رانية مرجية
قصص
رانية مرجية
١) على حافّة الصمت
لم تكن أمّ لؤي تتقصّد أن يسبق القلمُ العبريُّ قلمَه العربي. كل ما في الأمر أنّ المدرسة طلبت توقيعًا بالعبرية على ورقة الانضباط الجديدة. كتبت بخجل: “חתימה”, ورأت ابنها يحدّق في الكلمة كما لو كانت نافذةً تُطلّ على مكان لا تعرفه. في المساء، عاد لؤي بعيون لامعة:
— ماما، المعلّمة قالت إنّ خطّي بالعبرية ممتاز.
ابتسمت وهي تشيح بعينيها عن دفتر العربية الممدّد على الطاولة، حيث تنتظر الألفُ عصًا صغيرة لتستقيم، وينتظر الباءُ بطنه ليكبر.
في الرملة، الكلمات كالأبواب. بعضُها يُفتح بالمفتاح المناسب، وبعضها تُدفع بالجسد. وفي البيت، الباب الوحيد الذي كان لا يُغلق هو باب المطبخ. تجتمع الأسرة مساءً حول طبق العدس، يُشغّلون الأخبار بصوت منخفض، ويتظاهرون أنّهم لا يسمعون الطبول البعيدة، ولا يشمّون الفلفل الذي يُرشّ على المظاهرات.
قال الأب وهو يقلب الخبز فوق النار:
— بكرة في تفتيش بالحي. ما حدا يحكي غير المطلوب.
هزّت أم لؤي رأسها. التفتت إلى ابنها:
— لا تردّ على حدا غريب. وإذا سألوا، قل: “ما بعرف”.
ضحك لؤي:
— “لا أدري” بالعربية، أم “אני לא יודע”؟
لم تُجِب. اكتفت أن وضعت له قطعة الخبز الساخنة بين كفّيه، لعل الدفء يثنيه عن الأسئلة.
في الليلة ذاتها، بينما كان الأب يغطّ في نومٍ مضطرب، فتح لؤي الحاسوب. أخرج من الحقيبة ورقةً زرقاء. ليس فيها شعار المدرسة. كانت أسئلة بالعبرية: أسماء، تواريخ، عناوين. وفي أسفل الصفحة، سطرٌ يتيم بالعربية: “تعاونك معنا يحمي عائلتك”.
لم يفهم لؤي المعنى كله، لكنه فهم أنّ سرعة يده في العبرية مطلوبة، وأنّ أحدًا ما سيكافئه على الكتابة الجميلة. كتب عنوان البيت بدقة، واسم الأب، واسم عمّه الذي يزورهم أحيانًا آخر الليل، ورقم السيارة التي تقف عند مفرق “المقبرة الإسلامية”. وحين وصل إلى السؤال الأخير: “هل يحتفظ والدك بشيء غير قانوني في البيت؟” توقّف.
تذكّر صندوقًا خشبيًا أسفل السرير. فتحه مرةً خلسة، فوجد داخله دفترًا قديمًا، أوراقًا صفراء، وصوت أبيه يهمس: “هذه رسائل جدّك. لا تلمسها.”
كتب لؤي: “أوراق قديمة.” ثم أضاف بين قوسين: “رسائل”.
صباحًا، استفاقت أم لؤي على صفير حادّ عند الباب. فتحت، فدخل ثلاثة رجال بقبّعاتٍ ونظرات مدرّبة.
— تفتيش روتيني. دقائق وتخلص— قال أحدهم بالعربية المكسّرة.
وقف لؤي بزاوية الممرّ، يراقب الأحذية الثقيلة وهي تغيّر شكل البيت. اقترب رجلٌ طويل إلى الغرفة، انحنى أسفل السرير، وسحب الصندوق الخشبي. فتحه، قلّب الأوراق، ابتسم.
— ها هي.
صرخت أم لؤي:
— رسائل جده! شو ناوي تعمل؟
ردّ الرجل ببرود:
— في أشياء ممنوعة حتى لو كانت كلمات.
وقف الأب عند العتبة، لم يقل شيئًا. أمّا لؤي، فشعر بيدٍ باردةٍ تُمسك بكتفه. التفت، كان الرجل الطويل يهمس له بالعبرية:
— شكراً على تعاونك. خطّك جميل.
هزّ لؤي رأسه مرتبكًا، وكأن الكلمة شكراً خنجرتان: واحدة تلمع والأخرى تُخفي أثر الدم.
بعد خروجهم، سقط الصندوق على الأرض، تناثر منه ورق قديم يحمل حبرًا أجمل من كل خطوط لؤي الحديثة. رفعت أمّ لؤي ورقةً وقرأت بصوت مرتجف:
— “يا ابني، إذا مرّت الأيام ولم تجد لنا قبرًا، فاعلم أننا صرنا سحابة.”
قال الأب كمن يختنق:
— كان جدّك يكتب رسائل لمن خرجوا ولم يعودوا.
جلس لؤي قرب الباب، يدوّر في أصابعه قلمًا أزرق. نظر إلى أمّه:
— يعني… أنا غلط؟
أجابت وهي تلمّ الأوراق الناجية:
— أنت لم تخطئ في الكتابة يا ابني… أخطأت في العنوان.
في المساء، عاد رجل البريد. سأل عن لؤي بالاسم. ناوله ظرفًا بلا طابع. فتحه الصغير وقرأ:
— “نشكرك على مشاركتك. لقد حافظتَ على أمان عائلتك.”
ضحكت أمّه ضحكة قصيرة لا تشبه الضحك. أخذت الظرف، مزّقته نصفين، ثم أعادت لصقه بشريطٍ لاصق وسائدته على الرفّ.
— خلّيه يتذكّر.
نام البيت تلك الليلة بلا صندوق خشبي، بلا رسائل جدّ، وبلا أخبار. نام، إلّا لؤي. ظلّ يحدّق في السقف، يسمع كلمة “شكراً” تدور مثل مروحة بلا هواء. وفي الصباح، كتب على الدفتر العربي جملة واحدة بخطٍ مرتجف: “أنا لا أدري لمن أكتب.”
وحين دخل الصف، سألته المعلّمة عن واجب العربية. رفع الورقة نحول الضوء، فظهرت الجملة كأنها وصيّة طفلٍ لنفسه. اقتربت المعلّمة، قرأت، تنفّست بعمق، ثم قالت بهدوء:
— اليوم سنكتب جميعًا قصة عن “العنوان”.
في الحصة الأخيرة، جمعوا الأوراق. وحده لؤي لم يسلّم شيئًا. كان قد أخفى جملته في جيبه، وكتب بدلًا منها في ورقة الامتحان: “لا عنوان.”
بعد أسبوع، حين دخل التفتيش الحي من جديد، كان لؤي على الباب ينتظرهم. سأل الرجل الطويل:
— بتتذكّر خطّي الجميل؟
ابتسم الرجل.
— طبعًا.
ناول لؤي ورقة مطويّة بعناية. فتحها الرجل. صفحة بيضاء تمامًا، لا نقطة فيها.
— ما هذا؟
قال لؤي:
— هذه أجمل كتابة عندي: ما عاد عندي عنوان أكتبه لكم.
لم يعلّق الرجل. ابتسم ابتسامةً باهتة، ثم مدّ يده ولصق على صدر لؤي ملصقًا صغيرًا بالعبرية: “ילד טוב” — “طفلٌ جيد”.
نظر لؤي إلى الملصق، ثم نزعه ببطء وألصقه على باب البيت، تحت الرقم مباشرة. أعلن بصوت مسموع:
— هذا عنواننا الوحيد: طفل جيّد بلا عنوان.
ولأول مرة، ضحك الأب. ضحك كما يضحك من يبكي.
٢) المقبرة المفتوحة
المقابر في الرملة لا تنام. المقابر تتثاءب كقطعة سماء منخفضة. كانت سلمى تعرف كلّ طريقٍ إليها: الطريق السريع، الحارة الضيّقة، ظلّ المسجد. وفي ظهر أحد الأيام، ذهبت لتقرأ الفاتحة لأبيها. وضعت كفها على حجرٍ بارد كجبهة مريض. الوردُ البلاستيكيّ يلمع أكثر من اللازم.
قالت للريح:
— لم أعدُ طفلة يا أبي. صرتُ امرأةً لا تحبّ المرايا.
سمعت وقع خطواتٍ لا تنتمي للمكان. رفعت رأسها. شاب بزيٍّ عسكري، يحمل قُبّعة في يده كأنّه يطلب إذن الدخول. وقف يحدّق في الشواهد. تقدّم خطوةً، انحنى على القبر ذاته، وأغمض عينيه. تمتم بالعبرية كلمات قصيرة، ثم رسم بيده علامةً لا تفهمها.
صرخت سلمى:
— هذا قبر أبي!
فتح الشابّ عينيه. كانت عيناه رماديّتين كصبحٍ بلا شمس.
— وأنا أيضًا هنا لأبي— قال بهدوء.
— أبوك؟!
— كان اسمه يعقوب. سقط قبل ولادتي. قالوا إنّ قبره في هذا المكان.
ضحكت بسخريةٍ بلا ضحك:
— في مقبرتنا؟
أشار الشاب إلى لوحةٍ صغيرة عند مدخل الباحة: “من أجل الحاجات العامّة، تمّ استخدام المساحة المشتركة بشكل مؤقّت”.
لم تنتبه سلمى للّوحة من قبل. حين اقتربت، رأت على شواهدٍ كثيرة أرقامًا فقط. أرقامًا بلا أسماء.
ذهبت إلى الشيخ الحارس. سألته:
— متى صارت مقابرنا مشتركة؟
حكّ لحيته:
— منذ صار الحيُّ مختلطًا في الخرائط.
— وأبونا؟ أين هو؟
هز كتفيه:
— من يدخل الأرض يصير من أهلها.
عادت سلمى إلى القبر. الشابّ ما يزال هناك. قال:
— هل تقبلين أن أقرأ لأبي؟
لم تُجِب. جلست قبالته. قرأت الفاتحة بصوتٍ مسموع جدًا. كان يهمس كلماتٍ لا تفهمها، لكنها سمعت في همسه أمًّا تبكي، وطفلًا يتعلّم كلمة “غياب”.
بعد قليل، مرّت امرأة عجوز تجرّ عربة صغيرة. توقّفت:
— لمن هذا القبر؟
قالت سلمى بحدّة:
— لأبينا.
قال الشاب:
— لأبينا.
نظرت العجوز إليهما طويلاً ثم قالت:
— إذًا خذوا هذا.
وأخرجت من العربة لافتة خشبية قديمة، مكتوب عليها بالعربية والعبرية: “هنا يرقد من أحبّ أرضًا واحدة، ولم تستطع الأرض أن تختار له مكانًا واحدًا.”
قالت العجوز:
— وجدتها في مخزن البلدية. ليس لها ملفّ.
أخذت سلمى اللافتة. قرأت مرتين. وضعتها فوق الحجر. الشابُّ أمسك بالمسامير وثبّت اللوحة بحذرٍ كمن يثبّت قلبًا.
في المساء، جاء موظّفٌ مبتهج بابتسامة رسمية، وقال إنّ اللوحة غير مُجازة، وإن القبر مسجّل برقْم.
— لا يجوز— قال وهو يكتب مخالفة صغيرة.
مدّت سلمى يدها وأخذت الورقة ومزّقتها نصفين.
— المخالفة الحقيقية أن يكون الميت رقمًا.
أمسك الشابُّ بيد الموظّف وهمس له بالعبرية. لم تفهم سلمى الكلمات، لكنها رأت الرجل يبتعد وهو يلوّح بيده علامة استسلام صغيرة.
في اليوم التالي، حين عادت سلمى، وجدت أن القبر اختفى. الأرض ملساء كما لو أنّ أحدًا مسح مشهد الأمس بإصبعٍ كبير. صرخت تسأل الحارس:
— أين القبر؟
— نُقل إلى القسم الجديد.
— أين اللوحة؟
— اللوحة لا مكان لها في النظام.
انهارت. جلست على التراب. جاء الشابّ يركض بلا قبعة. قال وهو يلهث:
— نقلوه أيضاً هناك.
— من؟
— قبر أبي.
نظرا إلى القسْم الجديد؛ كانت الشواهد بيضاء موحّدة، والأسماء مكتوبة بخطٍّ رسميٍ واحد، بلا تاريخٍ للكلمات. اقتربا من شاهدٍ يحمل رقمًا متسلسلًا.
قالت سلمى:
— لن نعرف أينا أبونا.
سكت الشابّ طويلاً، ثم أخرج من جيبه قلمًا أسود، وكتب على الحافة السفلى للشاهد بخطّ صغير: “أبي، هنا أم هناك… أنا وصلت.”
نظرت إليه سلمى. ثم أخذت نفس القلم وكتبت بالعربية: “يا أبي، لو غيّبوا اسمك، لن يغيّبوا صلاتي.”
تبادلا القلم أكثر من مرة، يكتبان صلواتٍ قصيرة بلغتين، حتى صار الحجر مملوءًا بدعواتٍ تشبه نسيجًا جديدًا.
وفي طريق العودة، مرّت بهما العجوز ذاتها، قالت مبتسمة:
— المقابر لا تحفظ أسماءنا… نحن من نحفظ المقابر.
في تلك الليلة، حلمت سلمى أنّ أباها يضحك من مكانٍ لا عنوان له، بينما يسقط من السماء مطرٌ من أرقامٍ تتلاشى قبل أن تلامس الأرض.
٣) أصوات تحت الجدار
مها لا تحبّ الليل. الليل في القرية يشبه حقيبةً مغلقة: لا تُعرف محتوياتها، وكلّ صوتٍ مفاجئٍ فيها كزجاجٍ يتحرّك في يدِ لص.
في أسبوعين متتاليين، بدأت تسمع همساتٍ خفيّة قرب الجدار الرماديّ الذي يقسم الوادي كجرحٍ جافّ. في البداية ظنّت أنّها أحلام يقظة. ثم صار الهمس أكثر وضوحًا. كلمات مقطّعة، أنفاسٌ محتبسة، وحجارة تتدحرج بحذر.
قالت لزوجها:
— في أرواح تهمس تحت الجدار.
ضحك وهو يضع السماعات في أذنيه:
— ما لكِ يا امرأة؟ اسمعي نشرة الأخبار بدلًا من الأشباح.
لكنّ مها لم تُقنَع. حملت مصباحًا صغيرًا ونزلت إلى طرف الوادي عند الفجر، حيث تكون الأصوات أقلّ خوفًا. وضعت أذنها على الإسمنت البارد. سمعت حشرجة ورقة تُطوى، وصوت رجلٍ يقرأ أسماءً بصوتٍ مبحوح.
في اليوم التالي، كرّرت الفعل. هذه المرّة سمعت ضحكةً قصيرة لولد، ثم همس رجل: “اسكت يا جدع.”
عادت إلى البيت وفي يدها فكرة. أعدّت وجبةً بسيطة: خبزًا، زيتًا، وزيتونًا، ووضعتها في سلةٍ بلا غطاء، ثم تركتها عند قاعدة الجدار ومضت.
في الصباح، وجدت السلة فارغة، وبداخلها ورقة صغيرة مطويّة: “شكراً. نحن ننام هنا.”
ارتجفت. كتبت جوابًا على الورقة نفسها: “من أنتم؟” وتركت السلة من جديد.
عاد الجواب مع الليل: “نحن عُمّال. ننتظر الفجر لنعبر. لا بيت لنا في الليل.”
ومنذ تلك الليلة، صارت مها تُحضر خبزًا وحليبًا وخرقةً صغيرة تغلّف بها القوارير كي لا تصدر صوتًا. وكانت كلّما وضعت السلة تسمع من تحتها تسلّل أصابعَ حذرة، ثم همسًا: “ربنا يخليكي.”
مرّت أسبوعان، لم تخبر زوجها بعد. صارت تشعر أنّها تشارك في مؤامرة بيضاء. مؤامرة تُطعم الليل بدل أن تُطعمه الخوف.
إلى أن جاء ذلك الصباح حين وجدت في السلة شيئًا مختلفًا: هاتفًا صغيرًا قديمًا، وعلى شاشته رسالة واحدة: “إذا صارت مشكلة، اتصلي.”
تردّدت. هل تأخذ الهاتف؟ أخذته وأخفته في درج المطبخ تحت مفارش الطاولة.
ليلة الجمعة، تغيّر الصوت. لم يعد همسًا. صار ارتجاجًا في الأرض. جاءت عربات ثقيلة، ورجالٌ بقبّعاتٍ صلبة. سمعَت مها طرقًا على الإسمنت من الجهة الأخرى، ثم صوت منشارٍ يقطع صمتًا لا يُرى.
في منتصف الليل، دقّ أحدٌ بابهم بعنف. قفز الزوج من النوم. فتح الباب. كان هناك رجلان بلباسٍ رسمي:
— سيدة مها، هناك نشاطٌ غير قانوني عند الجدار. شوفتِ حاجة؟
أجاب الزوج دون أن ينظر إليها:
— لا، نحن ننام مبكّرًا.
هزّ أحدهما رأسه، وقال للآخر بالعبرية شيئًا قصيرًا. غادرا بخطى ثقيلة تركت في الباحة خوفًا من الطين.
جلست مها على طرف السرير. أخرجت الهاتف الصغير، تذكّرت الرسالة: “إذا صارت مشكلة، اتصلي.” ضغطت زرّ الاتصال.
— ألو؟
— أنا. المرأة اللي بتحط السلة. في تفتيش الليلة.
— فهمنا. شكراً يا أخت. لا تحطي شي بكرة.
سحبت يدها. تنفّست. التفت زوجها إليها فجأة:
— أي هاتف؟
— لا شي.
— سمعتك.
— هم… عمال. بيناموا تحت الجدار.
ضحك ضحكة قصيرة بلا فرح:
— وعندك رقمهم كمان.
— عندي رقم الليل، إذا بدّك الحقيقة.
في الصباح، كانت الباحة مليئةً بالأسلاك والأشرطة الصفراء. جاء نفس الرجلين ومعهما مهندسٌ يشير إلى شقوقٍ صغيرة في قاعدة الجدار.
— في ناس بيلعبوا تحت، لازم نردم.
نظرت مها إلى الأرض. كانت الشقوق حوافًّا لسريرٍ حجريّ، لا لممرّ. حوافٌّ صنعها نومٌ ثقيل لرجالٍ منهكين.
اقترب المهندس من السلة الخالية. التفت إليها وسأل:
— لمن هذه؟
— للقطط— قالت مها.
— لا قطط هنا.
— لا قطط هنا اليوم.
في الليل، لم تأت الأصوات. شعرت مها أنّ سكونًا غريبًا يزحف على الوادي. قرّرت أن تضع السلة رغم التحذير. وضعت فيها ورقة: “أين أنتم؟”
استيقظت قبل الفجر وركضت نحو الجدار. السلة في مكانها، لكن الورقة عادت وعليها كلمة واحدة بخطٍ مستعجل: “بعيدًا.”
في تلك اللحظة، انزلقت قدمُها على حجرٍ صغير. ارتطم جسدها بالإسمنت. شعرت بصفيرٍ داخل رأسها، ثم سمعت، للمرة الأولى، صوتًا واضحًا يأتي من الداخل: بكاء طفل. ركّزت، فإذا بالبكاء ليس لطفلٍ واحد، بل لعدة أطفالٍ يتناوبون على نفس النحيب.
رفعت رأسها بتثاقل. هناك فتحة أصغر من أن يمرّ منها طفل، لكنها تكفي ليمرّ منها الصوت. مدّت يدها وأدخلت أصابعها. وجدت ورقةً مطويّة في الداخل. سحبتها. فتحتها ببطء.
كانت قائمة أسماء: عشرة أسماء لأطفال، بجانب كل اسم رقم هاتف أمّه. وتحت القائمة جملة: “ننام هنا أحيانًا ومعنا الصغار.”
تجمّدت مها. لم تعد تسمع سوى دقات قلبها وهي تضرب الجدار من الداخل.
في المساء، حين عاد الزوج، وجد على الطاولة عشر أصابع خبز، عشر بيضات مسلوقة، وعشر زجاجات حليب صغيرة.
— مين ضيوفك؟
— أسماء… لا أشباح.
— وهل سترسلين لهم عشاءً أيضًا؟
— لن أرسل. سأنتظرهم.
— وماذا لو لم يأتوا؟
جلست مها على الكرسي قرب النافذة، قالت بنبرةٍ لا تشبهها:
— إذًا سآكلُ أنا وأنت، ونحلم بدلهم الليلة.
بعد أيام، جاء خبرٌ صغير في آخر نشرة: تمّ العثور على ممرٍّ غير مكتملٍ تحت الجدار، وعلى بقايا أغطية وأكوابٍ بلاستيكية. لم يُذكر أحد. لم تُذكر أسماء.
حين انطفأ التلفاز، فتحت مها درج المطبخ. أخرجت الهاتف الصغير، وكتبت رسالة إلى الرقم الوحيد فيه: “لا زال عندي السلة.”
جاء الردّ بعد دقائق: “ونحن… لا زال عندنا الليل.”
وضعت مها الهاتف على الطاولة. نظرت إلى السلة. ثم بعينٍ ثابتةٍ قالت لزوجها:
— إذا لم نستطع أن نكسر الجدار، سنربّي تحته خبزًا يكفي للأحلام
٤) الطفل الذي لا يتكلم
كريم في التاسعة. عيناه واسعتان، لكن فمه مغلق كصندوق أسرار. الأطباء سمّوه “توحدًا”. أمه سمّته “صمتًا مؤقتًا”.
في المدرسة، يكتب الدوائر بلا نهاية. كل دائرة تكبر حتى تبتلع الورقة. المعلّمة تقول:
— هذا ليس رسمًا. هذا فراغ.
ذات مساء، أعطته معالجته ورقة بيضاء. مدّ يده المرتجفة، رسم دائرة، ثم توقف. فجأة كتب كلمة واحدة: “سجن”.
شهقت المعلّجة:
— تعرف الحروف!
أخذ القلم من جديد وكتب: “أبي.”
في البيت، واجهت الأم حقيقتها. كريم لم ينطق لأن صمته كان مرآة للسجن. أبوه اعتُقل قبل ولادته، والطفل لم يرَه قط. لكن روحه كانت معلّقة برجل خلف القضبان.
حين عاد الأب بعد عشر سنوات، دخل من الباب بوجهٍ أنهكه الجدار. لم يعرف كيف يحتضن ابنه. لكن كريم ركض نحوه، ولأول مرة صرخ:
— بابا!
الجميع بكى. الأب جثا على ركبتيه، بينما الطفل مزّق كل دوائره، وكتب على الورقة كلمة جديدة: “بيت.”
٥) المرآة المكسورة
ليلى، صحافية تكتب عن قتل النساء باسم الشرف. كل مقال تكتبه كان طلقة في وجه مجتمعها.
لكنها لم تتوقع أن يأتي الخطر من أقرب الناس. في ليلة شتاء، سمعت زجاج المرآة يُكسر في غرفة النوم. التفتت، فوجدت زوجها يحدّق في شظايا المرآة:
— كل ما تكتبينه عنهم… تكتبينه عني، صح؟
تجمدت.
— لا… أكتب عن الظاهرة.
ضحك بمرارة:
— وأنا ظاهرة.
اقترب منها بخطوات بطيئة. أمسكت هي بهاتفها خلسة، فتحت ملفًا في البريد الإلكتروني بعنوان: “زوجي القاتل القادم”، وأرسلته للمحرر.
حين رفع يده ليصفعها، سُمع طرق عنيف على الباب. الشرطة دخلت بدعوى “بلاغ عاجل عن تهديد بالقتل”.
وقف الزوج مذهولًا. التفتت إليه ليلى وقالت:
— هذه المرة… كتبت عنك بالاسم.
٦) امرأة في صندوق البريد
مريم تعيش وحيدة في شقة صغيرة في اللد. كل صباح تفتح صندوق البريد وتجد رسالة حب قصيرة:
“صباحك عطر.”
“أنت لستِ وحدك.”
“أحبك كما أنت.”
انتظرت أن يظهر العاشق المجهول، لكن لا أحد طرق الباب.
في إحدى الليالي، نزلت متأخرة لتتفقد الصندوق، فاكتشفت ورقة بخطٍّ مألوف جدًا. أمسكت بها، قارنتها بدفتر ملاحظاتها… فإذا الخط هو خطها بالضبط.
ارتجفت. كيف يمكن أن تراسل نفسها؟ هل كتبت هذه الرسائل في لحظات لا تذكرها؟
بحثت في درجها فوجد كومة أوراق مماثلة. كلها رسائل بخط يدها لنفسها.
ضحكت وهي تبكي:
— حتى الحب صرتُ أكتبه لنفسي… كي لا أذبل.
٧) الدرس الأخير
المعلمة ندى خدمت ثلاثين عامًا في تعليم اللغة العربية بمدرسة مختلطة. في آخر يوم لها، طلبت من طلابها أن يكتبوا قصيدة وداع.
تفاجأت أن معظم الأوراق كانت بالعبرية.
قرأ أحدهم بصوتٍ مرتفع قصيدة تبدأ بـ“שלום למורה נדה”—“سلام للمعلمة ندى”.
اهتز قلبها. أجهشت بالبكاء أمام الصف. قالت:
— قضيت عمري أحرس العربية… واليوم أودعها على ألسنتكم.
في نهاية الحصة، سلّمت أوراقهم للمدير. في البيت، فتحت حقيبتها فوجدت ورقة وحيدة بالعربية، خطّها مرتبك لكنه صادق:
“شكراً يا معلمتي… لن أترك لغتي تضيع.”
أمسكت الورقة بقوة. قالت لنفسها:
— ربما لم أخسر كل شيء.
٨) أبواب الرملة
الحاج داوود يصرّ على زيارة بيته القديم في الرملة. يقوده حفيده عبر الأزقة الجديدة.
يصل إلى المكان، فيجد بابًا مختلفًا تمامًا. حيث كان بيته، صار هناك مقهى حديث مكتوب على واجهته بالعبرية: “קפה דויד”—“كافيه داود”.
وقف مذهولًا.
— هذا اسمي… لكن ليس بيتي.
خرج من المقهى شاب أنيق. ناداه الحفيد:
— بابا!
ارتجف الحاج.
— يعني أنت صاحب المقهى؟
ابتسم الابن:
— نعم، أبي. هذا رزقي.
جلس الحاج على الرصيف يبكي. قال:
— أخذوا بيتنا… والآن نحن نبيع القهوة فيه باسمنا.
في تلك اللحظة، مرّت سيدة مسنّة من الحي، قالت له:
— لا تبكِ يا عم. الباب ما زال لك… حتى لو غيّروا المفاتيح.
رفع رأسه، نظر إلى اليافطة، وأغمض عينيه كمن يعانق جدارًا وهميًا.
خلاصة القصص
بهذا تكتمل المجموعة: ثماني قصص تمزج بين النفس الإنساني العميق، الوجع الفلسطيني، والنهايات المباغتة التي تترك القارئ أمام سؤال مفتوح عن الهوية، العدالة، والحب.