حسين الاعظمي
يوميات حسين الاعظمي (1004)
في ذكرى الحاج هاشم الرجب السنوية
(1920-2003)
بمناسبة حلول الذكرى السنوية لوفاة خبير المقام العراقي الاول في القرن العشرين الحاج هاشم محمد الرجب رحمه الله، اليكم اعزائي هذه المقالة التي كتبتها ونشرتها في الصحف العراقية قبل وفاته باسبوعين تقريبا، وقد اعجبته كثيرا، بحيث سلّمني ارشيفه لسيرة حياته مع الصور الفوتغرافية النادرة، آملاً مني ان اكتب كتابا عن حياته وسيرته الفنية. وقد نقلتُ كل هذا الارشيف بجهاز السكانر واعدته الى المرحوم الحاج. ونشرتُ عبر الفيسبوك والايميل الكثير من الصور النادرة من ارشيف الحاج وهي تنشر لاول مرة. وما زالت فكرة الكتابة عن المرحوم الحاج ككتاب لسيرته، قائمة في تفكيري واحاول استغلال اي فرصة من الوقت للشروع بكتابتها ان شاء الله.
على كل حال، فالحاج هاشم محمد الرجب، احد الأئمة العاملين في الوسط المقامي، مغنون او عازفون او خبراء، الكلاسيكيون منهم او غيرهم وعلى مدى العصور، وهو امامهم في القرن العشرين، فتاريخه حافل بالانجازات الفنية، فهو مطرب سجل العديد من المقامات العراقية بصوته، وهو عازف على آلة السنطور التي يعود له الفضل في بقاء هذه الآلة وعدم إندثارها إبان هجرة عازفيها في العقد الخمسيني من القرن العشرين الى فلسطين المحتلة، يناظره في ذلك زميله عازف آلة الجوزة شعوبي ابراهيم خليل الذي انتدب لهذه الآلة ايضا ليكوِّنا معا اول فرقة جالغي بغدادي عند انتصاف القرن العشرين المتكوِّنة من هاتين الآلتين اضافة الى عازفيْن آخريْن للايقاع. وهو ايضا الخبير المخضرم الذي يعد اكبر مرجع ومصدر للمعلومات الشاملة عن المقام العراقي، (هامش1) وهو كذلك المؤلف والكاتب الذي خلّف لنا مؤلفات عديدة، اذ ما يزال كتابه الاول الصادر في بغداد 1961 افضل كتاب تضمَّن معلومات علمية وفنية وتاريخية وافية عن المقام العراقي، وبالمناسبة ان هذا الكتاب هو ايضا اول كتاب متخصص في موزيكولوجية (هامش2) المقام العراقي، فضلا عن كتب وتحقيقات عديدة اخرى في هذا الاختصاص، فنتاجاته مجتمعة تشغل مكانة هامة وخاصة، لا في تاريخ المقام العراقي فحسب، بل في الغناء والموسيقى سواء في داخل العراق او خارجه.
تبلور الاتجاه الجمالي للحاج هاشم محمد الرجب، الى فن المقام العراقي تحت تأثير البيئة والمحيط الذي عاشه الرجب في مدينة الاعظمية التي تعد من اهم المراكز المقامية في بغداد، ومن ثم تحت تأثير التجارب الغنائية لكثير من المغنين المقاميين الذين اتصل بهم منذ صغره واستمع اليهم، فكانت بدايته في حضوره مع والده للاستماع الى المناقب النبوية الشريفة والشعائر الدينية الاخرى والمشاركة فيها في بعض الاحيان، ثم جذبته التجمعات الشعبية في غناء المربع البغدادي، وقد مارس هذا الغناء بعض الوقت في الثلاثينات، خاصة في كسلات سلمان باك المشهورة في (قضاء المدائن)(هامش3). وفي احدى زياراتي المتكررة له قبل اشهر من وفاته، قال لى (ان اول ما جذبني الى المقام هو استماعي الى مقام البيات بصوت نجم الشيخلي واعجابي به الامر الذي جعلني ابحث عن تسجيلات المقام العراقي باصوات المغنين كافة والاتصال بهم، حتى تسنى لي الاستماع الى استاذ الجميع رشيد القندرجي بكثرة..! مما اثَّر في نفسي حتى تولعت في غنائه، ومن ثم اقتناعي بجدوى طريقته الغنائية المثيرة والجميلة والرصينة) (هامش4). وعليه اصبح الرجب منذ البداية احد اتباع الطريقة القندرجية المخلصين، رغم اعجابه واتصاله بالطريقة الزيدانية من خلال المغنين المعاصرين المتأثرين بها مثل نجم الشيخلي وعبدالفتاح معروف وعباس كمبير ويوسف كربلائي وجميل الاعظمي وجميل البغدادي وغيرهم. وحفظ الكثير من السمات التي كان يتميز بها مغنون عدة.
وهكذا كان انتماء الحاج هاشم الرجب الى الطريقة القندرجية قد جاء عن قوة ودراية ومعرفة بما يدور في الوسط المقامي من اساليب وطرق ومدارس، ليختار في النهاية طريقه الفكري والجمالي والذوقي في غنائه للمقامات العراقية والاستماع اليها.
سجل الحاج هاشم محمد الرجب المقام العراقي بصوته القوي وكانت اشهر مقاماته مقام المنصوري (سلَّمه صبا) ومقام الحجاز ديوان ومقام الحليلاوي ومقام الراشدي(سلمه بين الرست والجهاركاه) ومقام العجم عشيران وغيرها، وقد تم تسجيل اكثرها في العقد الخمسيني. وتعتبر التعابير الغنائية التي عبر عنها الرجب متأثرا بروح الطريقة القندرجية ومعجبا بالمسارات اللحنية الكلاسيكية التي توحي عند سماعها وكأنك في حضرة تعابير القرن التاسع عشر، تعابير مخضرمة رصينة ومتزنة. وقد اكد ذلك الرجب في معظم تسجيلاته المقامية المسجلة بصوته وعلى الاخص مقام المنصوري ومقام الحجاز ديوان. والرجب في تصويره هذا لمباديء الطريقة القندرجية، اراه ينحو نحوا جديدا او مغايرا، فهو لا يهتم بالتقليد الببغائي للاسلوب القندرجي الذي يعكس خلاصة حقيقية لتجارب الحقبة السابقة له، قدر اهتمامه بتصوير التعابير التربوية والاخلاقية التي كان منها دعوته المستمرة للالتزام بالاصول التاريخية لفورم form المقام العراقي ومضامينه التعبيرية البغدادية الاصيلة التي يبدو فيها الرجب وهو يعاني من التطلعات الجديدة من مغني جيله..! فنلاحظه يدعو ويلتزم ويتمسك بالتقاليد المقامية بشدة كرد فعل لهذا الواقع، الذي يخشى فيه الرجب على اصالة هذا التراث الغناسيقي العريق (المقام العراقي) وهو كذلك شأن القندرجيين جميعا..!
ومن اجل الفهم الحقيقي لانجازات الحاج هاشم الرجب الفنية بصورة مجتمعة. فإنه يجدر بنا الرجوع الى بداياته الاولى في البيئة والواقع المحيطين به ونشأته الاولى التي ارتبطت انجازاته الفنية بها ارتباطا شديدا. وباستعراض شيء من حياة الرجب، نلاحظ ان طفولته قد عاصرت سنوات ما بعد ثورة العشرين وتأسيس الجيش العراقي في 6/1/1921. أي ان طفولته كانت في (حقبة التحول)(هامش5). اما سنوات فتوَّتهِ وشبابه فقد عاصرت تجارب بث الاذاعة العراقية بداية الثلاثينات حتى اعلن عن تأسيسها رسميا عام 1936 وكذلك الامر مع تأسيس معهد الفنون الجميلة الذي بدأ هو الآخر بداية الثلاثينات وتأسس في نفس العام. اما سنوات ظهوره كفنان على المستوى الاعلامي فقد عاصرت انتصاف القرن العشرين او قبله بسنوات قليلة، وهي الحقبة التي اطلقنا عليها اسم(حقبة التجربة)(هامش6). وهي حقبة خصبة ومثمرة في القرن العشرين وما اعقب ذلك، وعلى الاخص في 14 تموز 1958 التي اعلنت عن نهاية وجود الانكليز وكذلك نهاية الحكم الملكي واعلان الحكم الجمهوري لاول مرة في العراق. وعليه فإنه لم يكن من قبيْل المصادفة ان جاءت انجازات الرجب الغنائية والموسيقية والكتابية والخبرة الفنية في معرفة اعماق الاصول التاريخية المقامية، منصبَّة على تصوير وعكس واقع العراق المتطــــــلع الى التقدم والقاء الضوء على جو الحياة السائدة .
فلو تحدثنا عن مقام المنصوري المغنى بصوت الحاج هاشم الرجب، الذي كان اول انجاز للرجب فيه، اختياره لقصيدة صوفية رائعة ومن الوزن الثقيل في خيالها وحبكتها اللغوية وتماسك بنائها الادبي للامام عبد الرحيم البرعي. بمستوى ثقل التعابير الغنائية التي يستوعبها هذا المقام الذي تتصف تعابيره الغنائية من حيث المبدأ بالحزن والشجن خاصة وان سلَّمه الموسيقى هو سلَّم مقام الصبا الذي يوحي بالتعابير الحزينة هو ايضا من حيث طبيعته. ولو انتبهنا اكثر لادركنا ان موسيقى هذا المقام يرافقها ايقاع السماح 36\4 الذي يعد اكبر الاوزان الايقاعية المستعملة في العراق واوقعها ضغوطا وتطريبا واتزانا.
ويذكر ان الرجب كان قد سجل مقام المنصوري مرتين بصوته في اذاعة بغداد، فكان اولهما قد غناه بقصيدة الامام عبد الرحيم البرعي الشهيرة
(فؤادي بربع الضاعنــــين اسير/ يقيم على آثارهم ويســــــير)
اما مقام المنصوري الثاني فقد غناه بهذه القصيدة.
(لعلك تصغي ســـــاعة واقول / لقد غاب واش بيننا وعــــذول)
من ناحية اخرى، تضمنت المقامات المغناة بصوت الحاج هاشم الرجب، بصمة الواقع المعاصر، وكذلك صوَّرت هذه المقامات واقع الغناء المقامي في تلك المرحلة من الثقافة الفنية، فمقامات الرجب رغم انها تشكل خطوة فنية الى الامام من هذه الناحية، باعتبار ان الرجب يمتاز عن اقرانه بتطلعاته الفكرية والثقافة العلمية والموسيقية والبحث العلمي، إلا أن هذه المقامات ظلَّتْ محتفظة بكل الاسس التي اعتمدت عليها الطريقة القندرجية..! وهي ايضا انعكاس لواقع الغناء المقامي في تلك المرحلة، فقد مثلت هذه المقامات الكثير من حقيقة المضامين التعبيرية وتطبيق اصول الشكل المقامي بصورة افضل من معاصريه، والاهتمام المركز على اللحن المقامي، اكثر من اهتمامه بمعالجة موضوع الغموض اللفظي للكلمات ومخارج حروفها. ملتزما بدقة الشكل المقامي في مساراته اللحنية التقليدية الرصينة المعبرة عن الحقب الزمنية الاقدم من حقبة ظهور الطريقة القندرجية وكذلك التعابير الخالصة للغناء المقامي البغدادي والعراقي التي تؤكد خصوصية الغناء العراقي دون تأثير خارجي يذكر.
كما اهتم الحاج هاشم الرجب من جانب آخر بالعزف على آلة السنطور، وهي الآلة التراثية الموسيقية الخاصة بالعراق، بعد ان طلبت منه الحكومة عام 1951 تقريبا تعلُّمها على يد احد العازفين الذين ينوون السفر والهجرة الى فلسطين المحتلة..! وقد جاء الرجب بزميله وابن مدينته المرحوم شعوبي ابراهيم خليل ليتعلم هو الآخر على آلة الجوزة ليصبحا معا بعدئذ نواة لتكوين اول فرقة للجالغي البغدادي من العرب المسلمين في العصر الحديث او في القرن العشرين، بعد ان اقتصرت على عازفين من يهود العراق واحيانا من المسيحيين وذلك لاسباب اجتماعية مباشـرة جعلت من المسلمين يبتعدون عن الظهور الموسيقى في المجتمع.
بالرغم من ان الرجب لم يستمر الى النهاية عازفا على آلة السنطور وعضوا في فرقة الجالغي التي اضيف اليها عازفي الايقاع، إلا أنه اسَّس جيلاً جديدا في العزف على هذه الآلة. حيث تُلمذ على يديه بعض العازفين امثال المرحوم حمودي الوردي وعبد الله علي وابنه باهر الرجب الذي يعد افضلهم جميعا وغيرهم من العازفين الآخرين، اما زميله المرحوم شعوبي ابراهيم فقد اتخذ من عزفه على آلة الجوزة مصيرا عمليا لحياته ومهنة فنية يعتاش عليها، وهو الآخر علَّم الكثير من الطلبة العزف على هذه الآلة واسس اجيالا اخرى لها من طلبة معهد الدراسات الموسيقية.
رحم الله اساتذتنا المقاميين الكبار الحاج هاشم محمد الرجب وشعوبي ابراهيم، هما من حمل راية آلتيْ الجوزة والسنطور في القرن العشرين لحمايتها من الاندثار والنسيان.
والى حلقة اخرى ان شاء الله.
اضغط على الرابط
مقام المنصوري للرجب
https://www.youtube.com/watch?v=qati58ibh-U
هوامش
1 – هامش1: عندما كنت مديرا لبيوت المقام العراقي في بغداد والمحافظات من عام2001 حتى2003 اقترحتُ على وزارة الثقافة ودائرة الفنون الموسيقية تكريم الحاج الرجب بمنحه شهادة تقديرية ولقب فني اخترتُ نصه بنفسي وهو(خبير المقام العراقي الاول في القرن العشرين) تكريما لتاريخه الحافل وخدمته الطويلة للغناء والموسيقى العراقية والمقام العراقي، فتمت الموافقة على مقترحي، وهكذا اقام له بيت المقام العراقي حفلا تكريميا صباح يوم 14 \ 9 \ 2003 - الكاتب –

2 – هامش2: الموزيكولوجية- ونعني بها علم الموسيقى، علم متعدد الاختصاصات يتصدى لدراسة الظاهرة الموسيقية عبر تاريخها الطويل، من خلال المكتوبة والمسموعة معتمدا في ذلك اساسا الصرامة المنهجية والتقنيات الدقيقة المستعملة في العلوم الانسانية والعلوم الصحيحة. فهو يختص بالبحوث والتفاصيل الفنية لدراسة الموسيقى ونظرياتها وتاريخها وتذوقها، يأتِ بالدرس والتحليل لعناصر اللغة الموسيقية وتطوراتها عبر العصور والبلدان والمناطق. ويقوم بدور هام في البحث واكتشاف المخطوطات القديمة والمؤلفات الضائعة او المنسية وتدوينها وتسجيلها، وتفسير الاعمال الموسيقية والتنقيب عن الاعمال التي حدثت في الماضي وتقييمها. (قطاط، د.محمود، مجلة المجمع العربي الموسيقي، جامعة الدول العربية، نصف سنوية، الموسيقى في سياقاتها الاجتماعية والحضارية، المجلد الخامس العدد الاول، شتاء وربيع 2006، ص11)
3 – هامش3 : الكسلات - وهي احتفالات شعبية تقام بعد المناسبات الكبيرة وكثيرا ما يبقى المحتفلون اياما اخر بعد الاحتفالات الاساسية مستمرين بالاحتفال وعلى الاخص منهم من الناس الشعبيين وقد اشتهرت هذه الاحتفالات في المدائن (سلمان باك) .
4 – هامش4: في يوم 19 / 6 / 2003 الخميس، قمت بزيارة المرحوم الحاج هاشم الرجب في بيته الجديد بحي الجهاد مصطحبا نسيبه وهو استاذي المايسترو عبد الرزاق العزاوي ود.هيثم شعوبي وصديقنا قصي جاسم الطائي (اختام قصي) حيث اعتدت على زيارته في ايام الخميس حسب الظروف، وفي هذه الزيارة دارت احاديث شتى تخص المقام العراقي وتجربته المقامية.
5 – هامش5: حقبة التحول – التحديد مجازي. تقع هذه الحقبة الزمنية من بداية القرن العشرين حتى منتصف ثلاثيناته.
6 – هامش6: حقبة التجربة - التحديد مجازي. تقع هذه الحقبة الزمنية من منتصف ثلاثينات القرن العشرين حتى منتصف ستيناته.

الحاج هاشم الرجب في بيته بين ابنائه المحبين من اليمين قصي الطائي ومن اليسار حسين الاعظمي ويقف في الخلف د.هلال عبد الكريم 2002.