العدالة من عدي الى محمد الدايني!
حسن الخفاجي
26/3/2016
تصعد نوافير دماء المغدورين والمقتولين ظلماً الى السماء، تنزل سحباً ودخان، تصبح نقاطاً سوداء على وجوه وعمائم ولحى من يحكموننا، يغسلونها بماء الوضوء ويتوجهوا الى الصلاة بجيوب مليئة بالسحت ووجوه ملطخة بدماء الأبرياء والعار وقلوب مطمئنة لان اغلب الشعب خدرته وأمعنت باستغلاله شعارات رفعوها.
جاء من يدق أبوابهم ليخبرهم بصحوة الشعب واستعداده لحسابهم، قالوا لمن اخبرهم لاتخف سنكمل اعمالنا بالعفو عن قتلتهم ونشّرع قوانين عفو لنؤهل القتلة ونخرجهم من السجون ليعم القتل والفوضى وننجوا.
ربما تراودهم او تلبستهم أفكار صدام باستمرار السلطة وتوريثها ولم يتعظوا من نهايته وهم يسكنون قصوره .
كرة النار التي تقاذفتها قفازات الناطقين الرسميين باسم رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء والناطق بأسم القضاء توحي بان جميع هؤلاء يحاولون تبرئة دوائرهم من عار صفقة إطلاق سراح محمد الدايني .
اللغز الذي رافق إطلاق سراح الدايني تمكنت من فك طلاسمه وكان كالاتي:
القضاء"المستقل النزيه غير المسيس" برأ الدايني من كل تهم الاٍرهاب التي حكمه بها القضاء ذاته بالإعدام غيابيا، لم يتمكن القضاء من إطلاق سراحه لانه محكوم بسنة سجن في قضية نشر اقامها ضده السيد حسين الشهرستاني، تنازل السيد الشهرستاني عن حقه، ومع ذلك تطلب الامر إصدار مرسوم رئاسي بالتنازل عن الحق العام - حق الدولة -وتم العفو عنه بهذه القضية تحديداً.
صدر المرسوم الرئاسي استنادا على توصية من رئاسة الوزراء !.
رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء والقضاء والشهرستاني مشغولون وتركوا كل واجباتهم من اجل عيون المصالحة والدايني... ياسلام على العدالة والمصالحة وسيادة القانون !.
ان اصبح الدايني بريئاً من تهم الاٍرهاب ماذا عن فبركته وتزويره لصور وافلام نشرتها الجزيرة زودهم بها الدايني للتحضر الحقيقة لاحقاً ان الافلام تعود لمغدورين شيعة تعرف عليهم ذويهم غُدروا في ديالى ربما على يد عصابات الدايني، واتضح ان صور التعذيب التي قال الدايني عنها في الجزيرة انها في جامع براثا اتضح انها مأخوذة من متحف الشمع بايران .
من يحاسب الدايني عن دماء سالت بسبب تحريضه الطائفي على العنف وما هو مصير من قتلوا بسبب هذا التحريض ؟.
تاريخ القضاء العراقي يشير الى انه مسيس منذ تأسست الدولة العراقية الى الآن بنِسَب متفاوتة. كان القضاء العراقي سوطاً بيد نوري سعيد وبهجت العطية في زمن الحكم الملكي وقضية الحكم بالجملة في محاكم جرت داخل السجون العراقية مازال بعض شهودها احياء .
اشتكى اخرون من محكمة الشعب ورئيسها المهداوي ووصفها منتقدوها بأنها مسيسة، القضاء كان سوطاً بيد البعث في العام ٦٣ وكان سيفاً بيد عبد السلام عارف الى ان اصبح القضاء واجهة لتصفية الخصوم بزمن البكر وصدام .
محكمة الثورة برئاسة مسلم الجبوري وبعده عوّاد البندر والمحاكم الخاصة كانتا اداة بيد صدام لتصفية خصومه وحتى رفاقه ممن يشك بولائهم.
أطرف قضية تحضرني الان هي تشكيل وزير عدل صدام شبيب المالكي لجنة تحقيق خاصة للتحقيق مع عدي صدام بجريمة قتله لكامل حنا مرافق صدام. بأيام معدودة أنجز الوزير ولجنته التحقيق ورفعه بمطالعة الى صدام يطلب فيها العفو عن عدي، "لأنه ليس من اصحاب السوابق ولأنه لم يكن يقصد قتله ولان كامل حنا حرك راْسه " ليصطدم بالة عدي الحادة التي أدت الى مقتله.
بعض القضاة ممن عاصروا تلك الحقبة يقولون ان القاضي مدحت المحمود هو من أوجد مخرجا قانونيا لجريمة عدي .
"بتاريخ ٢٠١٥/٤/٢٩ كشفت كتلة الأحرار البرلمانية عن صفقة بخمسة ملايين دولار لتسوية التهم القضائية بحق النائب السابق محمد الدايني محذرة من ان تكون تلك الصفقة تمهيدا لعودة نائب رئيس الجمهورية السابق طارق الهاشمي ".
هل ما كشفت عنه كتلته الأحرار قبل عام تحقق بالاضافة الى التوافق على تسوية!؟.
عندما أتكلم عن القضاء لا اتهم كل قضاة العراق ولا أشك بمهنية وعدالة بعضهم، تاريخ القضاء العراقي يخبرنا عن قامات قضائية لهم مواقف مشرفة بوجه السلطات, من هؤلاء اذكر القاضي الراحل محمود القشطيني الذي اعترض على قرار حكومي صدر في أوائل السبعينيات بتولي وزير العدل رئاسة مجلس القضاء، الراحل القشطيني الذي كان يشغل منصب رئاسة القضاء ورئاسة محكمة التمييز قال عن القرار: "انه قرار مخالف للدستور" . في اول اجتماع لمجلس القضاء برئاسة وزير العدل دعي القشطيني للاجتماع حينها كتب هامشه التاريخي الشهير: "لا احضر اجتماعات مجلس القضاء الا بغياب وزير العدل" .
موقف القاضي المرحوم عبد القادر الجنابي الذي عوقب بسببه وإحيل على التقاعد بقرار باعتباره ليس قاضيا لاعتراضه على كلام وزير العدل منذر الشاوي الذي قال: "قدمنا لنفتش محكمة التمييز" فأنبرى له الجنابي قائلا: "ياسيادة الوزير المحترم محكمة التمييز أعلى سلطة قضائية لا تفتش فان قدمت مفتشا فهذه تشكل مخالفة لا تليق بمقامكم".
من خلال الشكر الذي قدمه اتحاد القوى الى الرئيس معصوم والقضاء "لتبرئة" الدايني، بإمكان المراقب استنتاج ما نحن قادمون عليه من صفقات كبرى عرَّابها معصوم والعبادي مستغلين صمت المرجعية وتشرذم التحالف الوطني وتقاتل قادته على الزعامة والانفراد بكامل السلطة. بيان اتحاد القوى يعكس لغة المنتصر في صراع أحد طرفيه متخاذل وجبان.
ان كانت احكام القضاء السابقة بحق الدايني جائرة فمن حق الدايني المطالَبة بالتعويض عما لحق به من تشهير ومعاناة، وان كان الحكم السابق صحيحا وشهادات أقارب ضحاياه واعترافات عصابات قتل قالت في التحقيق عن تلقيها الأوامر من الدايني بتنفيذ الجرائم، وان تسوية تمت استعملت فيها ضغوط إقليمية ودولية من اجل ان تكون براءة الدايني مقدمة لعودة كافة ساسة ٤ ارهاب الهاربين، بدأ بطارق الهاشمي وليس انتهاء بناصر الجنابي والعيساوي، وهذا يؤشر لخلل كبير في كافة مفاصل العملية السياسية والقضاء عاد كما كان مسيسا من قبل.
كل هذا جرى ويجري والكل يقول: "الحكم بيد الشيعة" وقادة الشيعة السياسيين يتحدثون عن صفقة تمت لإطلاق سراح الدايني!!!
ترى مع من تمت الصفقة ؟.
هل تمت دون علم قادة الشيعة ؟.
من اسهم بتنفيذها ومن ومن ومن ؟.
يقولون: "الحكم بيد الشيعة" ودماء الشيعة سالت وتسيل بوتيرة متصاعدة وقتلة اولادهم يعفى عنهم وقادتهم يتقاتلون على الزعامة ومغانمها والمرجعية اختارت الصمت بعدما احست ان الصمت ابلغ تعبيرا من الكلام عن الاحتجاج .
تبرئة الدايني تؤشر مقدار الظلم والحيف الذي لحق بضحايا الاٍرهاب وضحايا القضاء .
وأخيراً استقرت كرة النار التي تقاذفها الناطقون الرسميون بين صفوف العراقيين المكتوين بنار الاٍرهاب والمتضررين منه .
من قتلونا بالامس اطلق سراحهم اليوم ومن يقتلونا اليوم سيطلق سراحهم غدا وهكذا سيستمر نزيف دمنا.
اللهم اخزي قادتنا بأمر منك فليس لنا من ندعوه بعدك يا الله ولا أمل لنا باصلاح, وهذه قمة الخيبة والتعاسة .
وهذا هو مسرى عدالتنا من زمن عدي الى زمن محمد الدايني !.
اختم بما قاله المسالم غاندي بوجه مجرم متنفذ: "اذا انا قاومت العدل بعلم واصرار مني فأنا ظالم "
"المصبية ليست في ظلم الأشرار بل في صمت الأخيار"