أبطال الحشد ومخانيث الساسة
حسن الخفاجي
14/11/2016
منذ الصغر تعلقت بأطراف ثوب أمي ممسكاً بثوبها بيد وبالسلة السومرية التي تحملها باليد الاخرى. كبرت وانا احملق بسلة الخوص وما تحمله من نقوش سومرية نقشت بذاكرتي. تضع أمي في السلة ما تجلبه من السوق من فواكه وخضر. منذ طفولتي ورئتاي تطفح بعبق سومر وأريج بابل ونسيم أشور وأكد وغابات النخيل وقباب ذهبية ومنائر تاريخية. منذ صغري ولا شيء يملأ ناظري ويشغل حواسي عدى العراق وذلك الماضي المشرف ولا يؤلمني غير هذا الحاضر البائس .
منذ ان ادركت ما حولي وانا ارى عمتي تأتينا من سكنها البعيد عنا محملة بسلال سومرية فيها ما لذ وطاب. كانت تقول لوالدتي صوغة حبايب وترد عليها والدتي وهي: "تلولي على كاروك" اخي: (ريت الحبايب ثلثمية ورجالهن كلهم خر٠٠٠ وينطن عطية داغريه).
كبرت وعرفت ان ابي وعمي وعمتي تَرَكُوا ارضهم وأقاربهم وهاجروا الى بغداد لأنهم رفضوا لقمة عيش محملة بذل الاقطاعي وازلامه, ومثل ابي فعل الكثير ومن ظل هناك لم يستكينوا لظلم الإقطاع فانتفضت عشيرة الزيرج لتقود اول انتفاضة ضد ظلم ذوي القربى من الاقطاعيين تلتها انتفاضات .
بظل تلك الأجواء والمؤثرات كبرت، ونشأت اجيال فطمت على الإباء والتعلق باصولها النقية من سومر الحضارة الى بابل وأكد وآشور الى عراق المقدسات.
الآلهة في بعض حضاراتنا القديمة كنّ من النساء وكن يعبدن، ونشأنا والمرأة تشارك الرجال أعمالهم وأول وزيرة في كل المشرق كانت الدكتورة نزيهة الدليمي وكذلك كانت اول قاضية من العراق وهي السيدة زكية اسماعيل حقي في حكومة عبد الكريم قاسم، وكذلك اول كابتن طيار مدني نسائي في زمن الحكم الملكي، قبل ان تغزو عراقنا ثقافة البدو التي تعتبر المرأة عورة وتعتبر السلب والغزو رجوله وشرف .
هل من غرابة ان تجد في شعب ورث كل هذه الحضارات وله كل هذا العمق الحضاري هذا القدر الكبير من الغيرة والحمية والحب لبلده، الحب الذي يدفعه للتضحية بالغالي والنفيس، يقدم الرجال اولادهم وأخواتهم وتزف الأمهات أبنائهن قرابين من اجل الدفاع عن الوطن .
البلد التي حكم فيها قادة عظام وكانوا أساس العدل والزهد مثل الامام علي ع، قبله حكم حمورابي وگلگامش ونبوخنصر. الزهد يرتبط شئنا ام ابينا بالشجاعة والوطنية، في عراقنا استشهد اخر امام للزهد هو عبد الكريم قاسم وبعده اصبح العراق نهبا بأيادي سراق وقتله تسلطوا على رقاب العراقيين. الغريب وقمة الغرابة في ان "يجر ويعر" برلماننا العتيد بأكثريته البرلمانية الجبانة ولا يقر قانونا للحشد الشعبي الذي ملأت دماء مقاتليه ربوع الوطن من جنوبه في جرف الصخر مرورا بوسطه في ديالى والانبار وصلاح الدين وصولا الى شماله في كركوك والموصل.
ما الذي يريده المعترضون على قانون الحشد الشعبي من البعثيين والطائفيين والخانعين الأذلاء؟..
أغلبكم بشيعتكم وسنتكم تخافون الحشد، لانه خطر على مستقبلكم السياسي، تخافون ان يصبح للحشد قوة سياسية توازي قوته العسكرية تنافسكم في الانتخابات القادمة، لأنكم اعرف بانفسكم وانتم ينطبق عليكم مثل العراقيين ((صخمتم الشرايع)) . لقد صدق من قال: "يفكر الوطني بالأجيال القادمة أما السياسي فيفكر بالانتخابات القادمة".
ماذا افعل ويفعل أمثالي المتعلقين بالعراق كتعلقهم بأذيال ثياب أماتهم وهم أطفال؟.
نحرق الباقي من أيامنا على اخبار العراق وما يفعله مخانيث الساسه به، كل هذا ونحن نكتوي بالنار عن بُعد حتى رددنا مع محمد الماغوط: "مراقبة الالم من وراء الزجاج شيء مضحك" وصرنا نسأل أنفسنا.
هل ان ملامسة حرائق العراق تصبح حلا لمعضلاتنا ؟.
كان الله في عون اهلنا وكل المخلصين لوحدة العراق ولقواته المسلحة وحشده صِمَام الأمان الذي يريد العملاء من الساسة ازالته، كي تنجح مؤامراتهم ليغدروا بِنَا مثلما غدر آباؤهم بعبد الكريم قاسم.
"ومن لم تكنْ أوطانهُ مفخراً لهُ… فليس له في موطنِ المجدِ مفخرُ
ومن لم يبنْ في قومهِ ناصحاً لهم … فما هـو إِلا خــائنٌ يتســـترُ
ومن كانَ في أوطانهِ حامياً لها … فذكراهُ مســــكٌ في الأنامِ وعنبرُ
ومن لم يكنْ من دونِ أوطانهِ حمى … فذاك جبانٌ بل أَخَسُّ وأحقرُ"
الشاعر عبد المحسن الكاظمي