حسين الاعظمي
يوميات حسين الاعظمي (1175)
يوم من عمري
اتصل بي قبل اكثر من عام مضى، اخي العزيز وصديقي العتيد الكاتب الصحفي الكبير الاستاذ عبد الجبار العتابي، طالبا مني ان اكتب بشيء من الاختصار عن احد ايام عمري الفنية المميزة، حيث ينوي اصدار موسوعة ثقافية في كتاب جديد يتضمن شخصيات كثيرة وفي اختصاصات عديدة ومنوعة، كلٌ يكتب بقلمه عن احد الايام المميزة في حياته...!
واقع الحال، ان لكل انسان ربما لديه اكثر من يوم واحد مميز...! ولكننا جميعا مجبرين على اختيار واحد منها...! حسب رغبة الاستاذ العتابي ومضمون موسوعته الثقافية. وبالنسبة لي، لم يخطر على بالي غير حكايتي مع المتحف البغدادي الاثير الى نفسي...! باعتباره البداية الحقيقية لمسيرتي الفنية. فكتبتُ الى اخي الفاضل عبد الجبار العتابي عن تجربتي الناجحة في مقهى المتحف البغدادي التي شهدت بدايتي الرصينة في غناء المقام العراقي والتي قُدِّرَ لها النجاح والاستمرار...! واليكم سادتي الافاضل نص ما كتَبتُه للاعلامي الكبير الاستاذ عبد الجبار العتابي ادناه.
حكايتي مع المتحف البغدادي
(((حكايتي مع المتحف البغدادي، بدأت مطلع السبعينيات من القرن الماضي. حيث نبــَّهني أحد أبناء محلــَّتي (حارتي) السيد فاروق قاسم (هامش1) بأن هناك مقهىً جماهيرياً تؤدى فيها حفلات المقام العراقي في عصر يوم الجمعة من كل اسبوع داخل بناية المتحف البغدادي، ومتعهد هذه الحفلات، أو الشخص المستأجر لهذه المقهى، هو مطرب المقام العراقي حمزة السعداوي. فشجعني للذهاب الى هذه المقهى لتجربة حظـِّـنا فيها سوية، بالرغم من أن السيد فاروق سبق له ان ذهب من قبل الى هذه المقهى في عادي الايام وفي أيام الجمع الاسبوعية بجانب كثير من هواة المقام العراقي، ولكن دون أن يُسمح له ولا لغيره من الشباب بالصعود الى المسرح لحد هذا الوقت الذي كان فاروق يشجعني فيه للذهاب اليها...! على كل حال، ذهبتُ معه الى مقهى المتحف البغدادي عصر يوم 20/3/1973 الثلاثاء. وتعرَّفنا على بعض الحاضرين والهواة وغيرهم من رواد هذه المقهى، الذين إستمعتُ الى بعضهم يغنون بعض المقاطع من المقامات العراقية ويتداولون فيما بينهم تفاصيل الخطأ والصحيح فيما يؤدون من هذه الاداءات، دون أن نحظى بحضور السيد حمزة السعداوي هذا اليوم...! وفي يوم الخميس 22/3/1973 أي بعد يومين. ذهبتُ مع السيد فاروق مرَّة أخرى الى المقهى على أمل اللقاء بالمطرب حمزة السعداوي، وفي هذه المرَّة إلتقينا بالسيد السعداوي المسؤول المباشر على هذه المقهى البغدادية. والذي ألتقي به وأتعرَّف عليه شخصياً لأول مرَّة...! علماً أنني لم أكن قد تعرَّفتُ على أي فنان قبل هذا التاريخ فيما أعتقد...! وربما أستطيع القول أن حمزة السعداوي يكون أول فنان تعرَّفت عليه شخصياً، أو هو من أوائل الفنانين الذين تعرَّفت عليهم في بداية حياتي الفنية، وهكذا قدَّمني إليه بعض الحاضرين.
⦁ الاخ حسين جاء منذ يومين، ويبدو انه يرغب بقراءة المقاما لعراقي.
فالتفتَ اليَّ السيد حمزة وقال موجهـاً كلامه لي.
⦁ ماذ الديك لتسمعنا من مقامات أخ حسين..؟
⦁ أي مقام تريد..!
فوجئ السيد السعداوي بجوابي وأردف قائلاً.
⦁ هل تعرف غناء مقامات كثيرة..؟
⦁ اعتقد ذلك.
⦁ وأين تعلمتها..؟
⦁ من اسرتي وبيئتي وجهاز التسجيل الصوتي..!
⦁ إذن أسمعنا مقام المخالف.
وعندما أسمعته مقام المخالف كاملاً دون أي نقص أصولي تقليدي فيه، ودون أية إضافة أو تعليق منه أو من الحاضرين..! أبدى إستغرابه وإعجابه، فضلاً عن بقية الحاضرين الذين يستمعون اليَّ لأول مرَّة. وقال لي بالحرف الواحد.
⦁ من أين أنت..؟
⦁ من الاعظمية.
⦁ هكذا إذن..! فالاعظمية مدينة مقامية تراثية فيها خزين هائل من هواة المقام العراقي.
وما عليك ياأخ حسين، إلا أن تأتي عصر الغد لأقدمكَ الى جمهور المتحف البغدادي، ولتكن مفاجأة
حفلات مقهانا البغدادية هذه..!
في عصر اليوم الثاني 23 /3 /1973 الجمعة، كان يوماً مشهوداً، كنتُ فيه متوسطاً فناني مسرح مقهى المتحف البغدادي لأول مرَّة في حياتي. وطبيعي لم تجرى أي بروفة على مقام المخالف مع اعضاء الفرقة الموسيقية..! ولم يسبق لي ان غنيتُ مع أي فرقة موسيقية..! ولم يسبق لي ان غنيتُ في مسرح وامام جمهور حاشد..! فكان وجودي بين فناني المتحف البغدادي عصر هذا اليوم 23/3/1973 امرا مباشرا ومفاجئا لي وللجمهور الحاضر..! حالة لم يمر بها أي فنان من قبل..! كل شيء خام في خام، كل شيء دون تهيئة واستعداد ولا أي تجربة، لم ادرك نفسي الا وانا بين اعضاء الفرقة الموسيقية امام الجمهور الحاضر..!
على كل حال، وصلتُ الى بناية المتحف البغدادي، والامسية الاسبوعية كانت قد باشرت في منهاجها قبل قليل. وما أن رآني المرحوم حمزة السعداوي الجالس وسط الفنانين على المسرح، حتى ناداني بجهاز المكبر للصوت بالصعود الى المسرح. وما هي الا لحظات قليلة مرّت حتى وجدتُ نفسي جالسا في وسط المسرح. عن يساري مجموعة من هواة مطربي المقام العراقي، وهم طارق القيسي(هامش2) وصلاح السراج(هامش3) وعبد الله المشهداني(هامش4) ومحمد العاشق(هامش5) ونجم عبود(هامش6) وحمزة السعداوي. وعن يميني جلس أعضاء الفرقة الموسيقية وفي مقدمتهم عازف القانون عبد الاحد جرجيس وهو والد أشهر عازف إيقاع في العراق (سامي عبد الاحد) ثم عازف العود محمد سعيد وعازف الكمان يونس وعازف الايقاع بديع. وأتذكر أن عريف الحفل كان قد قدَّمني الى الجمهور بهذه الكلمات.
(والآن مع المطرب الشاب الجديد المفاجأة
حسين اسماعيل الاعظمي، في مقام المخالف)
في الحقيقة أثارني هذا التقديم من قبل عريف الحفل، فقد انتبهت لاول مرة، الى اللقب الذي نعتني به(الاعظمي) فلم اسمع اي شخص ناداني به من قبل، فهذه هي المرة الاولى التي يقرن اسمي بهذه الكنية.
وهكذا يكون يوم 23/3/1973، هو (يوم من عمري) ولا داعي للاطالة فهو اليوم الذي تقرر فيه مصير حياتي، حيث بدأتُ من هذه المقهى، وبقيتُ أذهب إليها غالبية الاسابيع وأغني فيها المقامات العراقية حتى بعد عام 1973. واستمر بي الامر في غناء وموسيقى المقام العراقي حتى يوم الناس هذا. والحمد لله على كل شيء))).
ايام عمركم كلها جميلة ان شاء الله
الهوامش
1 – هامش1: فاروق قاسم: أصبح مطرباً مقامياً ايضا فيما بعد بإسم - فاروق الاعظمي
2 – هامش2: طارق القيسي: لم اعرف اخباره بعد هذه الفترة
3 – هامش3: صلاح السراج: هو الاخر قد ابتعد عن الوسط المقامي كثيرا، وعندما سمع بادارتي لبيت المقام العراقي مطلع القرن الحادي والعشرين، جاءني الى البيت وقد بان عليه تعب الحياة كثيرا، فعملت مباشرة على تعيينه في بيت المقام العراقي.
4 – هامش4: عبد الله المشهداني: ترك الغناء على المستوى الاعلامي وغمرته الوظيفة وخلالها حصل على شهادة الدكتوراه في التربية الرياضية، ولكنه يكتب عن المقام العراقي ويتابع شؤونه وقد الف كتابا اسماه – موسوعة المقام العراقي -
5 – هامش5: محمد العاشق: المطرب القديم الذي يقال انه ادرك تسجيل بعض الاسطوانات في الثلاثينات من القرن الماضي، وفي اواخر السبعينيات اوعز المرحوم احمد حسن البكر رئيس الجمهورية للتلفزيون العراقي بتسجيل بعض مقاماته العراقية بصوته رغم انه ناهز الثمانين عاما.
6 – هامش6: نجم عبود: هو الاخر ابتعد نسبيا عن الغناء المقامي، على الاقل على المستوى الاعلامي، ولكنه افتتح محلا لصناعة الالات الموسيقية وعلى الاخص آلة العود.

صورة 1 / الكاتب الصحفي عبد الجبار العتابي

صورة 2/ الصورة تمثل تاريخا فنيا مميزا 23/3/1973 صعود حسين الاعظمي على المسرح
لاول مرة وهو يغني مقام المخالف ، ويظهر فيها من اليمين مطربي المقام العراقي طارق القيسي
وصلاح السراج وعبد الله المشهداني ومحمد العاشق ونجم عبود وحمزة السعداوي وحسين الاعظمي
وعبد الاحد جرجيس ابو سامي عازف القانون وبقية الموسيقيين.
صورة 3/ حسين الاعظمي في يمين الصورة وهو يغني مقام الخنابات وقصيدة والله ما شرقت
شمس ولا غربت. يوم الجمعة 26/4/1974 وبجانبه المغنين علي ارزوقي وحسن البناء
وعبد الرحيم الاعظمي وحمزة السعداوي وعازف الجوزة محمد صالح عمر وباقي الموسيقيين.
صورة 4 / في المتحف البغدادي يوم 30/3/1973 الجمعة، من اليمين ابو عبد البغدادي
ومحمد العاشق ونجم عبود وحمزة السعداوي وحسين الاعظمي يغني مقام الحكيمي
وعبد الاحد جرجيس ويونس الدايني ومحمد سعيد وبديع