حسين الاعظمي
يوميات حسين الاعظمي (1208)
مفارقة سفراتي
بسم الله الرحمن الرحيم.
وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ .
صدق الله العظيم(هامش1)
(تفاءلوا بالخير تجدوه)
لان الحظ شيء غامض يجتاح الانسان في عقله وتفكيره الواعي وغير الواعي خلال سني حياته، فالمسألة تحتاج الى تأمل وخيال وتفكير..! حيث لم يتوصل الانسان، لا في عفويته ولا في علمه وثقافته حتى اليوم، من تفسير دقيق لمفهوم الحظ او معنى واضح له وصريح..! ومن خلال ذلك يبدو ان الاعتماد على النفس في ترك الامور على طبيعتها، ومحاولة خلق حالة تأملية وتفاؤلية بصورة دائمة لكل ما يحصل خلال الحياة، هي الطريقة الفضلى والاوفر احتمالا للحياة في انتظار حظ ايجابي بأمل وتأمل دائمين..! وعليه جاء الحديث النبوي الشريف(تفاءلوا بالخير تجدوه) مطابقا لهذه الحالة، فالتفاؤل سمة انسانية ايجابية من حيث المبدأ، فعلى الانسان ان يصنع ما يسمى بالحظ او يصنع حظه بنفسه، كيف ذلك..؟ لعل التفاؤل والايمان والثقة بالنفس والصبر، من الوسائل الاقرب والافضل للوصول الى الحظ الايجابي في الحياة، ومن هنا يمكن ان يصنع الانسان حظه الايجابي الذي يتمناه في الحياة..! اذن ينبغي على الانسان ان يثق بربِّـهِ الكريم، ويثق بنفسه، ويثق بالحياة ويتأمل بشكل متفائل عسى ان يكون حظه جيداً ايجابياً ومقبولاً.
من ناحية اخرى، فان الايمان بالله وبالقدر، أمر في غاية الاهمية، لأن المستقبل في حقيقة الامر شيء مجهول، وعلينا ان نستعن بالله ونتذكر المقولة المعروفة(الفرج بعد الشدة) في أي طارئ سيء قد يمر في حياتنا، ونتأمل الخير دائماً باذن الله تعالى. والصبر على مرور اقسى الظروف. فربما يكمن الخير في داخل كل شر، ويكمن الشر في داخل كل خير..!
في مجمل الحياة التي انقضى منها الاغلب والحمد لله على كل شيء، ومنها سنوات الدراسة الابتدائية التي لم تكن لي فيها فرصة المشاركة في السفرات المدرسية..! حيث اسافر في اي واحدة من السفرات الطلابية المدرسية..!؟ والسبب هو المرحومة والدتي التي لا يطمئن قلبها وانا مسافر في مكان ما مع تلاميذ المدرسة بعيدا عنها..! وعليه لم تكن لي اي تجربة في السفرات الطلابية طيلة الدراسة الابتدائية. وتركيزي على هذه البواكير من مرحلة الدراسة الابتدائية، لانها اقدم المراحل الحياتية التي يمكن من خلالها ان يستهل الانسان حياته مختلطا بالآخرين بصورة مباشرة، و (العلم في الصغر كالنقش على الحجر). فرسوخ هذه الذكريات من هكذا مراحل، يكون عميقا جدا في الذاكرة ولا يمحى بسهولة ابداً..! وتكررت هذه الحالة في عدم خوضي تجربة السفرات الطلابية في كل المراحل الدراسية التي تلت المرحلة الابتدائية..! وبقيت هذه القضية مؤثرة في نفسي وذاكرتي وذهني حتى يوم الناس هذا..! كل تلاميذ السفرات من زملائي عندما يعودون من سفرتهم المدرسية، يتحدثون بها اياما في سرور وفرح بعد عودتهم الى دوام المدرسة، فضلاً عن الصور التذكارية وتناول تفاصيل ما جرى لكل تلميذ من التلاميذ في سفرته التي عاد منها. وانا مستمع منصت لما يقولون ويعبرون عن ابتهاجهم في ساعات السفرة المدرسية متمنياً لو كنتُ معهم..!
بعد كل سنين الدراسة التي مرّت وفي كل مراحلها، لم اذق طعم سفرة واحدة ابدا كما قلت..! ومن الطريف ذكره. عندما شاركتُ في اول سفرة طلابية لي، حيث كانت مع سفرة طلبة واساتذة معهد الدراسات النغمية العراقي عام 1981، وكانت الى المصيف السياحي في مدينة الحبانية، ولكن هذه السفرة تختلف كثيرا عن السفرات الطلابية الاخرى السابقة التي اتحدث عنها في حلقتنا هذه، ففي هذه السفرة كنت معيدا مدرسا في المعهد ولم اكن طالبا..! وفيها كنتُ متزوجاً ولي ابنتي البكر في شهورها الاولى(وديان) ومع ذلك لم نتمتع حتى في هذه السفرة، التي بتنا فيها ليلة في مدينة الحبانية، لاننا نسينا قنينة حليب طفلتنا في البيت ولم نجلبها معنا..! ولم نستطع الحصول على اي قنينة اخرى ونحن في مدينة الحبانية، وعليه لم يتسنى لنا السهر مع المدرسين والطلبة في مطعم الحبانية، ولم نستطع مشاركتهم في استمتاعهم بهذه السفرة، التي كانت الاولى بالنسبة لي مع الطلبة، حتى لو كنت فيها معيدا في المعهد وليس طالبا..!
على كل حال، ربنا العظيم سبحانه وتعالى، له شأن رباني عوضني به اعظم تعويض..! تعويض ما لم يكن في الحسبان، فقد سخّر لي ربي العظيم، الشخصية النادرة الموسيقار منير بشير وانا في بداياتي الفنية، الذي اكتشفني وقدمني الى العالم، بل فتح لي العالم على مصراعيه..! محطِّما كل الابواب التي كانت موصدة في وجه العراقيين، وغير مجرى حياتي كلها..! معلناً للعالم وناشراً تراثنا الغنائي والموسيقي في كل بقاع الدنيا..! فكانت سفراتي الفنية على مستوىً عالٍ من الرفعة والفن والثقافة، وقد تجاوزت الحد المعقول في كثرتها وكثافتها في بلدان كانت حلم اي انسان ان يصلها..! وكانت سفرتي الاولى هي اول الغيث وآخره قطر..! الى ايطاليا وتونس، التي لم استطع حتى اليوم وصف مشاعري فيها وانا اخرج من بلدي لاول مرّة الى بلدان اخرى..! ثم تلتها سفرات كثيرة جدا بحيث صعبَ عليّ عدّها واحصاؤها..! لكل اوربا وامريكا وكندا واليابان واستراليا وامريكا الجنوبية وغيرها الكثير..! وقد توزعت هذه السفرات في كل القارات. فضلاً عن تكرار الكثير من السفرات الى نفس الدول التي زرتها فنياً سابقا ولاكثر من مرة، بل مرّات عديدة لكثرة من الدول. حتى بلغ عدد الدول التي زرتها حتى اليوم، يزيد عن سبعين بلدا..! ما عدا تكرار الزيارات الى نفس الدول لمرّات عديدة. والابهى من كل ذلك، ان سفراتي الفنية كلها كانت ذات منحى ثقافي، وليس من اجل الترفيه او التطريب او الاستهلاك او حفلات المطاعم وغيرها، وانما على مستوى المهرجانات الثقافية الفنية الدولية المنتشرة في بقاع العالم على اعلى المستويات. كل ذلك بفضل ما علّمنا إيّاه استاذنا الراحل الموسيقار منير بشير رحمه الله تعالى. الذي وضع وخطّ لنا اسساً ومنهجاً ثقافياً اخلاقياً فنياً، نحترم فيه جمهورنا وفننا وانفسنا، كي نرسل رسالتنا الانسانية والغنائية والموسيقية الى الناس جميعا بكل احترام وتقدير، ليحترمنا الجمهور بالمقابل في اقل تقدير..! فتجربة استاذنا منير بشير، اعطتنا المقاييس الصحيحة للتعبير عن الفن الراقي والاخلاق السامية والثقافة المعاصرة..!
هكذا كانت المفارقة الكبيرة التي حُرمتُ منها في طفولتي واستمتعت بها في حياتي..! وهكذا عوضني ربي العظيم اعظم تعويض، وجعلني اشاهد ما لم يكن في الاحلام الا في قصص الف ليلة وليلة..! فكم من الملاحظات، وكم من المشاهدات، خلال سفرات دولية لاتعد ولا تحصى والحمد لله على نعمه حمدا كثيرا.
والى حلقة اخرى من موسوعتنا ان شاء الله.
هوامش
هامش1: الآية 18 من سورة النحل.

صورة واحدة / حسين الاعظمي مع زوجته وابنته البكر وديان في الحبانية عام 1981 خلال سفرة المعهد الطلابية