حسين الاعـظمي
يوميات حسين الاعـظمي (1349)
مانشيت/ 5 اساليب الابداع
حلقات مقتطعة من كتابي (افكار غناسيقية) الجزء الثاني، كتاب مخطوط لم يصدر بعد.
بعض المانشيتات الداخلية من (الفصل الثالث) والبحث المشارك في (مؤتمر الحضارة الاسلامية في الاندلس/ القرن السادس الهجري، الثاني عشر الميلادي) بالعاصمة الجزائرية آذار 2007.
البحث (الموسيقى الاندلسية، في القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي).
***
مانشيت/ 5 اساليب الابداع
من زاوية اخرى فإن هذه الأساليب الادائية، تعتبر إبداعاً يسجله التاريخ للمؤدين الذين تميزوا بإسلوب أدائهم المستقى..! وإن من أهم الملاحظات الملموسة ان مقدرة المؤدي في التركيز على موضوعه الأدائي هي دليل إبداعه.
ان الخطأ التقليدي للأداء الاندلسي الذي إستمرَّ لقرون كثيرة مضت، كان يبدو دائما، إفتقاراً للاهتمام بالتكنيك الأوَّلي للفن، وهذا كما نعرفه عن تاريخ الأداء الغناسيقي العربي على وجه العموم لتلك القرون التي مضت، يمثل تقييداً بالغاً للمؤدين في التقليد الطبيعي.
بهذه الحصيلة من الحديث عن الإبداع الأدائي وبهذا المعنى، يعد المؤدي الاندلسي منذ تسجيلات بداية القرن العشرين، ثائراً متمرداً على القيود الفنية القديمة التي اصبحت عديمة الجدوى في زمننا المعاصر، آخذاً بمبدأ التجربة سواء في الشكل او المضمون. ان ذلك الخطأ التقليدي الذي اشرنا اليه عكَسَ الأتجاه البديهي الذي بتنا نعتبره مثالاً للأداء الاندلسي في المغرب العربي.
على كل حال، نحن لا نقول ان النضج والبلوغ ليسا سوى اول علامات الإتكال، إلا أن هذا لا يعتبر انحلالاً..! بل انه تجميع للقوى التي لم تستغل حتى تلك الحقبة التي سبقت القرن العشرين او سبقت ابتكار جهاز التسجيل الصوتي. ومع ذلك فإنه يبدو من المرجَّح الآن كرؤية مستقبلية لحال الأداء الغناسيقي الاندلسي المغاربي بشكله ومضمونه، بأننا سنضطر في يومٍ ما وبشكل يستمر، الى تطور اداء الغناء الاندلسي المغاربي، ليدنو بصورة مستمرة من اذواق وجماليات العصر(هامش1) ومتلقيه، ليكون على تماس دائم مع الواقع(هامش2) والمستقبل (هامش3).
ويجب ان لا ننسى بأن المؤدين السابقين قد وطّدوا انفسهم كمؤدي عصرهم البارزين دون شك. وان الأسباب الداعية الى الملاحظات النقدية هذه حول نتاجاتهم وخط سيرها الفني، هو ان تلك الظروف سواء السياسية او الإجتماعية او الإقتصادية او..... او.....الخ. التي مرَّت بها بلدان المغرب العربي. اكثر إزعاجا لأي مواطن مغاربي وعربي عندما يطلع عليها. وهي بالتالي اسباب ثقافية إستسلم لها أكثر معاصريها من المؤدين.
من ناحية اخرى فإننا نلاحظ، ان المؤدين الشباب او الأكثرية الساحقة منهم، الذين ظهروا في النصف الثاني من القرن العشرين، قد إمتازوا في عدم رغبتهم في التحرر من الشكل الغناسيقي الاندلسي الصارم كمعظم سابقيهم. حيث يبدو لنا بأن هذا الجيل المعاصر قد أفزعته وإستثارته النماذج التي سبقته وثبّطتْ من عزيمته. ويبدو لنا ايضا فيما يتعلق الأمر بمغني القرن العشرين رغم إبداعاتهم التي تستحق الذكر والتقدير، ولكنها في الحقيقة استمرارا لإبداعات أسلافهم القلائل وتطويراً لها، فكانت محاولات فنية تقنية ادائية اكثر منها ثورة جديدة على أولئك الأسلاف، او هي تطويراً حقيقياً للنهضة الجديدة في الابداع والتغيير بعد التسجيلات الشهيرة عام 1932 في القاهرة.
بصورة عامة، يبدو لنا ان هناك املاً كبيراً في ان يتجه الأداء الاندلسي المغاربي ومؤدوه نحو علمية الأداء وجماليته العاطفية العصرية. وسنبقى ننتظر من المؤدين اللاحقين نتاجات ادائية اندلسية اقوى واكثر اصالة. سواء في الموسيقى المغربية بصورة عامة او في المدارس الاندلسية برمتها. وان النصف الثاني من القرن العشرين لم يخلُ من محاولات ادائية في مثل هذه الإختبارات.
قـيم فنية جماليـة
ان الغناسيقا بأسرها، تستند الى القيم الفنية المتعارف عليها، وهي في العادة قيم فنية وُجِدت كضرورات لحاجة المتلقي والمتذوق لهذه النتاجات، ان عالم المُثل والقيم والأخلاق(هامش4) والتربية والإرشاد. هو في الحقيقة جزء من العالم الحي للنشاط الإنساني الذي يهدف الفنان الى تصويره في فنِّه. وهكذا لجأ المؤدون الاندلسيون المغاربيون الناجحون الى هذا التفاؤل الادائي..!(هامش5) عندما كانوا في كثير من نتاجاتهم المقامية يعالجون قيماً جمالية لعالمِنا المعاصر، وهكذا ايضا نرى ان المغنين الاندلسيين المغاربيين الكبار السابقين امثال الحاج العربي بن صاري وخميس ترنان والفقيه المطيري وغيرهم، قد ابدعوا في التعبير عن حقبتهم الجمالية في زمنهم المعاش في تجاوزهم حقبتهم نحو تأملات المستقبل.
على كل حال، ثمة منطقية في القول، بأن المغني العصري قد إستلهم إسلوبه الأدائي الخاص من هذه القيم، في الوقت الذي نرى ان يومنا هذا قد تضاءل فيه إيمان فناننا بما كان عليه في الماضي. فقد امست الحياة اسرع منه وحصلت فجوة جمالية ما إنفكت تزداد وتتوسع، ليس في مجتمعنا فحسب، بل في كل المجتمعات رغم تفاوتها. وسيبقى الإعتماد على مواكبة هذه الجماليات وروح العصر الذي نعيشه، على الإستثناءات الجمالية والإمكانيات الابداعية الفذة للقلَّة من الأفراد الفنانين الذين يوهبون فطرة التعبير عن حقبتهم، بل عن مستقبلهم. الأمر الذي يساعد على تقريب او ردم هذه الفجوات في الرؤية الجمالية والذوقية. في محاولة جادة لتجديد القيم القديمة بأساليب تؤثر في المتلقي المعاصر كأُمور هي من صلب حاضره المباشر وذات علاقة برغباته المعقدة.
والى حلقة اخرى ان شاء الله.
هوامش
1 - العصر: حقبة من الزمن محددة بتواريخ معينة او صفات خاصة.
2 - الواقع reality: درجة دوام المعاني التي يتم اكتشافها في اية تجربة او التي تتصل باي شيء او شخص او فكرة او قيمة فهو الوجود الفعلي.
3 - المستقبل: الزمن القادم المجهول، والمستقبلية futurism نزعة نحو الجديد والمجهول والمستقبل اساسها الخروج على المألوف والرغبة في المغامرة.
4 - الاخلاق ethics: وهي القواعد والاصول التي يسترشد الناس بها في علاقاتهم المتبادلة، لا بقوة الالزام القانوني وانما بقوة الواجب واحترام الرأي العام واواصر الضمير.
5 - التفاؤل optimism: موقف من مواقف الفرد يتسم بالتنظيم الاجتماعيا والحياة بصورة عامة في اهمية النواحي الجيدة ويتسم بالامل. وفي المفهوم العام هو عكس التشاؤم .

صورة واحدة/ حسين الاعظمي يغني في فيينا العاصمة النمساوية في نيسان 1980. ترافقه فرقة الجالغي البغدادي المكونة من عازف السنطور غازي العزاوي وعازف الجوزة حسن النقيب وضارب الرق جبار سلمان وضارب الطبلة سامي عبد الاحد.