة ليعم الفساد المالي والأداري في عموم مفاصل أقليم كوردستان ، ومن ثم يشتد الصراع على المنافع الخاصة من قبل الحزبين المتصارعين بعيداً عن المباديء في خدمة الشعب والأقليم وبعيداً عن روح الوطن والمواطنة ، مستخدمين ولا زال لغة التحزب السياسي والعشائرية والوجاهية والمحسوبية والمنسوبية ، على حساب المواطن الكوردستاني البسيط ليزداد التذمر الشعبي وتستمر الهجرة الى الخارج سببها سوء المعاملة للمواطن الكوردستاني بمختلف مكوناته القومية والأثنية ، وخصوصاً الشبيبة المثقفة التي فقدت طموحها الأنساني والحياتي من حيث بناء مستقبلها والأجيال اللاحقة.

الصراع الكردي الكردي:

أشتد الصراع بين الحزبين (حدك وأوك) من أجل مصالح ومنافع شخصية بعيدة عن حب الوطن والمواطن العراقي عموماً والكوردستاني خصوصاً ، غير آهبين بمصالح وطموحات شعبهم ومستقبل أجيالهم وتطلعات تواجدهم على أرض كردستان العراق ، مما أشتد الصراع السياسي متحولاً الى صراع دموي قتالي بين الطرفين حباً بالمال والسيطرة والتفوق الحزبي والسياسي من خلال الصراع القائم ، دون أن ينظر الحزبان المناضلان لعقود من الزمن بمقارعة الدكتاتورية الفاشية ، ودون أن ينظرا الى برامجهما ومناهجهما الحزبية بمحتواها لخدمة الشعب الكوردستاني خاصة والعراقي عامة ، مستخدمين قادة الحزبين لغة العنف والعنف المضاد وحساب حاصل الحق بعيداً عن حساب البيدر ، ليتعمق تحالف أوك مع الجهات الأجنبية الحدودية (أيران) وحدك مع النظام الصدامي داعماً الأخير حدك بسيطرته العسكرية على أربيل ليسلمها غنيمة حرب هدية النظام العراقي الفاشي لحدك ، لتخسر القوى الوطنية العراقية مواقعها ومقراتها تنتهك وتدمر وتدفع دماء زكية من جراء العمل الغير المدروس من قبل حدك بفعل نظام فاشي تعاون معه لنوايا لا تحمد عقباها ، وهذا ما أكده القائد والمفكر لينين بأن البرجوازية عاهرة تفعل ما تشاء وفق مصالحها الفردية الخاصة فأحذروها.

أزاء هذا السرد التاريخي المعاش الدامي والمؤلم والعسيرعلى حقيقته والموجز جداً ، تراجعت روح المواطنة وفق العموميات الخادمة والمضحية بكل ما هو ذاتي للمصلحة العامة ، ويفترض أن تكون المصالح الذاتية ضمن العامة ، لكن في الحقيقة تغلبت الذاتية الخاصة على العمومية العامة ، فتعززت الأنا القاتلة المدمرة لروح الأنسان العراقي العصري ومن ضمنهم شعب كوردستان ، متمزقاً النسيج الأنساني طمعاً وحباً بالرذيلة الذاتية والمنفعة الشخصية على حساب ومصالح الشعب والوطن في كوردستان وعموم العراق ، وصدق المثل العراقي الدارج والواقعي عندما ينظر الى خياشيم السمكة ويتطلع الى رأسها من حيث الفساد ، دون أن ينظر الى جسدها ليقال (السمكة الصالحة للأكل ينظر الى رأسها وليس لجسدها).

لذا معالجة الأمور جذرياً يتطلب تضحيات جمّة من قبل الشعب نفسه في تغيير مساره ومعالجة أمره عن كثب ، دون مراعاة الخيال اللاوجود له في معالجة أموره الحياتية وخلاصه من الفساد والأضطهاد ونهب وسلب أمواله على مرأى ومسمع الناس أجمعين ، فالحرية تنتزع ولم تمنح ، والمنتج بحاجة الى عمل ، والمحتاج بحاجة الى فعل يسد رمقه ، والحياة بحاجة الى الأستجابة التامة لمتطلبات الأنسان بأرادته القوية الفولاذية دون خوف ولا حياء من أحد كان من يكون.

صدق قول الشاعر:

أذا الشعب يوماً أراد الحياة    فلابد أن يستجيب القدر

 (يتبع)

  منصور عجمايا

16\8\2005