مارتن كورش تمرس
«صَدِيقَتِي!»- قصة قصيرة
مارتن كورش تمرس لولو
محامي وقاص
أكملتْ التلميذةُ (خليتة خوشابا لولو) مرحلة الدراسةِ الإعداديةِ وأصبحتْ في العام الأول من الدراسة الجَّامِعِيَّةِ، وعلى الرغم مما كانتْ تمتلكه من جمالٍ يجذبُ الأنظارَ، ظلت تتحاشى اللقاء على انفراد بزميل من بين زملائها؛ خشية على نفسها من الدخول في علاقة جديدةٍ تمتُّ إلى القلب بصلةٍ دون أن تَسْبرَ أَغْوَارها.
تيقنتْ عن كثب بعد عدة أسابيع من وجودها في الجامعة أن أحد الطلاب يُلاحقها بنظراته؛ عارضًا عليها صداقته، كانتْ تَتَحاشاه على الرغم من أنها كانْت ترى في نظراته مودةً صادقةً. فضَّلَتْ أن تحتفظَ أمامه بالحاجبِ الذي وضعته على بابِ قلبها، وفي ذات الوقت خشيتْ أن تفقده! لذلك حاولتْ مرارًا أن تفصحَ عما يجولُ في داخلها لأُمّها؛ لكنها كانتْ تتراجع خَجْلى. لم ييأسْ زميلها، واستطاعَ الحصول على رقم هاتفها الخلوي ليرنَّ. عرفتْ المتكلم، ودون أن تسأله عن كيفية حصوله على رقمها، أجابته بطريقة مهذبة:
- نحن مجرد زملاء وليس من الصوابِ أن تتجرأ وتتصل على هاتفي الخاص.
سمعتها أُمّها، عندئذٍ نادتْ عليها وقالتْ:
- عليكِ أن تهتمي بدروسكِ.
قالتْ في نفسها ((لماذا لا تريد أُمّي أن أفتحَ قلبي لها؟ أنا طالبة جَامِعِيَّةِ، أبحثُ عن مستقبل باهر، ما هو الضرر لو بحثتُ عن صديقٍ ليكون شريك حياتي؟))
تعرَّفتْ كذلك إلى زميلة أقبلتْ من قرية (ديانا)، تحمل في سلوكها المسحة القروية. إنها التلميذة (دنيا) التي أصبحتْ تشعرُ بانسجامٍ كبيرٍ معها حين تلتقيان، حيث يتحاوران في تفاصيل المحاضرات وما يجول بين الزملاء داخل حدود الجامعة، لذلك قررتْ أن تشاركها قلقها.
ما أن فتحتْ الحديث معها حتى بادرتْ هي بفتح قلبها لها لتفصح قائلةً:
- كنتُ في قريتنا من الطالبات المجتهدات، تخرجتُ الأولى على دفعةِ مرحلة الدراسة الإعدادية لأحصل على مقعدٍ في الجامعة، تم قبولي في الكلِّيَّة التي اخترتها لذلك أنا معكِ الآن. فيما كنتُ أُحَضِّرُ حقيبةَ سفري، أقبلتْ عمتي تزورنا وسمعتها تقولُ لوالدي: ((عليكَ تزويجها أو حجزها بحلقة خطوبة لشَّابٍّ من أقربائنا)).
- ماذا كان ردّ فعل والدكِ؟
- لم يفعل كما أملتْ عليه شقيقته.
- هل تخشينَ أن يأخذَ والدكِ بنصيحتها؟
- أعلم علم اليقين أنه يحترم إرادتي في إكمال دراستي والحصول على الشهادة العليا التي جئت من أجلها... أعذريني لم أترك لكِ مجالًا كي تقولي شيئًا.
- يبدو أن كل واحدة منا لديها ما تريد قوله لزميلتها.
- هيَّا أسردي.
- لا بدَّ إنَّكِ التقيتِ بـ(دانيال)؟
- نعم أعرفه... ماذا فعلَ لكِ؟
- مُنْذُ أول يوم دخلتُ فيه محراب الجامعة وهو يلاحقني بنظراته.
- هل رماكِ بكلام غير لائقٍ؟
- كلا. لكني لا أجدُ عونًا في أهلي.
- لا أفهمكِ!
- أخشى من قصة لا أعرف كنهها! بل عالم لا أعرفه؛ لذلك ترينني أخشاه لأنني لم أدخله، فأردتُ من والدتي أن تكون لي عونًا.
- حسب علمي أن والدتكِ معلمة، ومن حقها أن تخشى عليكِ من التلميذ دانيال أو غيره.
- لكنها جدية أكثر من اللازم، نراها تتعامل معنا في البيت كأنها معلمة ونحن تلاميذها.
- أكيد هي أدرى بمصلحتكِ، ثم إننا لا زلنا في المرحلة الأولى من الجامعة.
- أشعر كأن والدتي تتخلى عني، بِرَأْيِي على أولياء أمورنا أن يقفوا إلى جانبنا في كل المواضيع الجديدة علينا، أ ليسوا هم خائفين علينا؟
- لا تستعجلي الحكم، أنا متأكدة أن والدتكِ تتصرف بحكمة.
- قبلَ أن تجيبها، نظرتْ إلى ساعتها اليدوية وأردفتْ:
- حانَ وقتُ المحاضرة.
كانتْ عمة ديانا لا تفارق منزل شقيقها، تراها كل يومٍ حين تزوره، تأتيه باسم شَابٍّ رشحته لطلب يد ابنته، بينما هو ساكتٌ لا يتكلم. أما زوجته فقد فضَّلتْ أن تشاركه سكوته لذلك فشلتْ مساعي العمة في تغيير مسار حياة الطالبة الجَامِعِيَّةِ.
انقضى العام الأول ليتحقق النجاح لكلتا الطالبتين، اقترحتْ دنيا على خليتة مرافقتها في زيارة إلى قريتها؛ ففرحتْ بالدعوة، وحصلتْ على موافقة أُمّها لتقولَ لها:
- سلمي على جدتكِ (دَلاَلِي) وعماتكِ!
اندهشتْ وهي تسمع بأن لها أقرباء في نفس القرية، قالتْ لها:
- يا أُمّي، هل نحن أصلًا من قرية ديانا؟
- مسقط رأس والدكِ فيها.
- وهل زرتِ القرية يا ماما؟
- كنا في زيارة اصطيافية للقرية، نحن أعضاءَ النادي الثقافي الأَشُّوري، وفيها التقيتُ بوالدكِ، وها نحن متزوجان.
- هذا يعني أنكما عشتما قصة حُبٍّ صادقة!
- أتمناها لكِ يا فِلْذة كبدي.
حَزمتْ حقيبتها وسافرتْ مع زميلتها، كم كانتْ دهشتها كبيرة وهي تشاهدُ كل تلك المناظر الخلابة وهما على متن مَرْكَبَة على الطريق، حيث يعتدل الطقس في فصل الصيف في معظم قرى ومحافظات شمال الوطن. وصلتْ المَرْكَبَة بركابها إلى القرية، لتجد هيلدا الترحيب بها من كل الناس الذين اجتمعوا في مرآب المَرْكَبَات لاستقبالهما.
نامتْ مع مُضيِّفتها وأهلها منذ الليلة الأولى من وصولهما على سطح الدار، اسْتَيْقَظَتا مُبَكِّرًا في صباح اليوم التالي، بعد أن غسلتْ كل واحدة منهما وجهها بمياه الصنبور، كانتْ والدة دنيا قدْ حَضَّرَتْ مائدة الفطور.
جلستْ خليتة بجانب مُضيِّفتها مع بقية أفراد العائلة حول المائدة وتناولوا الفطور معًا، وفي وقت العصر، بينما هما تتجولان في القرية صادفتا بعض الشُّبَّانِ. عرّفتْ دنيا بينهم وبين زميلتها، وجذبتْ خليتة نظرَ أحدهم وهو طالبٌ في كلِّيَّة الزراعة بجامعة الموصل. عرفتْ أنه يمتلك موهبة نظم القصائد الشعرية باللغة الأُم (الأَشُّوريَّة)، أسس قبل سنتين مع مجموعة من الفتيان والفتيات موقع (قريتي ديانا كوم)، على شبكة الإنترنت، وأصدروا (مجلة ديانا) الفصلية. وتراهم يلتقون في كنيسة مار كوركيس في (لجنة الشبيبة)، كانت فرحتهم كبيرة وهم يلتقون بفتاة جَامِعِيَّةٍ، أصولها من قريتهم.
اقترحوا ممارسة رياضة المشي بين سفوح وقمم الجبال المحيطة بالقرية، خرجوا في اليوم التالي مع بزوغ الفجر، يسيرون بينما راعي الكنيسة (رابي قاشا يَترون يونان داود) في مقدمتهم وقد لبسوا كسوة وأحذية رياضية خاصة بالسير على الطرق الضيقة والوعرة، وبينما هم سائرون سألتْ خليتة ذلك الشَّابّ:
- لماذا فضلتَ كلِّيَّة الزراعة على غيرها، بينما أشعر بأَنَّكَ شاعر؟
- الزراعة مهنة موروثة في عائلتنا، أما كتابة الشعر فهي موهبة عرفتها من كل هذه المناظر الخلابة المحيطة بقريتنا. ومن قراءتي لسِفْر المزامير ونَشِيدُ الأَنْشَادِ في الكتاب المقدس؛ ما صنع تقاربًا نتج عنهما تحرك مشاعري وأحاسيسي بشكل رومانسي، فصرتُ أكتبُ.
- قرأتُ البارحة بعض قصائدكَ المنشورة في موقع ديانا قريتي كوم، فعرفتُ من خلالها أَنَّكَ شاعر تكتبُ بقلم أحاسيسكَ وتعزفُ معزوفة الحُبِّ بأوتار قلبِ فلاحٍ قروي لم يمسه هواء فاسد.
تمتعتْ خليتة كثيرًا بزيارتها لقرية أجدادها، عرفتْ فيها أنها تمتُّ إليها بصلةٍ ذات جذور عميقة، وعادتْ إلى أهلها في العاصمة بغداد بعد انتهاء زيارتها. لم ترجع خاوية القلب، بل ظلتْ صورة ذلك الشَّابّ في مخيلتها.
حال دخولها المنزل ورؤيتها أُمّها، قفزتْ وألقتْ بنفسها إلى أحضانها، وقالتْ لها:
- إنَّكِ رائعة يا أُمّي.
اندهشتْ أُمّها! فقالتْ لها:
- يبدو أن زيارتكِ كانت جميلة. بل جميلة لأن اسمكِ خليتة يعني (جميلة).
- نعم أنا جميلة لذلك سميتوني (خليتة)
دخلا في ضحكة فيها احتضنتْ الأم ابنتها. إذا بالابنة تقول معاتبة والدتها عتاب بنت تحب والديها من كل قلبها:
- لكني أعتبُ عليكِ يا ماما وعلى بابا!
- لماذا يا ابنتي؟
- أولًا لِمَ كل هذا التباعد بيننا وبين أقربائنا؟ ثانيًا لماذا لم أزرْ القرية سابقًا كَيْ أتعرفَ إلى كل أفراد عشيرتنا؟ حزنتُ عندما علمتُ بنبأ وفاة عَمّ والدي المحامي (يوشيا) وقبله زوجته (أميليا)، لكن زال حزني عندما علمتُ من رابي قاشا أن الميتَ في المسيحية ينام على رجاء القيامة. كذلك عرفتُ أن عمة والدي الكبرى (وردية)، تعيشُ مع زوجها (سامو) وأولادها في مدينة (أربئيلو) بناحية (عنكاوا)، وابنها البِكر (سرجون) متزوج ويقيمُ مع زوجته وأولاده بالقربِ من والديه. أما ابنها الآخر (أَشُّور) وشقيقته (شميران) فهما يقيمان في مملكة (السويد). كذلك زرتُ بيت (أمبوليا) عمة والدي الوسطى التي استضافتني في بيتها عدة مرَّاتٍ؛ حيث تعرفتُ إلى ابنتها (داليا) وابنها الوحيد (كوركيس). وعلمتُ أن ابنتيها البِكر توأمان متزوجتان، إحداهما تقيم في (المملكة المتحدة) والأخرى تقيم في مملكة السويد مع شقيقتهما الأصغر وهي الأخرى متزوجة. كذلك علمتُ أن (فكتوريا) عمة والدي الصغرى قد هاجرتْ قبل سنين إلى (الولايات المتحدة الأميركية)... يا ماما أنا أحبُّ قريتي.
- عين الصواب يا ابنتي.
- لقد جلبتُ معي دعوة حضور حَفْل زِفَافِ ابن عمي الوسيم سيمون وديانا في أعياد الميلاد القادمة.
- نعم يا بُنَيتي لقد تلقينا الدعوة البارحة من عمكِ المحامي (مارتن)، على بركة الله سنلبي الدعوة. العروس هي الابنة الوحيدة مع شقيقيها لوالديهم (وليم) و (ماجدة).
- هل أصيبت زوجة عمي المحامي بورم حميد في رأسها؟
- نعم... وهي تنالُ العلاجَ على نفقة الصليب الأحمر الإيطالي في إِحْدَى مستشفيات الجمهوريّة الإيطاليّة.
- لكن يا ماما لم أعرف سبب عدم عودة عمي المحامي مع زوجته (جيني) وابنتهما (ساندرا) إلى الوطن، حيث يعيشُ ولداهما سرجون وسيمون في ناحية عنكاوا.
- من أجل تكملة علاجها انتقلوا من الجمهوريّة الإيطاليّة إلى مملكة السويد.
- أكيد يا ماما سنحضر حَفْل الزِّفَافِ، سنلتقي بعمي المحامي وزوجته وابنتهما ساندرا.
- نعم. سنحضر كلنا بعون الرَّبِّ.
- سألتقي بعون الرَّبِّ بالعريسين وسأقول للعريس، أنا مُعجبة بكَ يا ابن عمي!
- ما هو سبب الإعجاب يا ابنتي الجميلة؟
- لأَنَّهُ فضل حُبَّ حبيبته ديانا على السفر إلى الخارج واللحاق بأهله.
- إذًا كوني أنتِ الأخرى مُحبة حتى يكون اختياركِ في محله.
- هل ستقفينَ صديقةً لي؟
- لن أترككِ يا فِلْذة كبدي.
- يا أُمّي، يدعي البعض أن القرى تتخلف في مستواها الثقافي عن المدن، لكنني اكتشفت عدم صحة هذا الادعاء خلال زيارتي هذه!
- كيفَ؟
- ترينَ الفِتْيَانُ والفَتَيَاتُ في قريتنا على علاقة طيبة وهم يخرجون ويسيرون في الأماسي معًا، تجدين في علاقاتهم البراءة كأنهم أبناء جدٍ واحدٍ، بل لم أسمع أي كلام سيءٍ من أي شَابّ تجاه أية فتاة؛ كالتحرش ذي يحدث هنا في بغداد.
- إنَّه نمط من سلوكٍ سيءٍ يتعلمه الأبناء في المجتمع.
- مع الأسف!
- إنها عادات سيئة تُمارسُ من قبل بعض الشَّبَاب.
- أحببتُ نمط حياة أقراني في القرية... هل عِشتها يا ماما؟
- قبل أن تولدي بعام!
بَدَأَ دوام الطلاب والطالبات في الجامعة في السنة التالية، وكلهم نشاط وحيوية، التقتْ خليتة بزميلتها دنيا التي جلبتْ لها من القرية اللبن، الجبن، الهلوور والدهن الحر. فرحتْ أُمُّ خليتة بالهدايا التي جلبتها دنيا معها لهم، باتت ليلتها عندهم. في صباح اليوم التالي اقترحت عليها أن تتركَ المبيت في القسم الداخلي وتُشاركَ ابنتها غرفتها، فوافقتْ على الفور دون ترددٍ.
هذا هو كرم أهلنا حيث تراهم يتعاملون بمحبة ويقفون لبعضهم البعض بكل كرمٍ وإخلاص، كيفَ لا وهم أبناء الكنيسة. لا زالت (فرجينيا إيشا داود) تتذكرُ كرم صديقتها (مارلين) وزوجها (بلاطس) اللذين تكرما وآواها في منزلهما بمحافظة (أربئيلو) لمدة سنتين؛ في نهايتهما أكملتْ دراستها في معهد المعلمين العالي. وكذلك لا زالت (فائزة) و(إلهام) اللتان قَدِمتا يومها من مدينة (كويسنجق) كي تلتحقا بنفس المعهد، فكانتْ لهما زميلتهما (جاكلين)، خير مستقبل لهما، حيث آوتهما في منزلِ أهلها كأختين لها.
قالتْ دنيا لخليتة ، بينما هما جالستان في الغرفة:
- اتَّصَلَ الشاعر (شِينَا)، البارحة وطلبَ مني أن أنقلَ لكِ رسالةً خاصةً!
- ما مفادها؟
- إنه مُعجبٌ بكِ، ويريدُ أن يكلمكِ. هل أعطيه رقم هاتفكِ الخلوي؟
- نعم، بكل سرور.
أقبلتْ أعياد الميلاد فيها كان عَقْد قِرَانِ عهد (برَّاخ) العريس سيمون على العروس ديانا في كنيسة مار يوحنا المعمدان في ناحية عنكاوا، ثم حَفْل الزِّفَافِ. شعرتْ خليتة بسعادة كبيرة وهي مع والديها؛ وسط أقاربهم وأبناء عشيرتهم.
مضتْ سنواتُ الدراسة في الكلِّيَّة بسرعةٍ ليقف في نهايتها العروسان شِينَا وخليتة في كنيسة مار كوركيس في قرية ديانا وعلى رأسيهما أكليل عَقْدِ القِرَانِ عهد (برَّاخ) ومعهما القريبان سيمون وديانا.
المحامي والقاص
مارتن كورش تمرس لولو
هذه القصة القصيرة مقتطفة من مجموعتي القصصية "أقرأ لك قصة".