مارتن كورش تمرس
بَيْنَ جَارَيْنِ- قصة قصيرة
مارتن كورش تمرس
محامي وقاص
أسخريوط، من سَاكِنِي حَيّ كمب الكيلاني في العاصمة بغداد، يقع بيته بين جارين مختلفين أحدهما عن الآخر قلبًا وقالبًا! أحدهما عن يمين باب داره والآخر عن يساره. الأول مواظب على الحضور إلى الكنيسة. أما الثاني فهو صاحب ملذات يركض خلف الحفلات وحاضر جلسات السكر والاستهزاء، ومن متابعي البرامج التافهة المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي. في صباح يوم مشمس من أيام فصل الربيع بينما أسخريوط جالس على الدكة التي بجانب عتبة باب داره وبين يديه قدح كبير من الشاي المخلوط بالحليب، خرج جاره الأول من داره، نظرَ إليه مبتسمًا، بعد أن ألقى عليه تحية الصباح، سأله:
- يا جاري العزيز. هلا ترافقني إلى الكنيسة لنحضر مراسيم القداس الإلهي؟ حيث يصادف اليوم ذكرى عيد الصعود.
أجابه أسخريوط، على عجل بينما حجته حاضرة في بودقة كذبه كعادته:
- صدقني لديَّ العديد من المشاغل اليوم.
- ما هو رأيكَ لو تؤجلها إلى ما بعد رجوعنا بعون الرَّبِّ من الكنيسة حتى أتفرغَ لمساعدتكَ؟
- لا أقدر لأن بعضها لا يتحمل التأخير.
لم يقو الجار المؤمن مثل كل مرة على إقناعه! غادره إلى الكنيسة وهو غير مقتنع بحججه التي تتولد لديه خلف ستائر الكذب فتُفقده العديد من البركات التي كان سينالها لو رافقه. لم تمض عدة دقائق حتى خرج جاره الثاني ليجده جالسًا كما كان، سلم عليه وقدم له دعوة تختلف عن التي قدمها الذي سبقه. دعونا نصغي إليهما:
- صباح الخير يا جاري العزيز.
- صباح النور.
- سمعتُ قبل قليل حديثَ جارنا بلاطس معكَ، وهو يدعوكَ للحضور إلى الكنيسة. لماذا لم ترافقه إليها؟
- صدقني لديَّ التزامات عديدة عليَّ إنجازها.
- قرأت في موقع على الإنترنت بأن المطرب...... سيقيم حفلًا فنيًّا ظهر اليوم في ملعب المدينة والدعوة عامة للجميع.
أخذ ينظر يمينًا وشمالًا كأن عينه قد وقعت على خزنة مرمية على قارعة الطريق يريد أن يحملها بسرعة البرق! وهو الذي رفضَ قبل قليل دعوة الحضور إلى الكنيسة! فسأله ولعاب فضوله يسيل:
- هل ستذهب؟
- نعم. لكن الذي فهمته من حواركَ ما جارنا بلاطس، بأن لكَ العديد من الأشغال التي لا تتطلب التأجيل.
- لا لا... لستُ كذلك. ثم يا جاري الشغل لن يخلص. دعنا نريح أنفسنا لعدة ساعات.
- إذًا ستأتي.
- نعم.
- يا جاري، لا أريد أن أكونَ سبب معثرة أمام سير أشغالكَ، خشية أن تحملني تبعة إهمالكَ لها!
- لا لا. يا أخي مَنْ قالَ لكَ، عندي أعمال اليوم؟!
- أنتَ بنفسكَ.
- انْسَ يا أخي لا تذكرني بها!
- هه هه هه... كما تريد يا جاري.
- إذًا أمهلني دقيقتين كي أُغير ثيابي ونذهب.
- لا تستعجل بإمكاننا أن نبرح المكان بعد ساعة من الآن.
- دعنا نذهب الآن لنجد مقعدين في الصف الأمام.
ترى العديد منا يردد قائلًا: "لا أقدر أن أذهبَ إلى الكنيسة لأني سأقضي اليوم مع أصدقائي... لا أقدر أن أقرأ الكتاب المقدس لأن ليس لدي وقت... لا أقدر أن أصوم لأن... لا أقدر أن أتركَ هذه العادة السيئة لأني متعود على ممارستها منذ سنوات...
ليس لمن مثل هذا الجار الذي يمارس الكذب؛ الذي رفض دعوة قدمت له من رأس الكنيسة، يسوع المسيح "تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ."(متى 11: 28)، من خلال جاره المؤمن؛ إلا أن يتخذ قرارًا بالتوبة كي ينالَ التجديد بقوة الرَّبِّ مع الإبقاء على قوله "لا أقدر"! لكن بمعنى آخر: "لا أقدر أن أتركَ زيارتي للكنيسة. لا أقدر أن لا أصلي وأطلب من الرَّبِّ. لا أقدر أن أعيش إلا في زمن النعمة. لا أقدر أن أركض خلف ملذات الدنيا. لا أقدر أن أسير لوحدي دون أن أضع يدي في يدِ الرَّبِّ المثقوبة..." شتان ما بين "لا أقدر" القديمـــــة و"لا أقدر" الجديدة لأنه "إِذًا إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ: الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ، هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيدًا." ( 2 كورنثوس5: 17).
المحامي والقاص
مارتن كورش تمرس لولو