اخر الاخبار:
اعتقال داعشي "بارز" في كركوك - الأحد, 25 شباط/فبراير 2024 19:25
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

ألمكتبة

• الصلاة السادسة - صفحة 2

القسم الثالث

لن يترك فرانك لانج وأبولين دوفيل نزيهة الشابي وحدها بعد محاولة اختطافها، سيذهبان إلى مستشفى الأمراض العقلية غدًا، وهذه الليلة لن يقضياها في الفندق. وجميلة تونس تقترب بهما من عمارة ذات أربعة طوابق في المنزه حيث تسكن، كان بعض السلفيين يترصدون لعاشقين، ويتبعونهما من وراء جذوع الشجر، وعلى أغصان الشجر، كانت العصافير تقبل بعضها آلاف القبلات، وتزقزق. أوقفت نزيهة الشابي سيارتها الفورد الزرقاء، وفي اللحظة ذاتها انقض السلفيون على العاشقين، وهما يتبادلان قبلة، وأغرقوهما بالبنزين، وهذان يصرخان احتجاجًا، ويقولان إنهما خطيبان. نادى العاشقان على الناس كي يأتوا لنجدتهما، فأشعل السلفيون النار فيهما، وولوا الأدبار. سارع فرانك لانج إلى إطفاء نار المحترق، وتعاونت أبولين دوفيل ونزيهة الشابي على إطفاء نار المحترقة. تجمع الناس، ودوت في الأرجاء صفارات سيارات الإسعاف والشرطة.

في شقة من الطابق الأخير، استلقت رئيسة جمعية المعلمات على أريكة في صالون تتصدره صورة كبيرة للشيطان، وهو يضاجع امرأة شقراء تشبه أبولين دوفيل إلى حد بعيد. رمت ضابطة الدي جي إس إي رأسها على مسند المقعد الذي تجلس عليه غير بعيد من رجل التحري الخاص، وهذا ينحني، وهو يضع وجهه بين يديه.

- ليست هذه هي المرة الأولى، همهمت نزيهة الشابي، اعتداءات السلفيين لا تعد ولا تحصى، وليس لأن واحدًا يقبّل واحدة تحت شجرة. اعتداء على معرض لصور المرأة تخلع المرأة في الصور الحجاب، اعتداء على محطة تلفزة ترى النبي من عين الإنسان، اعتداء على صحافيين يقولون ما يفكرون فيه بحرية، اعتداء على الياسمين في الحدائق العامة لأن لونه أبيض، اعتداء على البحر لأن فيه المراكب لا تغرق، اعتداء على حلم المراهق في الليل، على ظل العارية في الحمام، على حرية الطيور في حديقة الباساج...

- لا يوجد سلفي وغير سلفي، همهمت أبولين دوفيل، الذين حاولوا اختطافك كالذين أحرقوا العاشقيْن، كلهم واحد. لا يوجد إسلامي معتدل، وإسلامي غير معتدل، يوجد إسلامي، وفقط.

- يقول مفكرو الأكشاك الذين يفلت التاريخ من بين أيديهم، فيعجزون عن استقرائه، همهم فرانك لانج، فليأخذوا الحكم ليفشلوا! والآخرون الذين يقولون فلنجربهم، أهلاً وسهلاً إن نجحوا، وإن فشلوا مع السلامة! بينما من البديهي فشلهم، شيء في ذاتهم، في بنيتهم، في جوهرهم، وفي أخذهم الحكم تعطيل للحياة إلى أجل غير مسمى، وربما إلى الأبد، فهم لن يتركوا الحكم بسهولة.

- الحكم نحن، قالت رئيسة جمعية المعلمات، وهي تعتدل في جلستها، الجمعيات، النقابات، الاتحادات، المجتمع المدني.

- المجتمع المدني، قالت أبولين دوفيل، وهي تنهض من مكانها لتجلس قرب فاتنة تونس، دون مجتمع، يا حبيبتي، فكل المجتمع ذهب إلى البحر، أم أنك نسيت بسرعة؟ سيبيع المجتمع الرمل للسياح. لهذا هم يطاردونك، ويعذبون لبنى بن عثمان، وبوليسهم السري منتشر في كل مكان.

- وليس هذا فقط، قال فرانك لانج، وهو يعتدل في جلسته، من لهم الحكم كمن لا حكم لهم كلهم يقولون لك الله محمد الخلفاء الراشدين، كلهم، عن بكرة أبيهم، المتدين كالمتزمت كالعلماني كالمغني كالهاوي كالعاوي كالمؤذن كالمنشد للبيان الشيوعي، كل واحد منهم حثالة دينية، شيء غير طبيعي، ولهذا من الطبيعي أن يكونوا هنا، نعم، الإسلاميون، من الطبيعي ان يأخذوا الحكم في كل مكان من هذا العالم العربي الشرجي.

بدا على المرأتين أنهما لا تسمعانه، كانت الواحدة تنظر إلى الأخرى، وتفكر في شيء آخر غير كابوس الإسلاميين، شيء آخر لا تعرفه سوى النساء، شيء لا اسم له، شيء آخر، لا علاقة له بالسياسة، شيء آخر غير أي شيء آخر.

- نزيهة، همهمت أبولين دوفيل، لماذا لم تتزوجي؟

- كي أصنع الثورة، رمت ساحرة تونس، ثم ضحكت، وقد ذهب عنها كل شجنها. لا، أنا أمزح. لماذا لم أتزوج؟ بكل بساطة لأني لا أحب الرجال. أنا لا أحب الرجال، لهذا لم أتزوج. وأنا في باريس، كان أبي الشيخ يراقب كل حركة من حركاتي، ينتظرني عند فوهة المترو، يبعث بمن يتبعني، وأنا في الحي اللاتيني، كنت في عينيه القاصر دومًا، وكان يخشى عليّ من جرح الأنسام، فرأيتني كما كان يراني، لم أرتد الجينز الضيق، ولم أكشف لأحد عن طرف ثديي. عندما مات، غدا لي قضيب ككل الرجال، ووقعت في غرام أكثر من امرأة.

وبأصابع مترددة، لمست خد أبولين دوفيل، فأخذت هذه يدها بلهفة، وقبلتها من كفها بقوة، ثم من ثغرها. خلعت الواحدة فستان الأخرى، ثم معلق الثديين، فالسرواال القصير، وبان وشم يمثل قلبًا من الجماجم الدائرة بسرة نزيهة الشابي. غاص الجسد في الجسد، وغطى البحر رمل تونس. كانت حرية الجسد من حرية البحر، وكان الليل، وكان القمر، وكانت النجوم. كانت الحرية كما يجدر بها أن تمارس على أريكة، وفي كل مكان من تونس. الحرية كما كان يجدر بها أن تمارس على الرمل، تحت سماء مليئة بالنجوم، والقمر معلق كقنديل. كانت الحرية بكل تلك البساطة، دون سيف مسلط، دون تقوى، دون ديانة. وكان العناق بين امرأة وامرأة أو بين امرأة ورجل أو بين رجل ورجل الصلاة الأولى، والأخيرة. العناق. الحرية. بكل تلك البساطة. لم يكن للعبث مكان. بكل تلك البساطة. الحرية. العناق. لم يكن للدم مكان. لم يكن للموت مكان. كان العناق. كانت الحرية. وكان للوجود معناه. بكل تلك البساطة. أما الأشياء الأخرى، ذات الأهمية، فلم تكن ذات أهمية، بعد أن غدا للوجود معنى. تحت سماء الحرية للعناق، كل المشاكل ستجد حلها، كل المشاكل. لأن كل شيء يبدأ بالحرية. الحرية. العناق. الحب. العمل. تنتهي الأنانية. يزول فائض القيمة. يصمت المؤذن. يحل التنافس الحر. الدينار الحر. الإبداع الحر. التجاوز الحر. بكل تلك البساطة. التجاوز لا التناحر. احتقار السلطة. كره المال. تنوجد شروط احتقار السلطة وكره المال. تُوجِدها الدينامية. المادية دينامية. الجدلية دينامية. التاريخ دينامية. عند شروقه دينامية. وعند غروبه دينامية. يلفظ عيناته كما يبتلع عيناته. ينوجد بها، وتنوجد به. لم يكن صراعًا أبدًا. كان دينامية. يوجِد وينوجد. وسيكون دينامية. ليست الطبقية، وإنما الدينامية. ليست الوحدة المجتمعية، وإنما الدينامية. ليست الأشكال الإيديولوجية، وإنما الدينامية. ليست المقولات العليا، وإنما الدينامية. ليست المحددات الاقتصادية، وإنما الدينامية. ليست التشكيلات الاجتماعية، وإنما الدينامية. الدينامية، الدينامية، الدينامية.

ما لبث العناق الثلاثي بين نزيهة الشابي وأبولين دوفيل وفرانك لانج أن بدأ، كان ذلك لإثبات أن المرأة تساوي الرجل في كل شيء، وأن المرأة الشريك الكلي للرجل، لا الناقص ولا المكمل. ترددت رئيسة جمعية المعلمات في تقبيل رجل التحري الخاص بعد أن سحبت اللصقة عن جبهته، فاغتصب منها القبلة التي أراد أن تحررها من عقدتها. تنفس البحر، ورمى العالم بأمواجه حتى غطى كل شواطئ تونس. سحب المرأتين، وعلى سجادة الصالون، صلى ثلاثتهم صلاة الحب.

*

في صباح اليوم التالي، أوصى فرانك لانج وأبولين دوفيل نزيهة الشابي أن تغلق عليها الباب جيدًا وألا تفتح لأحد ريثما يذهبان إلى مستشفى الأمراض العقلية لرؤية لبنى بن عثمان. لكنهما ما أن غادرا العمارة حتى حضر أصحاب اللحى من أفراد البوليس السري، حطموا باب رئيسة جمعية المعلمات، واقتادوها.

في البلفيدير، أوقفهما التاكسي أمام بوابة مستشفى "المهابل حاشاك"، كما قال السائق، وغادر المكان مسرعًا خوفًا من أن يصيبه مكروه.

- لبنى بن عثمان من أخطر نزلائنا، همهم مدير مستشفى الأمراض العقلية، وأنا لا أنصحكما برؤيتها.

- أخيرًا، قال فرانك لانج.

- أخيرًا ماذا؟ سأل مدير مستشفى الأمراض العقلية.

- أخيرًا نقع على لبنى بن عثمان، أجاب رجل التحري الخاص.

- نعم، ولكني كما سبق لي وقلت أنا لا أنصحكما برؤيتها، همهم مدير مستشفى الأمراض العقلية بشيء من التأفف.

- ونحن ننصحك بألا تتدخل إلا فيما يعنيك، قالت أبولين دوفيل بجفاف.

- كما شئتما، نفخ مدير مستشفى الأمراض العقلية، وهو يضغط على جرس، فحضرت ممرضة. اذهبي بهما إلى قاعة الزيارات، واجعليهم يحضرون لبنى بن عثمان.

ما أن سمعت الممرضة الاسم حتى رفعت رأسها، وهي تفتح عينيها واسعًا، للمفاجأة. هز مدير مستشفى الأمراض العقلية رأسه مؤكدًا، وهو يهمهم بيأس:

- لا يريدان أن يفهما.

في الممر الطويل، كان بعض المرضى هنا وهناك، فأوضحت الممرضة:

- حالاتهم ليست خطرة، فاطمئنا.

كان أحدهم يضع السجائر وراء أذنيه، وفي أذنيه، وفي منخريه، وفي فمه، كان يضع ثلاث سجائر أو أربع في فمه، وكان ثان ينظر إلى وجهه في مرآة يد، وهو لا يتوقف عن تأمل وجهه من كل النواحي، وكان ثالث يقفز فجأة على يديه، ليسير على يديه قليلاً، ثم يقفز على قدميه، ليسير على قدميه قليلاً، وكان رابع يرتدي الحجاب، ويخبئ وجهه كالمرأة، ولا يتوقف عن التمايل مثلها، وكان خامس يرتدي بزة عسكرية، ويضع على رأسه قبعة، وتحت إبطه عصا، وهو يذهب، ويعود، مرددًا: بن علي! بن علي! بن علي! وكانت امرأة تمشط شعر امرأة أخرى بوحشية، وعندما هذه تصرخ، تضربها، فتسكت قليلاً، ثم تعود إلى الصراخ، وتعود الأولى إلى ضربها. وكانت ثالثة، تكشف فجأة عن ثديها، وتقهقه، وتغطى فجأة ثديها، وتكشف عن ثديها فجأة، وتقهقه. وكانت رابعة...

- انتظرا ريثما يأتون بأكبر مجنونة، طلبت إليهما الممرضة، وهي تفتح لهما باب قاعة الزيارات، ها أنا أدق ناقوس الخطر، فحذار!

بعد عدة دقائق، عادت الممرضة تفتح عليهما باب قاعة الزيارات، ومن أمامها جعلت ممرضين يُدخلان لبنى بن عثمان، وهي ترتدي حجابًا أسود، بينما أمسكها الممرضان من ذراعيها. تقدما بها إلى أن أوقفاها مقابل أبولين دوفيل، ومن وراء ضابطة الدي جي إس إي راح فرانك لانج يراقب كل شيء بانتباه شديد. أشارت الفرنسية الشقراء إلى الممرضين ليتركا لبنى بن عثمان، وعندما رفضا، جمجمت بين أسنانها:

- اتركاها يلعن دين!

أذعن الممرضان للأمر، فابتسمت لبنى بن عثمان لأبولين دوفيل، وابتسمت أبولين دوفيل للبنى بن عثمان، إلا أن المريضة صاحت فجأة، وأرادت الانقضاض على ضابطة المخابرات الخارجية لتفتك بها لولا سرعة الممرضين اللذين حالا دون ذلك. لف فرانك لانج زميلته بذراعه ليحميها، ولبنى بن عثمان تصرخ، وتضرب، وتقاوم قبضات الممرضين المتينة حتى هدأت تمامًا. تساقطت على الأرض، فجاءت أبولين دوفيل، ورفعتها، لم ترفعها دفعة واحدة، لكنها تمكنت من رفعها بعد أن اطمأنت الضحية إليها. ذهبت بها إلى مقعد، وأجلستها قربها، فترامت لبنى بن عثمان بين ذراعيها، وراحت تجهش باكية.

- طلبوا مني الذهاب إلى المسجد، همهمت رئيسة جمعية بنات الهوى، قالوا من أجل الصلاة السادسة. لم يكن أحد في المسجد غير الإمام، تركوني معه، وأغلقوا علينا باب المسجد. قال لي اخلعي ثيابك. قلت في المسجد! في بيت الله؟ قال لي في المسجد أو في غير المسجد، أنت قحبة، اخلعي ثيابك. لم أخلع ثيابي، قلت لن أخلع ثيابي في المسجد. قال لي باب المسجد مغلق، ولا أحد يرانا، وأنت قحبة، فماذا تنتظرين؟ قلت الله يرانا. طار عقله، جذبني كالشيطان تحت المحراب، وراح يمزق ثيابي. عراني، وتعرى، ودفع ذكره في فمي، وهو يتلو الآيات تلو الآيات، ثم دفع ذكره في شرجي، وهو يواصل تلاوة الآيات تلو الآيات، ثم دفع ذكره في مهبلي، وعند ذلك أخذ يكبر: الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر!

بكت لبنى بن عثمان، وهمهمت غير مصدقة:

- في المسجد! في بيت الله!... أخذ يكبر بأعلى صوته، الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! أخذ يكبر كالشيطان، وذكره فيّ يدق كالفأس، يدق، يدق، يدق، وأنا أشعر بدقاته في لحمي... في المسجد! في بيت الله! يدق، يدق، يدق، وينقب، فسال الدم، وهو ينقبني، وأنا أصرخ من الوجع ومن الغضب ومن القرف. استدرت، والتقمته بفمي، وبأسناني عضضته، فتغير صراخ المجرم، من صراخ المتعة إلى صراخ الوجع، وقطعته، فسقط على المحراب مغشيًا عليه.

انفجرت لبنى بن عثمان باكية، وهي تشد أبولين دوفيل إلى صدرها كأمها، وأبولين دوفيل تشدها إلى صدرها كابنتها، إلى أن هدأت، فداعبتها الإلهة الشقراء من رأسها وشعرها وعنقها:

- في المسجد! في بيت الله! عادت لبنى بن عثمان تهمهم غير مصدقة.

- يجب أن نأخذها، نبرت الممرضة.

- لا، صرخت لبنى بن عثمان بعينين منفجرتين، وهي تشد نفسها إلى صدر أبولين دوفيل.

- اتركاها، أمرت ضابطة الدي جي إس إي الممرضين، لكنهما لم يستجيبا.

ولبنى بن عثمان تقاوم القبضات القوية مقاومة عشرة من الرجال الصحاح، كانت تصرخ بكل رعب العالم، كانت كل تلك القوة الجبارة دافعها الخوف. قبل الثورة، أدى الخوف إلى الجنون، وبعد الثورة، يريدون أن يؤدي الجنون إلى الخوف. ضربتها الممرضة بمحقن في أي مكان كان، وما هي سوى عدة لحظات حتى غابت عن الوعي، فحملها الممرضان كالكلبة الميتة، وعادا بها من حيث جاءا بها.

*

في خارج مستشفى الأمراض العقلية، وجد فرانك لانج وأبولين دوفيل السائق ذا اللحية الشقراء بانتظارهما. قال إن رئيس الجمهورية يريد أن يراهما في قصر قرطاج، وهو بنفسه من أرسله إليهما. وهو يقود بهما السيارة المرسيدس السوداء، كان يقوم بدور الدليل: هذا البنك لبن علي، وهذا الفندق لبن علي، وهذا المسرح لبن علي، وهذا النادي لبن علي، وهذا الملعب لبن علي، وهذا البار لبن علي، وهذا المطعم لبن علي، وهذا المسجد لبن علي، وهذا الماخور لبن علي، وهذا الفرن، آه ما أطيب خبزه، لبن علي، وهذا السوق لبن علي، ليس سوق الخضار، سوق الذهب لبن علي، وهذا الرصيف لبن علي، وهذا الشارع لبن علي، وهذا الحوش لبن علي، وهذا المدى، الأفق، الدنيا لبن علي، لبن علي، لبن علي، لبن علي...

أول ما أدخلهما حارس متواضع على رئيس الجمهورية، صاح هذا من أقصى قاعة ضخمة على جدرانها مائة صورة أو يزيد له في كافة الأوضاع، وهو يرتدي العباءة:

- كابتن دوفيل، موسيو لانج، من هنا.

وبصعوبة حدد التحريان من أين يصل الصوت، وسارا باتجاه طاولة مدرسية ومقعد خشبي ضيق.

- تعالا، تعالا، وبينما هو يرفع يده إلى فمهما ليقبلاها، أنا المجحف المزروقي، مفكر وطبيب ورئيس جمهورية. المزروقي من مزرق يمزرق فهو مزروق، ومَزْرَقَ الشيء جعله أزرق، لهذا وجهي أزرق، أو مُزْرَقّ، وهذا أقرب إلى الصواب. اجلسا، اجلسا. أرادا الجلوس على تابوريه، فطلب إليهما الجلوس على مقعد من البلاستيك: هذا أريح.

- شكرًا سيادة الرئيس، همهم فرانك لانج وأبولين دوفيل بصوت واحد.

- سيادة الرئيس! لا داعي إلى كل هذه البروتوكولات، تصرفا كما لو كنتما في بيتكما، ولنتخاطب دون كلفة.

- كما تشاء سيادة الرئيس، عاد التحريان إلى الهمهمة.

- كما تشاء وفقط، أمر رئيس الجمهورية.

- كما تشاء وفقط، أعاد رجل التحري الخاص وضابطة الدي جي إس إي.

- الحقيقة أنني كمفكر أنا من أحضر الإسلاميين، بدأ المجحف المزروقي الحديث دون مقدمات، أصحاب اللحى، سارع إلى القول، وهو يشير إلى ذقنه، وينفخ خديه، ويفقع لسانه. ظهور الانفلاشية لدي بشكل قومجي أدى إلى ظهورها بشكل إسلاموي، لهذا هم يدينون لي الشيء الكثير.

- هذا ما ينطبق على كل الطبقة المثقفة عندكم، قال فرانك لانج بلهجة جسيمة.

- لو كان ابن خلدون هنا، ألقت أبولين دوفيل ساخرة.

- ابن خلدون؟ آه، ابن خلدون، قال المجحف المزروقي، وانفجر ضاحكًا.

- انفلاشية الطبقة المثقفة من تجلياتها الإسلاموية، قال رجل التحري الخاص، هذا أمر مفروغ منه. لا أريد أن أتكلم هنا عن تباين لبنية التاريخ، فلا تباين هناك، هناك تماثل، والحسابات الشخصية تأتي فيما بعد، فيما بعد.

- وأنني كطبيب، أضاف رئيس الجمهورية، أنا من وراء المشروع المعجز، تصدير الأعضاء البشرية، وفتح مصانع الكلوناج، لتجاوز الأزمة الاقتصادية التي نعيشها اليوم بعد مقاطعة السياح لنا، ولأحافظ على شعبيتي. الحق أولاً لأحافظ على شعبيتي.

- ولكن، دكتور، قالت أبولين دوفيل، الكلوناج ممنوع دوليًا.

- الكلوناج ممنوع دوليًا؟ سارع رئيس الجمهورية إلى القول، أنا لا أعلم، وأنا ما دعوتكما إلا لتعملا بوصفكما أعظم تحريين في الكون على تأسيس مصانع الكلوناج في تونس، أما والأمر كذلك، على الترخيص بها، ولو مؤقتًا، حتى تمضي أزمتها.

- التجارة بالأعضاء البشرية كالتجارة ببنات الهوى أنا ضدها، ألقى رجل التحري الخاص.

- التجارة ببنات الهوى، استغرب المجحف المزروقي.

- الكل يعلم بتجارة بنات الهوى لإنقاذ الاقتصاد التونسي بعد كساد السياحة، الهند الصين اليابان هونولولو وأولى الدول أمريكا، قال فرانك لانج دفعة واحدة.

- أنا لا أعلم، همهم رئيس الجمهورية. الواقع أن لا مصلحة لي في كل هذا، لهذا لم أعط بالي للأمر. أهم بكثير عندي أن أحافظ على شعبيتي.

- وهل تعلم دكتور أن البوليس السري، أصحاب اللحى، قالت أبولين دوفيل، وهي تقوم بحركات رئيس الجمهورية ذاتها منذ قليل، يطارد التوانسة كما كان يطاردهم بوليس بن علي السري؟

- أنا لا أعلم، همهم رئيس الجمهورية.

- ماجد الغنوجي، نعم، وليس بن علي، فجرت ضابطة الدي جي إس إي.

- والله أنا لا أعلم، هتف رئيس الجمهورية، وهو يضرب بيده على مكتبه المدرسي، ويوقع بعض الملفات التي شاركه في لمها التحريان الفرنسيان، ويقول كمن يهذي: الفرق بيني وبين بن علي، هو جاءت به الدكتاتورية، وأنا جاءت بي الديمقراطية. بينما لا فرق بيني وبين سي الغنوجي إلا باللحية، هو بها، وأنا بدونها، ولكننا في ديمقراطية. عشرون بالمائة لنا من تونس، هذا ما يكفينا ريثما تتبدل الظروف، وتنعكس الآية، فيكون لنا ثمانون بالمائة من تونس. ديمقراطيتنا نسقنا.

- ديمقراطية البوليس السري، تهكمت أبولين دوفيل، حقن النساء من فروجهن بالهريسة، أو ضربهن بإبر الجنون في نخاعهن الشوكي.

- قلت لك والله أنا لا أعلم، قال رئيس الجمهورية غاضبًا.

- وماذا عنك كرئيس جمهورية؟ همهم فرانك لانج يائسًا.

- ماذا يمكنك أن تفعل لي عند رئيسكم موسيو لانج؟ وأنت مدموزيل دوفيل؟ الآن مع رئيسكم الجديد يمكنكما أن تفعلا لي شيئًا، فاضربا الحديد وهو ساخن، وأنا مستعد لكل ما يطلب، كما كنت مستعدًا لكل ما يطلب الإسلاميون، لهذا تجدانني هنا، ولكننا في ديمقراطية. أنا لا حكم لي، وكل القرارات يتخذها سي الغنوجي، نعم، رئيس الإسلاميين، ولكننا في ديمقراطية، أنا لا علم لي بتجارة بنات الهوى، ولا بأي شيء آخر، ولكننا في ديمقراطية. ديمقراطية، ديمقراطية، ديمقراطية، ولا شيء يعلو على الديمقراطية. لا شيء هناك، هذا صحيح، ولكننا في ديمقراطية.

وأخذ رئيس الجمهورية يغني:

- صافيني مرة وجافيني مرة...

- يبدو أنك دكتور مغرم بالأغنية المصرية، قالت أبولين دوفيل، وهي تبتسم.

- الأغنية التونسية، قال المجحف المزروقي قبل أن يعود إلى الغناء.

- عبد الحليم حافظ ليس تونسيًا، قال فرانك لانج، وهو يبتسم.

- والله لم أكن أعلم، أقسم رئيس الجمهورية، وعبد الوهاب؟

- مصري.

- وأم كلثوم؟

- مصرية، ألف مرة مصرية.

- والله لم أكن أعلم.

بدا المجحف المزروقي حزينًا:

- لو كان لدينا مطرب كهذا أو مطربة كتلك لملأنا خزائن تونس بالأموال، ولم نكن بحاجة لا إلى بيع أعضاء أبنائها ولا إلى بيع شرفهم.

*

سأل فرانك لانج وأبولين دوفيل سائقهما ذا اللحية الشقراء إذا كان المجلس التأسيسي بعيدًا، فقال لا شيء بعيد في تونس. وهما على باب قصر قرطاج، رأيا العابرين يعملون دورة كبيرة لقطع الطريق، بينما يمكنهم قطعها مباشرة من أمام الباب، فقال لهما السائق لأنهم كانوا يفعلون هكذا أيام بن علي، فقطع الطريق مباشرة كان ممنوعًا. وفي الحديقة القريبة، رأيا المتنزهين فرادى، فقال لهما السائق لأن أيام بن علي كان ممنوعًا عليهم التنزه اثنان اثنان أو ثلاثة. وبينما كان صف طويل من السيارات ينتظر أمام الضوء الأخضر، شرح لهما السائق أن شرطي المرور يعطيهم ظهره، وهم ما كانوا ليمضوا أيام بن علي أحمر أخضر أبيض أسود دون أن يأذن لهم الشرطي بالمضي. كان شاب يسير مع امرأة محجبة، أخته أو خطيبته، وكان يلتفت بين الحين والآخر إلى الوراء، ويرى إذا كان أحدهم ينظر إلى مؤخرتها، فينهال عليه ضربًا، وينهال على المرأة ضربًا. وأخرى كانت سافرة يطاردها ثلاثة شبان، فاستدارت، ومحقتهم بصوتها محقًا كالشيطان. وهناك كان ثلاثة شبان آخرون يتهامسون، ويتلفتون، خوفًا من أن يكون أحد يطاردهم. وعلى رصيف إحدى المقاهي، كان اثنان يتناقشان بأعلى صوتهما، وكان الموضوع عن ارتفاع أسعار البطاطا، ثم ما لبثا أن تضاربا لاختلافهما. جاء أحدهم يجري، وهو يحمل حاسوبه المفتوح على إنترنت متوهمًا أن الشرطة تجري في أعقابه. من ناحية، جاءت جمهرة من أصحاب اللحى، وهي تهتف: اقتلوهم! احرقوهم! ومن ناحية، جاءت جمهرة من أصحاب عدم اللحى، وهي تهتف: اقتلوهم! احرقوهم! قدم خطيب لخطيبته باقة ورد صفراء بدلاً من باقة الورد الحمراء التي كان من عادته أن يقدمها لها، فشكّت في إخلاصه. قال أحدهم لصاحبه إنه قرأ مقالاً عن الحرية مذهلاً، فحسبه من رجال المخابرات. سأل شخص شخصًا آخر إذا كان ينام في الليل، فضحك هذا منه ساخرًا، وقال: ومن منا ينام في الليل... جاء صوت بعيد بعيد جدًا من أعماق البحر، وهو ينادي: بن علي! بن علي!

أول ما رآهما مصطفى بن عنتر، رئيس المجلس التأسيسي، يدخلان عليه في مكتبه الضيق ضيق زنزانة من الزنازين، صاح بعنترية:

- سنترك الإتلاف إذا لم يستجب لمطالبنا، ولم ينسجم الحكم (لا يقول "الإسلاميون") مع مواقفنا.

- ولماذا لم تتركوه إلى الآن؟ رمى فرانك لانج، وهو يرسم على شفتيه ابتسامة ماكرة.

- سنترك الإتلاف عند أول خطأ يرتكبه الحكم، ولا نستطيع تقويمه، عاد مصطفى بن عنتر يصيح بعنترية.

- السؤال مكرر، عاد فرانك لانج يرمي، وابتسامته الماكرة لا تنقطع عن شفتيه.

- سنترك الإتلاف إذا كانت ممارسات الحكم غير شعبية، قال مصطفى بن عنتر بغضب، وهو يرفع يده في وجه رجل التحري الخاص لئلا يعيد سؤاله اللازمة.

- هناك من يريد أن يبيع خمسمائة يوم من حياته بخمسة يورو، يا سيادة رئيس المجلس التأسيسي، همهمت أبولين دوفيل، ولا يجد مشتريًا.

- كلام كهذا لا يجعلني أشك دقيقة واحدة فيما نفعل، قال مصطفى بن عنتر، وهو يشمخ بأنفه عاليًا. وطلب من ضيفيه: اجلسا، اجلسا رجاء.

احتار الفرنسيان كيف يجلسان في ذلك المكان الضيق، وبصعوبة كبيرة تمكنا من وضع مؤخرتيهما في كرسيين، وكل منهما يضغط ركبتيه على ظهر المكتب. نظر فرانك لانج إلى المصحف المعلق على طرف الحائط من وراء رئيس المجلس التأسيسي، ونظرت أبولين دوفيل إلى رأس المال المعلق على الطرف الآخر، وتبادلا نظرة سريعة، وهما يبتسمان.

أطلق مصطفى بن عنتر آهة مديدة:

- في زمن بن علي كانوا يأكلون، ويشربون، ولكن دون حرية، اليوم هم أحرار، ولكنهم لا يأكلون، ولا يشربون، ولسان حال الشاعر يقول:

أنا لا ثيابٌ عندي

ولا طعامٌ أو شراب

بطني كل أعدائي

فكيف أهزم الأعداء؟

- جميل كل هذا، يا سيادة رئيس المجلس التأسيسي، علقت أبولين دوفيل، وهي تبتسم كزميلها منذ قليل ابتسامة ماكرة.

- لا جميل ولا من يحزنون، نبر مصطفى بن عنتر بعنترية، كل هذا شعر، كلام فارغ، ولا فائدة منه تعود عليّ.

- نحن هنا من أجل إنعاش السياحة، قال فرانك لانج، وهو يدخل في الموضوع مباشرة.

- ونِعم القول، ونِعم القول، ردد رئيس المجلس التأسيسي، وقد نعمت لهجته، والفائدة التي تعود عليّ؟

- بيع الشواطئ للسياح لا يخترق حاجزهم النفسي، قالت أبولين دوفيل، العوم بالحجاب، الصلاة على الرمل، غسل طناجر الطبيخ في البحر...

- وهل هناك طبيخ لتُغسل الطناجر، قذف مصطفى بن عنتر، وهو يقهقه.

- هذه هي الصورة التي لنا عنكم في فرنسا، أوضحت ضابطة الدي جي إس إي.

- ولكن، همهم رئيس المجلس التأسيسي، وقد بدا حائرًا قلقًا، ولكن، الآن وقد توزع التوانسة رمل تونس...

- قل له لانج، طلبت الشقراء الفرنسية من رجل التحري الخاص.

- باستطاعتك أن تفعل لنا شيئًا لانج؟ سأل مصطفى بن عنتر، لنا، لحزبي، لي؟ وقد ذهبت عنه كل عنترية.

- لست جيمس بوند إسلامي، يا سيادة رئيس المجلس التأسيسي.

- أعدك بأن أدرج كل ما تقوله في الدستور، وجد مصطفى بن عنتر نفسه يقول بحماس زائد عن اللازم، وأن أقول إن فرنسا تقف من ورائي أمر هام بالنسبة لنا لحزبي لي في الصراع القائم ومد النفوذ من تبسة إلى سفاقس.

- وإذا لم يستجب الحكم لك؟

- سنترك الإتلاف.

وأطلق ثلاثتهم ضحكة واحدة.

- الواقع أنني لا أملك ما يملكه زميلي من إمكانيات في خدمة صاحبة الجلالة الملكة، همهم فرانك لانج، لو كان هو لأحضر لكم الطعام من السعودية، الشراب (أقصد البيرة والنبيذ) من فرنسا، الثياب من الصين. قولي له أنت كابتن دوفيل.

- مختبرات النانوتكنولوجيا، يا سيادة رئيس المجلس التأسيسي، قالت أبولين دوفيل بلهجة جسيمة، وكأنها تعلن الحرب على التخلف ليس في تونس وإنما في كل بقاع الأرض.

- ماذا؟ همهم مصطفى بن عنتر، وقد صعب عليه الفهم، هذه نظرية جديدة للتاريخ؟

- بل فعل التاريخ من أجل نظرية جديدة، صحح فرانك لانج.

- مختبرات النانوتكنولوجيا في تونس، أوضحت الفرنسية القوية، ستُجري تجاربها على الإنسان بدلاً من المخلل، وتصنع كل شيء من خلاياه العضوية، من الإبرة حتى الفيل، وقصدي بالطبع من الحاسوب حتى القنبلة النووية، وبأبخس الأثمان، وأقلها طاقة. ستكون التضحية بمائتي ألف تونسي سنويًا، هم على أي حال جوعى، في سبيل رخاء البشرية.

- كم سيعود علينا، على حزبي، عليّ من نفع؟ سأل مصطفى بن عنتر بلهجة جسيمة تماثل لهجة ضابطة المخابرات الخارجية منذ قليل.

- تقصد كم سيبقى من التونسيين بعد خمسين عامًا؟ لا أحد.

- إذن ما فائدة مثل هذا رخاء؟

- الموت مجانًا ليس أفضل.

- لكنه باهظ الثمن، موتنا، موت الحزب، موتي.

- لا بد للتطور من ثمن يدفعه أحدهم.

- هذا التطور أنا أرفضه.

- ربما كان لديك الحق، لكننا لا نستطيع رفض التطور.

- سيتطور بلدي، وسيفقد روحه.

- بعد خمسين عامًا.

- نعم، بعد خمسين عامًا، جمجم رئيس المجلس التأسيسي حائرًا، وهو يحسب على أصابع يديه، ويهمهم: خمسون عامًا ستمضي بسرعة قبل أن أتمكن من سحب البساط من تحت قدمي "أبي العباءة".

- خمسون عامًا شيء كثير في زمننا، زمن تنعدم فيه التنمية، وتدق بنوكه الصواعق المالية، الخمسون عامًا تعادل خمسون ألف عام.

داخ مصطفى بن عنتر، وضع وجهه بين كفيه، ومال على نفسه، سمعاه كمن ينشج، فرأفت به الشقراء الساحرة:

- سنتركك لتفكر في الأمر، قالت أبولين دوفيل، وهي تنهض من مكانها بصعوبة.

- لتفكر في الأمر جيدًا، وليس في الإتلاف، قال فرانك لانج، وهو ينهض من مكانه هو الآخر بصعوبة.

وهما على الباب سمعاه يهمهم:

- ندعو الله أن يحقق لنا ما نطلب، ما يطلب الحزب، ما أطلب، وأن يعيننا، أن يعين الحزب، أن يعينني على تجاوز أزماتنا، أزمات الحزب، أزماتي.

القسم الرابع

صرخ الشيخ، وهو يضرب على ظهر ماجد الغنوجي، رئيس الإسلاميين، المنحني على مكتبه، في بنطاله الأسود وقميصه نصف الكم الأبيض:

- أخرجي، يا عدوة الله!

فلم تخرج.

أعاد الشيخ بصوت أكثر جسامة، وهو يضرب على ظهر ماجد الغنوجي بأكثر قوة:

- أخرجي، يا عدوة الله!

فلم تخرج.

وللمرة الثالثة، صرخ الشيخ بأقصى ما يستطيع عليه، وهو يضرب على ظهر ماجد الغنوجي بأقصى قوة:

- أخرجي، يا عدوة الله!

فكان رد فعل رئيس الإسلاميين أن صاح: آي! واعتدل واقفًا، وهو يأمر:

- يزي!

تسلق الشيخ كتفيه، وراح يتلو:

- بسم الله الرحمن الرحيم، الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات الى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور الى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون .

- يزي! يزي! نبر ماجد الغنوجي بغضب، وهو يدفع الشيخ بعيدًا عنه.

- ولكن سيدي... تأتأ الشيخ.

- يزي! يزي! يزي!

- يزي سيدي.

- أيها الفاقد للرشد! كيف يخرجونهم من النور إلى الظلمات وهم في الظلمات؟ لهذا ليلى طرابلسي لا تريد أن تخرج من كرشي. أخرج!

- داكوردو سيدي.

ولم يخرج.

- قلت لك اخرج، اذهب إلى الجحيم!

- ماذا لو عضضتك سيدي؟

- ماذا لو فتحت رأسك؟

- وعلى كل حال، اللطافة لا تساوي شيئًا سيدي، وهي لا تأتي إلا بما هو ليس طيبًا.

- اخرج بسرعة، أيها الشيخ الضال، أيها الشيخ الدجال، صاح رئيس الإسلاميين بأقصى غضب، وهو يرفع يده يريد ضربه، فسارع الشيخ بالتوجه نحو الباب، وماجد الغنوجي يقول من ورائه: دع الفرنسيين يدخلان، وقل لهما ألا يطيلا البقاء، فلدي برشة من المواعيد والأشغال التي لا تعد ولا تحصى.

أخذ ماجد الغنوجي مكانًا على مقعده الوثير، وفوق مكتبه الضخم ملفات لا تعد ولا تحصى. على الجدار من ورائه، كان هرم من الصور المؤطرة لأسماء مكتوبة بالأحرف الكوفية المذهبة. في قمة الهرم كان اسم الله في قلب الأنوار، وتحت على اليمين اسم محمد، وعلى اليسار اسم أبي بكر، وتحت التحت على اليمين اسم عمر، وعلى اليسار اسم عثمان، وتحت تحت التحت على اليمين اسم علي، وعلى اليسار اسم ماجد، الذي هو ماجد الغنوجي، زعيم الإسلاميين. لكن ما كان يلفت انتباه الناظر إلى ماجد، أن الاسم كان كالله في قلب الأنوار. مسح ماجد الغنوجي لحيته القصيرة عدة مرات، وتنحنح عدة مرات، التفت إلى العلم التونسي على يمينه، وإلى علم جبهته بسوبرمانه الإسلامي على يساره. عاد يتنحنح عدة مرات، ويمسح لحيته عدة مرات. تطلع إلى الباب، وهو يستقيم بنصفه الأعلى متعاليًا، وفطن فجأة إلى صورته في كادر أمامه. رفعها فوق أعلى رزمة من الملفات، وأدارها بحيث يقع الزائر عليها أول ما يقع. كان يبالغ في الابتسام لدرجة تبرز معها ناباه بروز مصاصي الدماء، بينما تحيط به سلسلة من الجماجم.

- أفهم من وجودكما ما بيننا، بدأ رئيس الإسلاميين الكلام، بعد أن سلم عليهما بحرارة، وأجلسهما في مقعدين مريحين، مريحين جدًا، وجود كابتن دوفيل على الخصوص، أن فرنسا التي كانت في البداية تريد تقديم يد العون اللوجستي والخبراتي والمخابراتي لبن علي كي يقمع الثورة قد بدلت موقفها. أمس كانت تقف إلى جانب النظام، اليوم تقف إلى جانب الشعب.

- إلى جانب الشعب، همهمت أبولين دوفيل، ليست هذه هي الحقيقة، أو، على الأقل، ليست هذه كل الحقيقة.

- حقًا دومًا ما كانت للتاريخ حقيقتان، رد ماجد الغنوجي، وهو يبتسم ابتسامة واسعة، ولكننا نحن، أصحاب اللحى كما يسموننا، نحاول أن نتجاهل ذلك.

- التاريخ يخدع أحيانًا كالمرأة الشبقة التي تسعى إلى قضاء غرضها بشتى الوسائل، قال فرانك لانج، وأول الوسائل الخداع.

- تريد القول الرجس؟ في هذا الرجستر، لا تخف علينا، نحن والتاريخ أبناء عم، نثق به، ويثق بنا.

- لو كان ابن خلدون هنا... رمى فرانك لانج، وهو يلتفت نحو أبولين دوفيل، ويبتسم، وأبولين دوفيل ترد على الابتسامة بالمثل، بينما ماجد الغنوجي يعبس دون أن يفهم شيئًا. لو كان ابن خلدون هنا لقال هذا لأنكم لا تفرقون بين العصبية (إخونجية فيما بينكم) والمُلك (الحكم).

- لهذا نعجز عن تسيير البلاد تريد القول؟ نبر زعيم الإسلاميين بضيق. اسمح لي أن أقول لك إننا قادرون على تسيير البلاد، أولاً لأن لا أحد ينافسنا في الحكم، ثانيًا لأن الحكم حكمي، ثالثًا لأن الحكم مصالح، ونحن كل المصالح، حتى التي لغيرنا هي لنا، رابعًا لأن لا حسابات شخصية لنا، ونحن كل الحسابات الشخصية، خامسًا لأن التسلق على الحبال الفرنسية كالأمريكية كالروسية كالصينية كالشيطانية نتقنه تمامًا.

- أستاذ ماجد الغنوجي، لماذا لم تأخذ كرسي رئيس الجمهورية؟ سألت ضابطة المخابرات الخارجية دون لف أو دوران.

- بكل بساطة لأن الحكم من الخارج خير ألف مرة من الحكم من الداخل، تكون لك الحرية المطلقة، اليد الطولى في الخفاء.

- لو كان ابن خلدون هنا، همهمت بدورها أبولين دوفيل، وهي تبتسم، ويبتسم معها فرانك لانج.

- لو كان ابن خلدون هنا، صرخ زعيم الإسلاميين كمن فيه مس، لقال لك إن الناس مقتنعون بأنني هنيبعل الذي حررهم من براثن الرومان، المهدي الذي عاد ليقيم العدل، سوبرمان الذي سينقذ البلاد.

وصمت مفكرًا، وهو يكبس شفتيه بسبابته تحت أنفه، فتبين كشارب هتلر. ولما طال تفكيره أكثر من اللازم، ألقى فرانك لانج:

- ستنقذ البلاد بتجارة بنات الهوى؟

- تجارة بنات الهوى حاشاك، فعل كهذا في ظرف تونس المزري الحالي فعل ثوري، رد ماجد الغنوجي متباهيًا.

- ثوري، ولكن لا أخلاقي، همهمت أبولين دوفيل.

- نظفنا شوارع تونس منهن، وتقولين "لا أخلاقي"! نبر زعيم الإسلاميين بشيء من الحقد.

- وكرامتهن؟

- لا كرامة لنبي في قومه.

- تجارة بنات الهوى ليست الحل، همهم رجل التحري الخاص.

- الحل هو الإسلام، طن زعيم الإسلاميين.

وبعد ذلك، وهو يكبس شفتيه بقلم أسود معترفًا:

- فعل كهذا في ظرف تونس المزري الحالي فعل جهنمي.

رفع رأسه إلى قمة هرم الصور من ورائه، وبعد إشارة كسولة من يده، همهم:

- كل شيء بيد الله.

- لا يد لله في كساد السياحة، أستاذ ماجد الغنوجي، قالت ضابطة الدي جي إس إي.

- الأشغال لا تمشي، ولكن لا أحد يموت من الجوع، تمتم ماجد الغنوجي. التوانسة يضحكون، وهم يبدون سعداء.

- يلعن دين، أستاذ ماجد الغنوجي، هل أنت في كامل قواك العقلية؟

- لا، أجاب ليفاجئ التحريين الفرنسيين. وبشيء من الشيزوفرينية: أنا الدولة والدولة في الدولة!

- ماذا؟ صاح فرانك لانج وأبولين دوفيل معًا.

- إنها ليلى طرابلسي، همهم ماجد الغنوجي يائسًا.

- ليلى طرابلسي الدولة في الدولة؟ عاد التحريان الفرنسيان يصيحان.

- لهذا أنا هويتان، اعترف زعيم الإسلاميين. مشروع التجارة "بالحريم" هي.

نهض من وراء مكتبه، وبدأ يصرخ:

- أهلاً وسهلاً بالمحجبة وبغير المحجبة!

ثم:

- غير المحجبة إلى الجحيم وبئس المصير!

سمعا صوتًا أنثويًا يخرج من فمه قائلاً:

- أيها الغبيّ، يا ابن عليّ!

ثم بصوته:

- كنت في شبابي أحب البيتلز وأكره أزنافور لهذا غدوت ما غدوت، ولكن لو كنتُ ممتلَكًا من طرف ملكة الإنجليز لأبقيتها في بطني يومين، وطردتها شر طردة. لماذا؟ لأنها ديمقراطية فوق اللازم.

- ولو كنتَ ممتلَكًا من طرف كاتي؟ سألت أبولين دوفيل بمكر.

- لو كنتُ ممتلَكًا من طرف كاتي لأبقيتها هي الأخرى في بطني يومين، وطردتها شر طردة. لماذا؟ لأنها لطيفة فوق اللازم.

- ودايانا؟

- طوال العمر. لماذا؟ لأن لها روحًا شيطانية كروحي.

تناول أحد الملفات، وأخذ يمزق ما تحتوي عليه من مشاريع بيد عصبية، وهو يرتعش كله، ويجمجم كلمات غير مفهومة تحت النظرات الدهشة للفرنسيين.

- كل هذه المشاريع لا تحول دون كساد السياحة مصدر رزق تونس الوحيد، صاح ماجد الغنوجي، وهو يلهث.

- ومشروع الكابتن دوفيل؟ سأل فرانك لانج.

- مختبرات النانوتكنولوجيا؟

- من أجل تطور تونس والعالم، سارعت أبولين دوفيل إلى القول.

- نحن نرفض مشروعك، كابتن دوفيل، قال الرئيس اللارسمي لتونس بلهجة قاطعة، ونفضل الإبقاء على تخلفنا، وإذا بالصوت الأنثوي يخرج من فمه محييًا: أيها الذكيّ، يا ابن عليّ!

ثم بصوته:

- نحن نفضل البقاء على تخلفنا أحياء جوعى على تطورنا أغنياء موتى. ونحن على كل حال لا نفكر في ترك السلطة لمجانين العلم، التوانسة يعجبهم مجانين الدين. لماذا؟ ليصبروا على ما هم فيه. يحلمون كثيرًا، التوانسة، ويحبون من يجعلهم يحلمون. الجنة التي لنا لهي نار السياحة، لهذا يحتمل التوانسة كل شيء، ويأملون، لهذا جاءوا بنا، وسيبقون علينا إلى يوم القيامة. لو كان ابن خلدون هنا لقال لك إننا فهمنا جيدًا بسيكولوجية شعبنا.

- قولي له كابتن دوفيل، طلب رجل التحري الخاص من ضابطة الدي جي إس إي.

- فرانك لانج يحلم كثيرًا كالتوانسة، همهمت أبولين دوفيل، ولكنه يحلم أحلامًا أخرى مختلفة.

- أستاذ ماجد الغنوجي، خاطب رجل التحري الخاص الدولة والدولة التي في الدولة، لتعود السياحة إلى ما كانت عليه من ازدهار يجب اختراق الحاجز النفسي للسياح، وهذا لن يتم عن طريق بيع الشواطئ لهم، فلا ضمان هناك، والعوم بالأحجبة كابوس الكوابيس الذي سيظل يطاردهم.

- أنا الضمان، ألا يكفي هذا، هتف زعيم الإسلاميين.

- مع الأسف لا يكفي.

- إذن ما هو الضمان الذي يريدونه؟

- لو كان ابن خلدون هنا لقال لك "الكازينوهات".

- الكازينوهات؟

- الكازينوهات هي ضمانكم لدى السياح، تدخلت أبولين دوفيل.

- إلحاق الكازينوهات بالفنادق هذا يعني أن تونس تغض الطرف عن "القمار" كما تغض الطرف عن العوم بالمايوهات البيكيني، شرح رجل التحري الخاص، عند ذلك يتم اختراق الحاجز النفسي لدى السياح، وتعود حركة السياحة إلى ما كانت عليه.

هجم ماجد الغنوجي على فرانك لانج، وأخذه في أحضانه، وكذلك فعل مع أبولين دوفيل.

- لاس فيغاس! همهم الصوت الأنثوي مسحورًا.

ثم بصوته:

- أين الثريا من يد الراغب؟ موافق. مصالح الوطن فوق كل شيء! ولكن الزيرو كرواسانس الذي تعانونه؟

- الزيرو كرواسانس الذي نعانيه عندما يتعلق الأمر بالكازينوهات لن يعود ذا أهمية، أوضح رجل التحري الخاص، فالمال يأتي بالمال.

- ومتى نبدأ؟ أجيبا! عَجِّلا!

- في الحال، قالت أبولين دوفيل، وهي تفتح هاتفها المحمول، وتخاطب الدي جي إس إي، وبعد عدة دقائق، أغلقت، ونقلت: كل شيء على ما يرام، سيتم الاتصال بالبنوك والشركات ورجال الأعمال، وخلال عدة أسابيع، تكون آلات اللعب في طريقها إلى تونس، مع حملة دعائية لا سابق لها في كل أنحاء العالم.

*

عاد السائق ذو اللحية الشقراء بفرانك لانج وأبولين دوفيل في سيارته المرسيدس السوداء إلى شقة نزيهة الشابي، وهما على رصيف العمارة المنتزهية، طلبا منه الانصراف، لكنه قال إنه سينتظرهما، ولم يعرفا لماذا. فوق، وجدا باب الشقة محطمًا، ولم يجدا رئيسة جمعية المعلمات. نزلا الطوابق الأربعة ركضًا، وأمام عدة ابتسامات متتالية للسائق، ركبا السيارة المرسيدس السوداء من جديد، وذهبا بحثًا عنها أول ما ذهبا إلى وزارة الداخلية، ليجدا كولونيل الوحدة الخاصة في مكتبه، وهو يلعب مع كلبه منبطحًا على الأرض. قال لهم إن المتظاهرين جاءوا، وحرروا كل الموقوفين. ومن عنده، ذهبا إلى الجولاج، ليجدا بوابته محطمة، وأسلاكه الشائكة مهدمة، ولا معتقل هناك، بينما مدير الجولاج يقضم الجماجم في مكتبه، ويضرب بكعبه الأرض. قال لهما إن المتظاهرين مروا من هنا، وأطلقوا سراح كل المعتقلين. في مستشفى الأمراض العقلية، وجدا كل شيء مفتوحًا، والمدير لم يكن هناك. لكن الممرضة أخبرتهما أن لا أحد من مجانين المستشفى أراد مغادرته من الخوف، وأن كل الحالات تفاقمت. جعلتهما ينظران من باب مزجج إلى قاعة مليئة بهم، وهم في عزلة تامة، فرأيا صاحب السجائر، وكل السجائر مشتعلة، وهو ينفخها، وصاحب المرآة يريد الدخول فيها، وصاحب البذلة العسكرية، وهو لا يتوقف عن قطع القاعة طولاً وعرضًا مرددًا: الغنوجي! الغنوجي! الغنوجي! ومن يمشي على يديه يريد المشي على رأسه، ومن يرتدي الحجاب يريد اقتلاع ثدي المرأة كلما كشفت عنه، وإلصاقه على صدره، وهذه تبكي بدلاً من أن تقهقه، ومن تمشط شعر الأخرى بوحشية تشدها منه بوحشية، ولبنى بن عثمان تركع، وهي في ثياب راقصة من راقصات الكباريه، وتصلي... عندما خرجا يائسين، ذهب بهما السائق ذو اللحية الشقراء إلى إسطبل خارج تونس. أشار إليه، وقال لهما:

- هناك نزيهة الشابي.

وبالفعل وجداها في الإسطبل، وهي تضاجع حصانًا عارية تمامًا، فبعد أن اغتصبها رجال البوليس السري، تركاها لتغتصبها الخيول. استقبلتهما ببرود، وصاحت بهما:

- لماذا أتيتما؟

- لا تغضبي، يا حبيبتي، همهمت أبولين دوفيل.

- بل سأغضب أكبر غضب، عادت نزيهة الشابي تصيح، ماذا تظنانني؟ قاصرًا كما كان يظن أبي؟

- كنا قلقين عليك، همهم فرانك لانج.

- أنت اسكت أحسن لك، رمت في وجهه، لا تقلق عليّ، أرجوك، لست أختك القحبة.

- نزيهة، يا حبيبتي، ماذا دهاك؟ ابتهلت الساحرة الفرنسية، وهي تحاول شدها إلى صدرها.

- ابقي حيث أنت، أمرتها الساحرة التونسية، من الأفضل أن تأخذي لك حصانًا تضاجعينه. الخيول هي هكذا، تحبنا أكثر منا، وهي لهذا تعمل على إشباعنا لأعوام.

- مدموزيل شابي، رجاها رجل التحري الخاص، لنذهب من هنا.

- أنا من سيذهب، قالت نزيهة الشابي بغضب، وحدي مع عاري.

امتطت الحصان الذي كان يمتطيها، وانطلقت، والفرنسيان يلحقان بها في السيارة المرسيدس السوداء حتى أطراف الصحراء، هناك حيث اخترق الحصان بفارسته السراب، وغاب عن الأنظار.

*

في عالم السراب، وجدت نزيهة الشابي نفسها، وهي ترتدي ثياب هنيبعل الحربية: السترة المزردة والتنورة المزردة، بينما تضع على رأسها القبعة الحديدية، وبيدها السيف الفضيّ. كانت تمتطي فيلاً، وتجر إلى جانبها حصانًا، وتسير من أمام جيش عرمرم لقتال الأشرار.

- الأشرار يحيطون بتونس من كل مكان، من البحر، ومن البر، صاحت هنيبعلة بجنودها بعد يوم وليلة من السير، إذا غلبناهم في البحر غلبناهم في البر، ولكن كيف نغلبهم، وعددهم يفوق حبات الرمل؟

- بالإرادة، صاح جندي.

- بالإيمان، صاح جندي ثان.

- بالشجاعة، صاح جندي ثالث.

- بالحيلة، أكدت هنيبعلة.

جعلتهم يضعون المشاعل في الليل على قرون الأغنام، ويطلقونها كي يظن الأشرار أن جيش هنيبعلة يولي الأدبار، فيلحقون به، وبدورها تلحق هنيبعلة بهم، وتقضي عليهم، لكن الحيلة لم تنفع. بقي الأشرار في أماكنهم، ولم يتحركوا. أحرقت هنيبعلة الصخور، وفتتتها بصب النبيذ عليها، فلم توهم الأشرار بقوتها. بقوا في أماكنهم، ولم يتحركوا. جعلت جنودها يرتدون أجساد سمك القرش، فكانت النتيجة أكبر كارثة، ذبحهم الأشرار كلهم عن بكرة أبيهم، وأرسوا سلطتهم.

بعد قرون من عالم السراب، وجدت نزيهة الشابي نفسها، وهي ترتدي ثياب المهدي، ثياب القاضي العادل: العمامة البيضاء والقفطان الأبيض والخف الأسود، بينما تحمل تحت إبطها كتاب العدل، وبيدها ميزانه. كانت تجلس على مصطبة مرتفعة في السوق، ومن أمامها جمع لا يعد ولا يحصى من المظلومين.

- المظلومون في كل مكان من تونس، في البحر، وفي البر، صاحت المهدية بالناس بعد انتظار للحكم طال، إذا أنصفناهم في البحر أنصفناهم في البر، ولكن كيف ننصفهم، وعددهم يفوق حبات الرمل؟

- بالنزاهة، قال مظلوم.

- بقوة البصيرة، قال مظلوم ثان.

- بالعدل، قال مظلوم ثالث.

- بإدانة الظالم، أكدت المهدية.

جعلتهم يذهبون إلى بيوتهم ليدينوا الظالم فيها، فلم يفلحوا، وإلى أحواشهم، فلم يفلحوا، وإلى مدنهم، فلم يفلحوا، وكانت النتيجة أكبر كارثة، تفاقم الظلم، وازداد عدد المظلومين.

بعد قرون أخرى من عالم السراب، وجدت نزيهة الشابي نفسها، وهي ترتدي ثياب سوبرمان الفنتازية: الكاب الأحمر والطقم الأزرق، بينما تربط جبينها بجوهرة خضراء من كريبتون، وتضع في إصبعها خاتم الرئيس المخلوع. كانت تطير فوق رؤوس الناس، والناس يرفعون رؤوسهم إليها.

- الوضع مزر في كل مكان من تونس، في البحر، وفي البر، صاحت السوبرمانة بالتوانسة، وهم كلهم أمل ورجاء، إذا وضعنا حدًا له في البحر وضعنا حدًا له في البر، ولكن كيف نضع حدًا له، وهو متغلغل في أعماق الرمل؟

- بالقوة الخارقة، قال تونسي.

- بالقوة الخارقة، قال تونسي ثان.

- بالقوة الخارقة، قال تونسي ثالث.

- بالقوة الخارقة، أكدت السوبرمانة.

كان على البطلة الجبارة أن تنجز عملها خلال قرنين أو ثلاثة من عالم السراب، لم يعد هناك أشرار، ولم يعد هناك مظلومون، غدت الحياة مونوتونية لا طعم لها ولا روح، فغادر التوانسة عالم السراب واحدًا واحدًا. ومرايا السراب تبتعد مع تقدم السيارة المرسيدس السوداء، وقع فرانك لانج وأبولين دوفيل على نزيهة الشابي، وهي تنام تحت صخرة عارية، دومًا عارية، كالجنين. حملها رجل التحري الخاص بين ذراعيه، وجاءها السائق ذو اللحية الشقراء بسترته التي ألبستها إياها ضابطة الدي جي إس إي، ولفتها، وهم في السيارة، بذراعها، قبل أن يعودوا إلى حاضر تونس.

للمتابعة اذهب الى الصفحة الثالثة / انقر التالي ادناه

أضف تعليق


للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.