حسين الاعظمي
يوميات حسين الاعظمي (1246)
مانشيت 7 أهمية القندرچي والقبانچي
حلقات مقتطعة من كتابي (افكار غناسيقية). بعض المانشيتات الداخلية من البحث المقدم الى مؤتمر الموسيقى العربية الدولي الحادي والعشرين في دار الأوبرا المصرية. الموافق من 8 إلى 15 تشرين الثاني 2012 م. (تطور الغناسيقامية في العراق والمحافظة على هويتها خلال القرن العشرين، القندرچي والقبانچي إنموذجا).
***
مانشيت 7 أهمية القندرچي والقبانچي
إن أهمية رشيد القندرچي ومحمد القبانچي باعتبارهما مطربيْـن كبيريْن قائديْـن لمرحلتيْـن ثقافيتيْـن مع فكر جمالي رصين، كلٌّ في طريقته واسلوبه لمن يريد أن يدرس ويبحث في مسالة الالتزام (هامش1) بالأصول التاريخية، ومن ثم الانطلاق منها كأصالة حقيقية لتكوين اصالة جديدة منها تسمح باحتمالات عديدة في الابداع الغناسيقامي. والتأمل لكل ما حدث من شأنه أن ينقذ جزءاً كبيرا من ضعف نتاجات غناء المقامات العراقية لمغنينا المقاميين في الوقت الراهن، الذي نعيشه ونحن قد تجاوزنا القرن العشرين. حيث الخامات الصوتية الجيدة لكثير من معاصرينا والاجيال التي جاءت بعدنا، رغم أن تيارات الحياة المعاصرة اخذت معظمهم بعيدا، اذ ينبغي علينا وعلى المغنّين من بعدنا، أن نستفيد وان نكتسب وعياً أكثر سعة وشمولية بمشكلات البناء اللحني ومتانة العلاقات الفنية في غناء المقامات العراقية، من تجربة أشهر طريقتين ظهرتا في القرن العشرين (الطريقتان القندرجية والقبانجية).
على كل حال، يبدو لنا أن الحداثة الجديدة في غناء المقام العراقي، قد تحددت بداياتها عند ظهور المطرب الكبير محمد القبانچي في النصف الأول من القرن العشـرين ونشوء طريقته الابداعية (الطريقة القبانچية) حيث يمكننا أن نعلن لأنفسنا، باننا نتفق مع هذا القول، اذ أكد ذلك معظم النقاد المقاميين الذين ملئوا كتاباتهم بملاحظات مضيئة حقا حول فحوى الطريقة القبانچية أو الحداثة برمتها. ومن هنا يمكن الإشارة إلى أن المغنّين المقاميين عبد الهادي البياتي، وحسن خيوكة، وسليم شبث، ومجيد رشيد، من مغنّي الفترة الانتقالية. كونهم من نتاج التفاعلات الدرامية التي احتدمت بين الطريقتين القندرچية والقبانچية والطرق الاخرى، وهم ايضا من المساهمين الاوائل لريادة هذه الحداثة المقامية بعد اطلاعهم ومعرفتهم بالطرق السائدة في فترتهم، وعلى الاخص الفوارق والسمات التي تمتعت بها كل من الطريقتين القندرچية في سماتها الكلاسيكية والقبانچية في محورها الابداعي بقيادة استاذهم المجدد الكبير محمد القبانچي. وسوف نرى بعد هذه الفترة الانتقالية، ظهور مغنين مبدعين آخرين تميزوا بإبداعات ادائية اخرى ترسيخا لمبدأ الحداثة المقامية في الاداء المقامي، امثال ناظم الغزالي، وزهور حسين، ويوسف عمر، وعبد الرحمن العزاوي، ومائدة نزهت، وحسين الاعظمي، واحمد نعمة، وفريدة محمد علي، والكثير من الاسماء الاخرى. فقد قدموا اسهامات ذات قوة ابتكارية كبيرة لغناء المقامات العراقية، اوحت بمستقبل هذا الغناء التراثي القبانچي بأسطواناته على الكرامافون الحاكي التي سجلها بصوته في عشـرينيات وثلاثينيات القرن العشـرين في برلين والقاهرة. كحسن خيوكة بمقام الدشت، عبد الهادي البياتي بمقام الحجاز ديوان، مجيد رشيد بمقام الارواح، يوسف عمر بمقام النوى، ناظم الغزالي بمقام الصبا، زهور حسين بمقام الهمايون وعبد الرحمن العزاوي بمقام الراشدي، مائــدة نزهت بمقام الحويزاوي، حسين الاعظمي بمقام النوى، فريدة محمد علي بمقام الأورفة.
هكذا تتوضح في نتاجات هؤلاء المبدعين، القيم الجديدة للحداثة والابداع الادائي في الغناسيقامي، وعلى الاخص ما انجزته (الطريقة القبانچية) من توضيح في كلمات الشعر المغنى، ودقة في لفظ مخارج الحروف، والبناء الجديد في علاقات المسارات اللحنية المقامية، ومن ثم بناء جمل لحنية متكاملة المعنى، معبّرة عن المضمون الشعري المغنى، و .... الخ.
إن زعزعة (الطريقة القندرچية) كأسس وقيم ادائية قديمة وهيمنة الحدود القلقة في الصـراع بين الطريقتين القندرچية والقبانچية، بإدخال تطويرات فنية على الاداء الغناقامي (هامش2) اكدها مغنّون كان ظهورهم الفني معاصراً لهذه الفترة، باعتبارها تحولات منطقية وطبيعية، توازيا مع التطور الثقافي للعلوم والفنون كافة، وهؤلاء هم أنفسهم المغنون الرواد للفترة الانتقالية الذين مر ذكرهم، عبد الهادي البياتي، وحسن خيوكة، وسليم شبث، ومجيد رشيد.
والى حلقة اخرى ان شاء الله.
هوامش
1 – هامش1: الالتزام- Obligation: موقف اخلاقي اجتماعي يتخذه الفرد في أن يجعل سلوكه يمتثل للمعايير والقيم المقررة اجتماعيا.
2 – هامش2: الغناقامي: اختصار لمفردتي الغناء المقامي (الباحث).

صورة واحدة / حسين الاعظمي في قاعة ابن النديم 1975 بعدسة الفنان محمد لقمان.