
الضحية: قصة قصيرة
علي الجاف
ينتظر ليلا قرب الشجرة، وتساوره احاديث الماضي بلغة التجدد والتغيير، ويعانق البرد تحملا من اجلها فيأتيه نداء" يشوبه الخوف والحذر والترقب، فيتراجع ويحدث نفسه بواقعية الموقف واحساس اللحظة: اريد ان اراها، اقبلها، ...؟
تمضى ساعات ولحظات غريبة لم يمارسها من قبل، ويخاطب الشجرة قائلا: هل شاهدتي انوثتها وحركات جسدها؟
تهب الريح الباردة بقوة وسرعة، وتمارس سطوتها على جسده فتحوله الى انسانا ضعيفا يبحث عن دفء فيجد الشجرة مأوى له، ويعود ليحدثها قائلا:
قضيت زمنا طويلا ابحث عن الظل، ومارست انواع مختلفة من التضحية والنضال والوفاء، وقبلت نسيم الصباح وظلام الليل وضوء القمر علهم ايجدوا لي حلا او منفذا كوني اصارع مطر الشتاء وحرارة الصيف، واعلم جيدا ان الاخر يجلس سعيدا في عشه، فيرفع رأسه عاليا ليرى عشا صغيرا يتحرك من شدة الريح، ويسمع حركات الام وهي تحمي صغارها، فيستغرب من المشهد المؤلم، ويستمر بتفكريه مخاطبا الشجرة ...
بعد لحظات، يسأل نفسه بحيرة: اين الاب؟
يأتي جوابا من نافذة احد المنازل، ارجوكم ساعدوني، فتجيبه الشجرة بصوتا ضعيفا: لا تقلق عليهم سيعون الى صوابهم!
يستغرب "فؤاد" من كلام الشجرة، وتعود تكرر عليه كلاما اخرا: انت نسيت حبيبتك، "وئام"، بمجرد نداء عابر لايخصك، ياعزيزي "فؤاد"!
يخجل "فؤاد" من كلام الشجرة، ويستسلم مقررا الرحيل بعيدا عن دار حبيبته "وئام"، وبدأت علامات الحزن تشوب وجهه؛ لكن الشجرة تأثرت بما شاهدته من موقف حزين ومؤلم، فتنادي عليه بصوت عالي: ارجع، ارجع، ستأتي "وئام" بعد نصف ساعة هنا، لتلتقي بزميلها "قمر"، هل تريد ان ترى المشهد بعينك، انتظر قليلا.
حطم كلام الشجرة كبرياء "فؤاد"، وحولته الى تمثال يتوسط الشارع، تذكر تلك اللحظات الجميلة التي قضاها، واللقاءات الوردية التي مارسها، فلم يعد قادرا على التحمل.
عادت الشجرة لتقول له: يوجد مكانا قريبا من هنا، ارجوك اذهب وتناول بعض الماء، واريد منك ان تسقيني ماءا.
انتفض "فؤاد" معلنا الحرب على الشجرة، ومارس ابشع انواع القسوة ضدها، وبدأ يرميها بوابل من الحجر، مما تسبب في سقوط العش والصغار على الارض، وبدأت الام تصرخ وتبكي بجوارهم لموت اثنان منهم ...
نظر "فؤاد" صوب الشجرة مبتسما وراح يغادر المكان معلنا النصر.