اقرأ ايضا للكاتب

حسن الخفاجي

فلم مهم يجسد مأساة العراقيين .. متى نفرح؟

"اللهم اجعلها ضحكة خير" ، جملة يقولها اغلب العراقيين بعدما يكملون فاصلا من الضحك.هل سمعتم عن شعب آخر غير شعبنا يخاف من الضحك ؟. بحثت في تواريخ المجتمعات وأمراضها ونقبت في معجم ومصطلحات الأمراض ، لم أجد علة مجتمعية أو عقدة يحذر ويخاف فيها شعب كامل من الفرح والضحك مثل العراقيين ، ربما لان خصام الفرح الدائم معنا منذ الأزل هو الذي أعطى للحزن جواز السفر وإذن الإقامة الدائمة معنا ، للسبب ذاته أصبح غناء السومريين يبكي حتى المجتمعين لإقامة مراسم للفرح في الأعراس والحفلات بدل إسعادهم وإبهاجهم .

رفعنا اكفنا بالدعاء للطغاة ، نفذنا كل طلباتهم لنوصلهم وندلهم على طريق استعبادنا . قمنا بدق أجسادنا أوتادا كعلامات لطرق يسلكوها تؤدي لاستعبادنا. تآمرت الأكثرية الصامتة دائما ، التي ترفع شعارات:" العين ما تقاوم المخيط ، أيد الما تكدر تلاويهه بوسهه ، الياخذ أمي أيصير عمي " تآمر هؤلاء على الأقلية الثائرة ونكلوا بها ، عملوا من حفلات التنكيل دروسا مجانية ليمنعوا المترددين من خوض تجربة معارضة الحاكم الظالم ، وظلت طرق الثورة والثوار موحشة لقلة سالكيها .

وقفنا بطوابير اصطنعها الطغاة ورضينا بذل الانتظار ساعات تحت شمس الصيف الحارقة من اجل ان نخرج بعد طول انتظار فائزين ظافرين بعلبة جبن مستوردة أو علبة معجون أو "باكيت استكانات شاي" .كانت تلك أول مراسم أقامها البعث لاستعبادنا بعد عودته الثانية  للحكم في العام ١٩٦٨ .

صارت لنا بدائل عدة ، مخيرين بين الوقوف في الطوابير الطويلة المؤدية إلى "اورزدي باك" شركة المخازن العراقية في شارع الرشيد ، أم نذهب إلى جمعيات خال الحزب الذي سماه بعض أعتا المنافقين المدمنين خدمة الطغاة ، وإيجاد الألقاب سماه احدهم "خير من الله طل وفاح" ، سماه "لوكي" آخر، برلماني حالي سماه "المؤرخ العربي الكبير " . نقف في طابور جمعية خال الحزب لنحظى بطبقة بيض ، أو نذهب ركضا ونقف صفوفا ملتفة أمام شركات عدة أسسها النظام لترويضنا سماها: شركة توزيع المواد الغذائية ، سمى الأخرى شركة تجارة المواد الدقيقة وثالثة سماها الشركة الأفريقية .

كانت تلك المسميات علامة من علامات اشتراكية صدام وخاله طلفاح ، اشتراكيتهم أنجبت شعبا مدجنا ،وأفرزت ظاهرة الدلالات ، وهي علامة أخرى ودلالة قويه على غباء وفشل لسياستهم الاقتصادية ، التي خلفت طبقة من الطفيليين ، صورهم البعث على أنهم السبب في اختفاء وشحت المواد الغذائية والتموينية ، واليهم عزوا سبب استمرار الأزمات . صارت تلك الطوابير أول علامة من علامات ضعفنا الشعبي ، حين صدق البعض منا إشاعات النظام : في إن الشعب الذي أنتج الدلالات هو المقصر وهو سبب الأزمة !. بدل  ان ننتقم من النظام المسبب للازمة انتقم البعض من الدلالات ، بذلك برأت ذمة النظام من التقصير وأصبح الشعب متهما ومقصرا !!.

كان شعار البعث السري:"جوّع جلبك يتبعك" لذلك تعمدوا إجاعة وإذلال العراقيين بهذا المستوى الأخلاقي الهابط والمتدني تعاملوا معنا . أصدرت حكومة البعث قرارا  في العام 1973الزمت فيه العراقيين بفترة شهر لدفع ما بذمتهم من ديون لدائرة الكهرباء والهاتف وألا ستقطع عنهم الخدمتين . كان ذلك اختبارا إضافيا لقياس مدى طاعة العراقيين وخوفهم من السلطات ، هكذا أدمنا الطاعة العمياء دون اعتراض !!.

الأكثر إيلاما التحول الذي أصاب الرأي العام الشعبي نتيجة القمع ، بعد ان يعتقل أو يعدم من يعملون في الأحزاب المعارضة لصدام تسمع أسرهم من بعض المقربين والجيران شماتة ونصائح مغموسة بالذل من قبيل قولهم : "اشجابهم على الحايط يناطحونه" !!.

بعد سياسة الطوابير والأزمات السياسية ونقص المواد الغذائية وما خلفته الحنطة المسمومة و"أبو طبر" وجفاف نهر الفرات من موت ورعب . كانت مرحلة السبعينات مرحلة أزمات وتدجين أفرزت الدلالات نموذجا !!.

أخذنا صدام لحربه على إيران ، أفرزت تلك الحرب وقوف شباب العراقيين بذلة بطابور جديد للموت ، بعدما دخلت الخدمة الأعمار من ١٨ لغاية الأربعين عاما .أفرزت تلك الفترة ظاهرة "الرداحة" الذين غنوا وكتبوا ولحنوا لصدام  وحروبه وتملقوا في " في حضرة القائد" !. أكمل صدام مهمته في هدم ما تبقى من قيم متوارثة للعراقيين حينما أسهم اغلب البعثيين وبعض أسرهم في التجسس على أصدقائهم وجيرانهم وأقاربهم ،  حتى ان البعض منهم وشى بأسرته !.

من موت إلى موت ومن جوع لأخر ، أفرزت مرحلة الحرب على إيران ظاهرة بروز البعث كرديف لصدام والدوائر الأمنية بالقمع .أهم ما يميز تلك المرحلة شعبيا ظاهرة التخفي خوفا من  الخدمة العسكرية بالنسبة للشباب وخوف كبار السن من قواطع الجيش الشعبي .غزا صدام الكويت واكل  الشعب العراقي بعلمه ودون علمه  من المسروقات من الكويت كالحنطة والزيوت والشاي والسكر التي وزعها صدام ضمن مفردات البطاقة التموينية لاحقا !.

أعاد أحفاد السومريين تجربة أجدادهم ، الذين انتفضوا بوجه الاستعمار البريطاني ، وانتفضوا على صدام وعانقوا فرح الثورة وشموا رائحة التحرر من الخوف بعد عقود من البؤس والذل والحرمان ، بعد وعود غربية  بحماية المنتفضين قامت الانتفاضة الشعبانية  المباركة ، لكن الغدر الغربي بتحريض سعودي طائفي تسبب بفشل الانتفاضة ، سبيت محافظات بأكملها بعدما استفرد صدام بالمنتفضين في محافظات الفرات الأوسط والجنوب والشمال  .كانت تلك أول المسامير التي دقت في جسد الوحدة الوطنية ، بعدها جاء الحصار ألأممي ، عوقب العراقيون  بدل ان يعاقب صدام ، مرت سنوات الحصار ثقيلة . كان البذنجان سيد المرحلة ووحش الطاوة .في مرحلة الحصار كان الشعب العراقي والفرح في خصام آخر إضافي .

سقط صدام ببسطال أمريكي ، تطلعنا نحو الحرية ، تركنا خلفنا الهموم التي أنجبها البعث .كانت أولى سمات تلك المرحلة الفوضى والحواسم ، وعادت طوابير صدام لكن هذه المرة أمام محطات تعبئة الوقود ، كل عام يمر نأمل ان يتحسن الوضع ، وكل يوم يمر تضاف خبرة جديدة لخبرات هذا الشعب المظلوم .أصبح العراقي خبيرا بالكهرباء والجوزه والتجطيل والهجرة والتخفي من فرق الموت ،وأخيرا أضافنا خبرة جديدة لخبراتنا ، أصبح العراقي خبيرا في المفخخات والتحذير من مفخخات أخرى قد تفجر بعد ان تفجر السيارة المفخخة الأولى ، كما في الفيلم التالي ، الذي يوضح بصدق مأساة العراقيين ، الذين تركهم الساسة عرضة للموت واهتموا بامتيازاتهم وسلامتهم الشخصية .

حتى ان أكثر الشعوب جوعا كالصومال ودول أفريقا وبعض دول أمريكا اللاتينية شعوبها أكثر فرحا وسعادة منا ، واقل حزنا وحتى اقل موتا .

علينا بالعمل الجادة لنزع ما تبقى من أغلال الخوف المتوارث  . دعونا نتعلم الفرح ، أولى خطوات الفرح برفض الظلم  والفساد والسرقات والوقوف ضدها والخروج عليها ، تلك أولى خطوات الفرح الحقيقي يا سادة

"أقيموا دولة الله في قلوبكم ، تقم على أرضكم "

رابط فلم يجسد مأساة العراقيين

http://youtu.be/xgwrbWzYeTM

4-9-2013

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.