
حسن الخفاجي
دولة الرئاسات والرموز
وضع ضابط تجنيد الكرخ الأولى ورقة تبليغ طلب مني توقيعها كي يسلمني دفتر الخدمة مؤشرا فيه تسريحي .احتوت ورقة التبليغ على الآتي:"نحن الموقعون في أدناه تبلغنا بقرار مجلس قيادة الثورة أعلاه ولأجله وقعنا" .القرار احتوى على:"يعاقب بالإعدام , كل من يسيء أو يشتم..أو..الخ , رمز العراق الأول السيد الرئيس القائد المجاهد صدام حسين حفظه الله ورعاه , أو احد أفراد عائلته ...الخ".
لم اعرف ان تلك الورقة الملعونة , التي وقعتها ستكون من بين أسباب أخرى سببا لهروبي من العراق ..
منذ ذلك اليوم للان وأنا اكره كلمة رمز إذا اقترنت بسياسة , ازداد كرهي للرموز, عندما شاهدت الرموز المكتوبة في تعويذات السحرة و"شخابيط , فتاحين الفال" .
اعرف ان قسما كبيرا من العراقيين أصابتهم فترة حكم البعث بالوهن والأتكاليه , وصاروا لا يقدمون على فعل شيء ولا يسيرون قبل ان يضعوا رمزا أمامهم , ان انعدم وجوده أوجدوه .
لقد أصبحنا (أسطوات) في صناعة الرموز , حتى أنني أتخيل ان قسما منا مازالوا يقدمون القرابين لهبل !. لعلها العودة لزمن الجاهلية أو الحنين للدكتاتورية .
طالب برزان ان تصبح دائرة المخابرات رئاسة بدل مديرية , لما صدر قرار بذلك , أمر برزان أتباعه ان ينادوه ب"السيد الرئيس" , بعد حين تناهى إلى أسماع صدام ما فعله برزان , طرد صدام برزان من وظيفته , وأصبحت المخابرات جهاز بدل رئاسة , لعل سر تعلق العراقيين بكلمة رئيس هي , التي دفعت برزان لتلك الخطوة , ولعلها تكون السبب في جعل كلمة رئيس مرادفة لكثير من الوظائف في العراق , ولا تجد لها شبيها في الخارج .
في أنظمة الحكم الفدرالية من يحكمون الولايات والأقاليم يسمون حكام , حاكم ولاية أو حاكم إقليم .كانت البداية عندنا في إقليم كردستان حين أصبح السيد مسعود رئيسا للإقليم .
ماذا لو أصبحت كل محافظات العراق أقاليم كم رئيس سيصبح في العراق ؟ .
كثرة المرادفات بكثرة الرئاسات , من رئاسة الجمهورية مرورا برئاسة البرلمان , ورئاسة الوزراء , ورئاسة مجلس القضاء , ورئاسة هيئة النزاهة , ورئاسة هيئة الاتصالات , ورئاسة هيئة اجتثاث البعث, ورئاسة هيئة نزاعات الملكية , ورئاسات الجامعات , لو أكملنا إحصاء الرئاسات في بلدنا لوجدنا اننا بلد الرئاسات دون منازع !.
لعشق العراقيين لكلمة رئيس , ولرنينها في أذان المتلقي , أصبح كبير الطهاة في أي فندق أو مطعم عراقي , يسمى رئيس الطباخين , وصار المسؤول عن عمل السائقين يسمى رئيس سواق , في العراق رتبة عسكرية في الجيش والشرطة تسمى رئيس عرفاء , وتدرجنا سيوصلنا حتما إلى ان نوجد رئيسا "للدفانه" .لقد استهوت كلمة رئيس حتى المجرمين ورجال العصابات , وأصبح لكل عصابة رئيسا !!!.
حينما أيقن علاوي ان رئاسة الوزراء أصبحت من حصة المالكي بحثوا له عن وظيفة لم يذكرها الدستور , سموها مجلس السياسات , لو توافق الشركاء على هذه الوظيفة , سيصبح علاوي رئيسا للرؤساء , ليضاف إلى قوائم الرئاسات الكثيرة في العراق !.
حينها سيصبح العراق البلد الوحيد في العالم , الذي يدار بكل هذه الرئاسات المتقاطعة .
جميع الوظائف في أنظمة الحكم الديمقراطية هي وظائف خدمة عامة, وهي وظائف تكليف لا تشريف , كل شخصية تشغل أي وظيفة من هذه الوظائف لها احترامها وتقديرها , لكنها ليست محلا للتقديس , أو مكانا للرمزية .من يشغلون هذه الوظائف بشر , معرضون للخطأ , ويمكن محاسبة من يخطئ منهم , هم بالتالي مرتبطون بفترة زمنية محددة يغادرون فيها وظائفهم وتسحب منهم كل الصلاحيات وبعض الامتيازات , وتضاف كلمة سابق قبل ألقابهم ليصبح رئيس.. السابق.
من تجارب أمريكا , التي جلبت الديمقراطية للعراق عرفنا بفضيحة ووترغيت , التي أطاحت الرئيس الأمريكي نكسون وأجبرته على الاستقالة .
رئيس إسرائيل السابق موشيه كتساف , أقيل من الرئاسة ,و يقضي عقوبة السجن سبع سنوات بتهمة التحرش الجنسي .قبل أيام حكمت محكمة أوكرانية على رئيسة الوزراء السابقة يوليا تيموشنكا بالسجن سبع سنوات بتهم تتعلق بالفساد .اليوم وجهت المحكمة العليا الباكستانية إلى رئيس وزراء باكستان الحالي تهمة تحقير القضاء ودعوته للمثول أمامها , وهناك العشرات والمئات من الأمثلة والعبر .
لم يعتبر الأمريكان الرئيس الأمريكي نكسون رمزا , ولم يعتبر الإسرائيليون والأوكرانيون والباكستانيون ساستهم رموزا , لا يمكن التقرب منهم بنقد , أو اتهامهم بتهمة أو ان يكونوا فوق القضاء .
إلا نحن , كل من شغل وظيفة تنفيذية كبيرة في الدولة العراقية يصبح رمزا يمثل مكون لا يمكن التقرب منه .اغرب ما سمعته في هذا المجال تعليق لأحد الساسة قال: لا يمكن محاسبة طارق الهاشمي لأنه رمز وطني يمثل مكون , ولان رمزيته مستمدة من رمزية السيد رئيس الجمهورية !!.
يجب ان لا تنسحب قدسية المنصب على شاغله , إذا ما ارتكب خطا أو جرما بيّن .هكذا تعلمنا من الديمقراطيات , التي سبقتنا في التجربة ,وهكذا يجب ان نكون .
ورقة التبليغ التي وقعتها أمام ضابط التجنيد كلفتني غربة مستمرة للان. .
ترى كم سيكلفني مقالي هذا ؟ في زمن الديمقراطية المليئة بالرموز !.
(من خوف الجميع يولد الطغيان) فيتوريو الفيري
2012-1-17