
لغز اختفاء الرئيس طالباني
حسن الخفاجي
لا اعرف من القائل: "حينما تنتصر الأخطاء فلا بد للحقيقة من الاختفاء ". لقد انزوت الحقيقة خلف جدران أكاذيب وأخطاء وخطايا بناها ساسة وبرلمانيون وصرنا نبحث عن الحقيقية في الوجوه والمناطق والأحزاب ، لكننا وجدنا مأتما للحقيقة وعرسا للأكاذيب وأجنحة للفضائح !!.
قبل عامين كتبت مقالا أسميته "سموه بصحة جيدة " انتقدت فيه تعامل الأسر الحاكمة العربية بسرية تامة وكتمان أخبار أمراض الرؤساء والملوك .
اغلب من انتقدتهم كانوا يمثلون اسر وحكام دكتاتوريين ، كنت أظن في ذلك الوقت ان العراق الجديد سيتعامل بشفافية تامة مع وسائل الإعلام والشعب ، فيما لو تعرض احد الساسة النافذين للمرض ، لكن خاب ظني وانطبق علي قول الشافعي رحمه الله حينما قال: "نعيب زماننا والعيب فينا وما لزماننا عيب سوانا " .
قبل الكتابة عن لغز اختفاء السيد الرئيس جلال طالباني لابد من الإقرار بحقيقية ، انه كان رجل الوسطية وصمام أمان العملية السياسة ، لقد كان رجل إطفاء محترف وماهر ومجرب بإطفائه الحرائق المصطنعة التي أشعلها البعض من القادة السياسيين .غيابه ادخل العملية السياسية مرحلة الخطر وعرّضها لكثير من المنزلقات.
مع ذلك لابد من الإقرار بحقيقة أخرى: ان الكثير من الأطراف السياسية مستفيدون وبعضهم فرحون بغيابه ومرضه ، حتى يخلو لهم الجو ليمارسوا ما يمنعهم وجوده عن ممارسته . بغيابه تعرض حزبه إلى انتكاسة انتخابية تمناها منافسوه وحتى بعض حلفائه ، لذلك داس اغلب الساسة تعمدا على الدستور وتعاملوا بلا أبالية مع مسألة مرضه ، لان الدستور يحدد فترة ثلاثين يوما كحد أقصى لغيابه عن ممارسة مهامه ، في حالة المرض يعتمد على تقرير طبي يحدد مدى صلاحيته للعمل مجددا .
بعد انقضاء عشرة أشهر على مرض الرئيس وسفرة للعلاج في ألمانيا ، لم نسمع عن تقرير طبي أو تصريح لطبيب معالج ، كل ما سمعناه من أخبار عن مرضه متناقضة ، ففي الشهر الأولى لمرضه قالوا: "انه تعافى ويمر بفترة نقاهة ويتابع ما يجري" ، بعد تسعة أشهر سمعنا انه استعاد ذاكرته وان وضعه الصحي مستقر !!.
إذا كان الرئيس كذلك .لماذا لم تسمح أسرته والمقربين منه للسيد رئيس البرلمان لزيارته ؟. حينها أعلن السيد النجيفي انه منع من زيارة السيد الرئيس بعدها قال: "«من الخطأ التستر على الوضع الحقيقي لصحة رئيس الجمهورية، وإن البرلمان أمام تطبيق الدستور الذي حدد حالتين لتبديل الرئيس،هما الوفاة أو العجز، ولم نعلم بأي منهما" . حاول أكثر من طرف وجماعة من خارج حزبه ومقربيه من زيارته ومنعوا من ذلك ، الأغرب ان جميع المقربين من الرئيس ما انفكوا طوال تلك الفترة من التصريح قائلين:" أن صحة الرئيس في تحسن مطرد، وأن الشعب العراقي سيطلع على نتائج هذا التحسن».
ترى متى سيطلع ويطمئن الشعب العراقي على صحة رئيسه ؟ .
ان اتخاذ المقربين من السيد طالباني موقف الدفاع وتكذيب الأخبار المغرضة والتقارير المشبوه كل مرة ادخل الشك في قلوب محبيه قبل أعدائه. تكذيب الشائعات التي قالت مرة عن موته سريريا ومرة عن موته الفعلي وأخرى عن نقله للعلاج في إسرائيل ، كل تلك الشائعات التي روجت وغيرها الكثير من الذي سيقال ما كانت لتتم او تقال ، لو ان تقريرا طبيا رسميا صدر من المستشفى الذي يعالج الرئيس طالباني فيه ، أو لو سمحوا لبعثة إعلامية لقناة فضائية عراقية مهنية لتصوير حالة الرئيس والاطمئنان عليه ، والمجال مازال متاحا لعمل ذلك .
المخالفة الدستورية لغيابه والاستمرار بتقاضي رواتبه ومخصصاته طوال تلك الفترة ، واستمرار المجاملات وحالة الصمت وعدم الاعتراض من قبل اغلب الساسة ، واستمرار التكتم الشديد على صحته ، هذه وغيرها من الممارسات والسرقات والتجاوزات على القانون والدستور والانتكاسات الأمنية المستمرة ، تجعلنا ننعى العراق الديمقراطي الذي صبت عيوننا عليه. الكثير من العراقيين يقولون : ان مرض واختفاء الرئيس أصبح لغزا على المقربين من السيد الرئيس وعلى الحكومة والبرلمان الاحتكام إلى الدستور وحل اللغز بأقصى سرعة .
على السادة المتحدثين الرسميين والمخولين بالحديث عن صحة الرئيس ان يختاروا جملة أخرى غير "سموه أو السيد الرئيس بصحة جيدة" لأنها استهلكت كثيرا ، و قالها غيرهم من المتحدثين بأسماء الطغاة من الحكام ، ولأنها مقترنة بسوء الطالع ، كي لا نفجع بخبر أو معلومة أخرى بعد طول انتظار لا سمح الله .
إلى متى يبقى الرئيس مختفيا ؟ .
يتحتم الإجابة عن هذا السؤال بشفافية .
"الظلام لا يطفئ الحقيقة بل يزدها توهجا " باسكال
2013-10-27