اخر الاخبار:
اخبار الدراسة السريانية - الأحد, 07 تموز/يوليو 2024 19:10
الموسيقار باسم حنا بطرس في ذمة الخلود - الخميس, 04 تموز/يوليو 2024 17:06
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

ألمكتبة

بؤر الصراع التاريخي في المجتمع العربي عامة والعراقي خاصة// يوسف زرا - صفحة3

 

10- الوطنية والـ...  Expire

من المعلوم لدى شخص متعلم، وحتى إن كان تحصيله العلمي لا يتعدى المرحلة الابتدائية. بان جميع المواد العضوية والنباتية والكيماوية خاضعة للاستعمال والاستهلاك لمدة معلومة وفق فحص مختبري مسبق وتاريخه مثبت على كل بضاعة، سواء كانت غذائية أو أدوية طبية وغيرها. وإنها صالحة للتناول ضمن الفترة المحصورة ما بين تاريخ إنتاجها إلى تاريخ فقدان قيمتها الغذائية أو الدوائية المثبتة عليها.

وكثيرا ما نسمع ونشاهد ونقرأ عبر وسائل الإعلانات الفضائية والإذاعات والصحف المحلية، بان الوزارة المختصة بالمواد الغذائية أو الطبية، قد تمكنت من التأكد أن كذا أطنان من المواد المذكورة والمنتجة محليا أو المستوردة، بأنها كانت غير صالحة للاستعمال البشري وحتى الحيواني بسبب انتهاء الفترة الزمنية المحددة لها مختبري أي (الـ (Expire  انتهى.

ترى. هل يمكن المقارنة بين ما ورد من انتهاء قيمة المواد المذكورة في المقدمة أعلاه، وبين مفهوم الوطنية (كهوية مقدسة) وفقدان خصائصها عبر المسيرة الطويلة للتيارات السياسية العاملة في وطننا عراق الحضارة،  والمتحكمة بالواقع المعايش وصاحبة النفوذ الأكبر والأقوى، ومدى إمكانية تشخيص إن مناهجها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية و. و. و. قد أصبحت غير صالحة لقيادة هذا الشعب منذ عقود من السنين. ولم يمض يوما واحدا من حياته الخاصة والعامة دون أن يصل صراخه ونحيبه إلى أذان جميع من في الحكم والى السياسيين المعنيين، من جراء هول الانفلات الأمني وفعل الإرهاب المنظم وبهوية جرميه معلومة لدى الجميع. إلى جانب الفساد المالي والإداري المستشري في جميع مرافق الدولة وبدون استثناء. وقد عجز المواطن وحتى البسيط منه من كثرة تبجح الأجهزة الأمنية الرسمية بوضع حد للأعمال التي تقوم بها تلك الزمر. والمدعومة من الداخل والخارج ومنسوبة بشكل مكشوف إلى هذا التكتل والفصيل السياسي والمذهبي والى ذاك وبدون رادع ملموس. غير ما يقال في كل يوم باعتقال كذا عصابات من التي قامت بتفجيرات في المدينة الفلانية أو في الحي الفلاني. لا بل طال العمل الإرهابي أخيرا حتى الوزارات السيادية مباشرة كالعدل وغيرها. وما يسقط من جرائها العشرات من الأبرياء من النساء والرجال والأطفال فيها بين قتيل وجريح، عبر الاغتيالات الفردية والجماعية منها لرجال السياسة والوطنية.

وثاني يوم يصبح كل شيء في خبر كان وطي النسيان وتسدل الستارة على أي تحقيق نزيه.

ألا يعني هذا إن الجهات الأمنية المعنية يجب أن تقر بأنها أصبحت غير قادرة على معالجة الوضع المتردي، وحماية أبناء الشعب البائس وأسبابه مكشوفة، ومنها الصراع بين الكتل المتنفذة على كراسيالحكم والاستئثار بالسلطة، والإصرار على تهميش وإقصاء الغير من الأطراف السياسية للحركات والأحزاب الوطنية الديمقراطية التقدمية والأقل نفوذا. دون أن تعترف هذه الأجهزة بفشلها لا بل بأنها أصبحت خارج الصلاحية الشرعية للمسؤولية الوطنية، كتلك المواد الغذائية والطبية التي فقدت قيمتها ومدة استعمالها. وأصبحت كالسم القاتل لا يمكن تناوله ابدا.

وبمعنى إن الـ Expire) الوطني) لها مع (الاعتذار) قد انتهى منذ مدة طويلة وأصبح مرفوضا وغير مقبول حتى من غالب الأنصار والمقربين لهم.

فأيها السادة داخل السلطة وخارجها. إن كفاءة وصلاحية المحاصصة الطائفية والمذهبية وحتى القومية المغلقة قد نفذت وأصبحت خارج الخدمة الوطنية إن لم تكن عدوة الوطن.

وإلا...!!! فالحرب الأهلية آتية فعلا إن لم تكن قد بدأت بشكل واقعي بعد سقوط النظام في 9/4/2003. وتتجاهلونها عمدا. فان المخاض الدموي الرهيب المتفجر في كل من سوريا المجاورة ومنذ سنتين حصرا ومصر وليبيا وتونس وغيرها من الدول العربية. وبالتسمية التهكمية للدول الغربية بـ (الربيع العربي). فانه تيار جارف وان وصل سيله إلى الوطن … وكاد أن يعبر الحدود عدة مرات ومشخص من قبل جميع الجهات المعنية وغير المعنية ومن قبلكم بالذات. وما سيحمله من الخراب والدمار الشامل على ارض العراق.

أيها السادة.. انه مخاض لا يفرق بين الإنسان والحيوانإن كان الشعب العراقي قد سلم أمره لكم انتم كقيادات سياسية وبدون استثناء. أليس المطلوب من الجميع إعادة النظر بكل جدية وصدق الوطنية ووفق ما تمليه عليكم الإرادة المخلصة والنزيهة. والجلوس معا واحترام حق ومصير هذا الشعب بالعيش الكريم في ضل نظام جمهوري وديمقراطي تعددي وبكل مكوناته الاجتماعية امن ومزدهر. هذا الشعب الذي امن بكم حين أوصلكم عبر صناديق الانتخابات إلى كراسي الحكم، وان كانت مرحلة غير ناضجة ولا مستوعبة المفهوم الديمقراطي ورضي بالواقع كتجربة ضرورية ومهمة في الحياة السياسية.

فان مد اليد لبعضكم تحت خيمة هذا الوطن لا بد منه قبل فوات الأوان وان التاريخ لا يرحم أي كان.

يا سادة الحكم والسياسة فلا خيار لكم إلا بتسليم الأمانة لغيركم ممن لازالت الوطنية الصادقة تسري في شرايينهم. وعليكم التنحي جانبا وبدون أية جعجعة وقرقعة السلاح يا كرام إن لم تمدوا أيديكم لبعضكم تحت خيمة هذا الوطن.

22/3/2013

11- من المحاصصة الطائفية الى المحاصصة العشائرية

تأكد من خلال مسيرة الكثير من الشعوب، انه في حالة تخلف القوى الاجتماعية ذات الوعي السياسي والثقافي النوعي عن قيادة المجتمع في عملية التغيير والتقدم في كافة مفردات الحياة اليومية المهمة والضرورية، فلابد ان تدور عجلة حركة المجتمع في اتجاه آخر بغية سد الفراغ وتولي المسؤولية التاريخية البديلة عن القوى السياسية المذكورة أعلاه. ويكون انطلاقا من موقع الضعف والوهن الذي أصاب تلك القوى، والحجة القاطعة للفئة الجديدة عدم استوفاء وتحقيق التغيير الضروري في البنية التحتية الاجتماعية المسحوقة. والتي تمثل في كل مكان وزمان أكثر من ثلاثة أرباع المجتمع وهي حجة دافعة ولا شك فيها.

وهنا يجب عدم التهرب من قول الحقيقة وما ينطبق على واقع الشعب العراقي المأساوي الذي يعيشه من جراء التخبط الحاصل في العملية السياسية منذ عقد مضى.

      فان اية عودة بخطوة ولو واحدة الى الوراء في المستوى الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والصحي. سيكون بمثابة الانتحار لمفهوم حركة المجتمع وفقدان جميع المكاسب والحقوق الأساسية لجميع المكونات الاجتماعية عبر قياداتها التي تمثلت في تحمل المسؤولية الوطنية خلال هذه الفترة غير المنضبطة لزعماء الكتل السياسية المتصارعة فيما بينها.

      وان ما آل إليه الشعب العراقي منذ سقوط النظام السابق في 9/4/2003 ومن جراء التصادم الحاد بين أهداف تلك الزعامات والتي انصبت أهدافها في جني الأرباح المادية والتنافس على كراسي الحكم السيادية وغير السيادية. والمتاجرة بالمبادئ السياسية ذات الصبغة المذهبية والقومية، واستغلال الفرصة المناسبة للزعامات المذكورة لتكريس التوجه الطائفي والمذهبي والقومي. وما أفرزته ظاهرة التطرف لبعض أجنحتها وأدى إلى تعميق الخلاف وزيادة التباعد فيما بينها. عدا عدم إعطائها أهمية الوضع الأمني المنفلت والطابع الإرهابي اليومي، غير التدهور الاقتصادي من جراء استفحال وطغيان ظاهرة الفساد المالي والإداري وبشكل مكشوف، لاختفاء الرادع الأخلاقي والاجتماعي وتلاشي سلطة القانون.

      ولم يعد بمقدور أية كتلة سياسية من المتحكمة بالأجهزة الرئيسية لمؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية والقضائية بوقف تفكك تماسك نسيجها الاجتماعي والسياسي والوطني. إلى جانب استثمارها العشوائي للمفهوم الديمقراطي السياسي لصالحها الذاتي ككتل بأهداف سياسية وحزبية ضيقة ولمنفعة غالبية الشخصيات الرئيسية. وفي طليعتها الوزراء والنواب ووكلاء الوزارات والمدراء العامون وغيرهم وبرواتب خيالية.

واذا كانت الشريحة العشائرية قد تمكنت من صد عجلة التطور للحياة وإزاحتها من المجتمع العراقي المدني والريفي بهذه النسبة أو بتلك وخسر الشعب العراقي ما تبقى من المكاسب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فإنها كانت ولازالت متربصة بالوضع العام وتعمل كخلايا سياسية نائمة ضمن البنية التحتية الاجتماعية العريضة.

      وفعلا هذا ما خلفته المحاصصة الطائفية والتي سهلت لقوى الردة من الرجعية الداخلية وبإسناد مكشوف من الخارج، وديمومة الصراع المستميت والقاتل على كراسي الحكم وكأنها طوق النجاة لهم رغم علم الجميع بذلك.

      ان هذه السياسة أدت إلى الفوضى العامة في جميع مرافق الحياة، وجعلت الشعب العراقي بكل فصائله الاجتماعية والسياسية وحتى الدينية، يفقد القدرة على معالجة الوضع الصعب. وحتى إلى إيصال نداء العقل إلى كل الكتل والزعامات المعنية والمسؤولة عن ذلك وعن المصير المجهول من جراء المحاصصة الطائفية المقيتة.

      فها هو الميدان السياسي والاجتماعي في عموم الوطن قد نهض نسبيا بعقلية قبلية عشائرية وبشكل شبه متماسك وخاصة في محافظات المنطقة الغربية والوسطى، وسببه الخلل الذي حصل في التوازن بين المكونات الاجتماعية والسياسية لكل الشعب العراقي. والتي كانت ظاهرياً صاحبة النفوذ الأوسع خلال أكثر من جيلين على ارض الواقع وخاصة بعد ثورة 14 تموز 1958 وما طرأ من التغيير في القوانين التي كانت سائدة في العهد الملكي لصالح كبار الإقطاعيين، ولازالت وبقيت إلى هذا اليوم تحاول ان تثب وثبة الأسد على كل المكاسب الشرعية التي حققتها الثورة المذكورة ومنها قانون الإصلاح الزراعي رقم 30/1959 وقانون النفط رقم 80/1960 وغيرها، والخروج من المعاهدة المركزية (حلف بغداد) ومن منطقة الإسترليني المالية. فما بالكم أيها السادة في السلطة وخارجها. إذا حلت قوى الردة المنظمة والتي قد تستغل الخيمة العشائرية بدلاً من المحاصصة الطائفية. فماذا سيكون مصير كل القوى السياسية الوطنية والاجتماعية وانتم مقدمتها؟.

      فالعشائرية قادمة وطلائعها مطروحة في حملة الانتخابات الحالية لغالبية مجالس المحافظات. وهي مقتنعة بأنه لا مجال بوضع حد للفوضى الطليقة ما لم تتولى هذه الطبقة المبادرة لإزاحة كل ما يعترضها. وقيادة المجتمع حسب منهجها ورؤيتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ولا بديل لغيره أنياً ومستقبلاً.

      علما ان الاستعمار البريطاني بعد احتلال العراق في عام 1914. كان قد طرح مسودة قانون للنظام العشائري عام 1918 والذي ظل نافذا مفعوله لغاية ثورة 14/ تموز/ 1958. وثم الغي. والغاية منه كان لدعم النظام الملكي بتكريس النفوذ الاجتماعي القبلي حصراً باسم قانون العشائر. وحسب رؤية حكام الاستعمار البريطاني حينه. وأصبح ذلك القانون مدعوما رسميا بدستور الدولة العراقية الصادر عام 1925 وفق المادة 114 منه.

فما رأيكم أيها السادة ونحن نمر في الذكرى العاشرة لاحتلال العراق ؟...

9/4/2013

12- رفقاً بالحاضر أيها المتراشقون للبعض

قال احدهم – لو سُئل الأموات عن التاريخ لكفروا به...

لماذا... وما ذنب التاريخ ليُنبذ ويهان بهذا الشكل المريب... أليس من صنع الإنسان ؟ وهل التاريخ كائن حقيقي حي ؟ أم رمزٌ معنوي لا دخل له في أية حادثة او فعل وقع لسبب ما. وانه مخزون بلا أبعاد وميدان بلا مقاييس، تتراكم فيه كلما يجرف سيل الحياة لجميع الكائنات الحيَّة وفي مقدمتها الإنسان.

أيحق لأي كان أن يضع التاريخ على منصة التشريح ويبدأ يفكك مفاصل هيكله العظمي مفصلاً مفصلاً ويتصرف بها كما يشاء ؟

أم يحق لأي كان أن ينسب التاريخ لنفسه، ولا يعلم بأنه عبارة عن تواصل بناء حضارة في زمان ومكان ما. وتراكم كمي لفعل شعبٍ او عدة شعوب متداخلة متلاصقة كحضارة وادي الرافدين (كنموذج تاريخي حصراً) والتي تمتد لآلاف السنين. وشاركت فيها مجموعة مكونات بشرية بدافع التسابق الغريزي في البناء والدفاع عن وجودها كـ (موكب ماراثوني) فهناك من في مقدمته وثم من في وسطه وآخرون في المؤخرة. وكلها تمثل وحدة اجتماعية متجانسة لا يمكن الفصل بينها. والموكب بحد ذاته يمثل حركة المجتمع، وحضارته ملكُ الكل وبدون تفضيل بعضٍ على بعض. أو الادعاء بملكية جزئها او كلها والواقع الحالي للإنسان العراقي خاصة يئن من هول التشظي والتنازع فيما بين جميع مكوناته التاريخية دون ان تعرف أن العدو واحد وانه هو هو من الماضي السحيق تابع وراقب المسيرة الصعبة للأجداد ونكل بها. ويريد إعادة الماضي بأبشع من السابق ليمحو بقايا أقلياتنا ويربك الأكثرية وبقِناعٍ مغايرٍ للماضي ومبطن.

ولو استعرضنا تاريخ الشعوب وحسب انتمائها الإقليمي او القاري جغرافياً، فلابد لكل منها موقع محدد ومخلفات تاريخية لمئات لا بل لآلاف السنين. فمنها قد حفظ في صروح عمرانية عملاقة ووضب فيها وفقاً لقيمهم وتقاليدهم الاجتماعية والدينية آنئذٍ. وما يمكن الاستفادة منه كناتج حضاري إنساني سابقاً ولاحقاً للأجيال القادمة.

ولكن ومع مزيد الأسف ان ما يساق الى البورصة التجارية من المفاهيم والقيم الحضارية القديمة، والتي يجب احترامها، لأنها لأجدادنا السابقين ومنهم الكلدوآشوريين السريان، وليس مزايدة على احد ولا يمكن من ينكر انهم من بقايا تلك الحضارة ومن حقهم التمسك بذلك ولكن لا المباهات بها كما لا يحق لأي فصيل منهم وبأي تسمية كان، الانفراد بالانتساب لها وتهميش غيره كما هو حاصل ومتحول الى تراشق البعض لبعض ولأفراد داخل الوطن وخارجه ممن يعيش ضمن جاليات متشظية ومشتتة في المهجر وبدعوى ملكية الانتساب للتاريخ والحضارة والتسمية الخاصة له فقط. ويجهل ان بتراشقه لغيره واي كان في الداخل والخارج، يقدم اكبر خدمة للعدو التاريخي والحالي ويزيد الفراق والخصام بين مكوناته المسلوبة لأبسط الحقوق الاجتماعية والثقافية والسياسية أسوة بباقي الأكثرية من بناء الشعب العراقي من العرب والاكراد وباقي الأقليات الأخرى أيضاً.

فرفقاً بالتاريخ وبالباقين من أبنائنا في هذه الأرض الطيبة، وكفى تراشقاً ومزايدة في أحقية الانتساب لهذا الفصيل او ذلك. وعلى الجميع ان يعلم ان لا قيمة لأية أقلية أو أكثرية اجتماعية، سياسية أو طائفة دينية واثنية وغيرها. ما لم يكن هذا الوطن كالخيمة الكبيرة الحامية للكل. وكلٌ فيه محفوظ الكرامة والحقوق الأساسية في الحياة ولا بديل غير ذلك.

20/4/2013

 

13- سوريا بين المطرقة والسندان

منذ قيام دولة إسرائيل (ذات هيكلية دينية قومية) في فلسطين عام 1948 وتحسس جميع حكام الدول العربية والقوى السياسية الكلاسيكية العاملة ميدانياً. بأن هناك مؤامرة دولية ومنذ عهد بلفور وزير خارجية بريطانيا عام 1917.

فكانت المحصلة السياسية الأولية والقناعة التامة لحكام العرب، بان مخاضاً كبيرا ً وبعيد الأهداف سيتم على مراحل تدريجية وبشكل مبرمج في عموم منطقة الشرق الأوسط بصورة عامة والمنطقة العربية بصورة خاصة.

وأصبح أمام الجميع واقع معقد وصعب تحليله لان غالبيتهم كانوا يفتقرون إلى رؤية وافق سياسي بعيد. ولا خيار لأحد ٍ في رسم خطة سياسية قد تتقاطع مع مصالح إسرائيل في ارض فلسطين وطن الأجداد وقدسيته واحتلال العدو مدينة القدس. وأصبح الشعار العلني والمتفق عليه في جميع تلك الدول العربية والإسلامية إعلامياً. وكإستراتيجية آنية في تحركها محليا ً ودوليا ً وإقليميا ً هو تحرير فلسطين.

وكان الواقع مريرا ً بعد علمهم، إن نهاية حرب عام 1948 رغم كثافة القوى العسكرية العربية وتفوقها عدديا ً بشريا ً وحتى عدة. بأنه كان مقررا ً مسبقاً. وإن هناك الخط الأحمر الذي لا يسمح للجيوش العربية تجاوزه، وتوقف تقدم تلك الجيوش عنده، فولدت منطقة تحت شبه سيطرة العرب وبدون حدود ومساحة معلومة. وسميت فيما بعد الضفة الغربية. ثم توالت الحروب بين إسرائيل والدول العربية المجاورة لها مباشرة ً وحتى الأقرب، ومنها العراق خاصة وصاحب الثقل والكفاءة العسكرية الأكثر من غيره. فأن نشوب الحرب في عام 1956 وما سمي بحرب السويس (العدوان الثلاثي)وتمكن القوات المعتدية (إسرائيل - بريطانيا – فرنسا) من احتلال شبه جزيرة سيناء وبعض المدن الساحلية للبحر لمدة قصيرة. بعد صدور إنذار الاتحاد السوفيتي الشهير بالتدخل بثقله السياسي والعسكري ما لم تسحب الدول المعتدية جيوشها من مصر وبدون قيدٍ أو شرط.

 

فتنفس الشعب المصري بصورة خاصة والعربي بصورة عامة، وأصبح في معنوية عالية نسبيا ً.

ثم لم يمضِ أكثر من عقد من السنين حتى تهيأت الظروف لإسرائيل وبإسناد مباشر من الغرب بصورة عامة والولايات المتحدة الأمريكية بصورة خاصة. واندلعت الحرب الثالثة في عام 1967، وأصبحت كل فلسطين تقريباً بما فيها القدس وأجزاء أخرى من مصر في (سيناء) وهضبة الجولان في سوريا تحت الاحتلال الإسرائيلي.

وثم الحرب الرابعة في عام 1970 وانتكاسة أخرى للجيش المصري بشكل واضح، وما ترتب على ذلك من تحميل المسؤولية إلى بعض من قادة الجيش المصري وفي مقدمتهم المشير عبد الحكيم عامر. وثم وفاة عبد الناصر المفاجئ واستلام السادات زمام السلطة من بعده مباشرة وشروعه بإعادة تركيب الجيش المصري وتهيئته لمعركة حاسمة في عام 1973. وما حققته فعلا ً في اختراق (الخط الدفاعي الإستراتيجي العسكري – بارليف) الذي انشاته إسرائيل في الضفة الشرقية لقناة السويس وثم صدور قرار مجلسالأمن المرقم 242 في 22/أكتوبر/1973 والقاضي بإيقاف العدوان وسحب إسرائيل جميع قواتها إلى مواقعها الأصلية.

فبدأت مرحلة التفاوض المباشر بين القيادتين العسكريتين الإسرائيلية والمصرية في موقع (كيلو – 101) داخل الأراضي المصرية. ثم توالت اللقاءات خلف الكواليس وبإشراف الولايات المتحدة الأمريكية ودور رئيسها جيمي كارتر باللقاء التاريخي بين الرئيس المصري أنور السادات وقادة إسرائيل وما تمخض عنه من اتفاقية كمب ديفيد، وتعهد السادات بصنع سلام دائم بين مصر (كبرى الدول العربية) وبين إسرائيل وإعلانه صراحة بأن حرب أكتوبر عام 1973 ستكون آخر حرب مع إسرائيل. وفعلا ً كان ذلك وما تحقق على ارض الواقع خلال الأربعة عقود مضت منذ الحرب المذكورة وإلى هذا اليوم.

وكانت زيارة أنور السادات عام 1975 إلى القدس وتوقيع الاعتراف العلني لدولة إسرائيل وتبادل السفارات بين الدولتين ولا زالت قائمة إلى هذا التاريخ.

ومن هذه المقدمة والاستدراج التاريخي لأحداث مهمة في تاريخ المنطقة نرى، أن سوريا الحالية هي الوحيدة من بعد فلسطين حلت بها النكبة ولا زالت هضبة الجولان تحت الاحتلال الإسرائيلي. وإن مصر استعادت جميع أراضيها التي كانت إسرائيل قد احتلتها عام 1967، وثم قيام نظام ذات طابع قومي شبه متطرف وتشبثه إعلاميا ً بتحرير فلسطين كقضية مركزية لسياسة حزب البعث الحاكم فيها حاليا وسابقا في العراق بقيادة صدام حسين، ولم يحدث خلال العقود الأربعة من بعد 1973 أي احتكاك عسكري بين دولة إسرائيل وسوريا … ولكن إسرائيل تبقى قلقة من النظام القومي في سوريا ودعم روسيا وريثة الإتحاد السوفيتي لها عسكرياً واقتصادياً. فلا بد لهذه الدولة ومن يساندها من الغرب التحرك للتغيير السياسي والإداري في عموم المنطقة وفي مقدمتها سوريا. وهنا يبدأ مدخل ما يسمى بالربيع العربي وحصة سوريا ودعم المعارضة الداخلية من دول الخليج كوكيل عن أصدقاء إسرائيل (دول الغرب وأمريكا) في تمويل القوى الداخلية " ذات التوجه غير المتجانس في نسيجها الاجتماعي والسياسي وحتى العقائدي" (إسلامي – اثني – طائفي – مذهبي) مع الدعم المباشر من هذا التشكيل من الخارج بشريا ً وماديا ً، وجعل أرض سوريا في دوامة كبيرة من الحرب الداخلية - الخارجية الاستنزافية وإلى أمد طويل لتكون النهاية تحويلها إلى كانتونات عدوانية فيما بينها أيضا ومرتزقة اقتصاديا ً من الخارج (الخليج – الغرب) وان التركيز على مصير سوريا بحدودها ومساحتها ونظام حكمها الحالي، والذي أصبح النظام القومي العروبي الوحيد في الساحة السياسية العربية. وذو العلاقة التاريخية وبشكل وطيد مع إيران بعد سقوط نظام الشاه الملكي عام1979 وقيام حكم سياسي إسلامي شيعي.

وأصبح النظام الحاكم في سوريا الحليف المباشر لإيران والمساند الرئيسي للتيارين الدينيين المتشددين في لبنان ممثلا بحزب الله (شمال إسرائيل) وكذلك جماعة (حماس) في قطاع غزة (جنوب إسرائيل) وكلاهما رافعين راية المقاومة المسلحة الإسلامية ضد إسرائيل.

فان مصير هاتين المنطقتين المعاديتين لإسرائيل. مرتبط بمصير سوريا ونظامها المتعاون مع إيران مباشرة.

وان نظام الحكم في إيران هو الأخر وبحسابات الدول الغربية وإسرائيل يعتبر المحرك والممول والمساند الرئيسي لجميع التيارات الشيعية المتواجدة في المنطقة العربية بصورة خاصة ومنها (سوريا – عراق – بحرين – يمن – لبنان – قطاع غزة) وغيرها. فلا بد من خلط الأوراق على النظام السوري أولا، وجعل شعبها في دوامة ومخاض عنيف بفقدان توازنه بعد إدخاله في نفق مظلم ومصير مجهول. وجعل الحرب الداخلية – الأهلية – تطول حتى الاستنزاف الشامل في كل قدراته الاقتصادية والعسكرية والنفسية. ولاجئاً كشتات متنوعة في بلدان الدول العربية المجاورة والبعيدة، ومنهم قد يصل إلى دول المهجر – أوربا – أمريكا – استراليا - وتصبح إسرائيل ولمدة غير قصيرة مطمئنة من الأعداء التقليديين تاريخيا. وتبدأ تلعب لعبة أسد في محمية مغلقة الحدود جغرافيا. ومقطوعة عن العالم الخارجي نسبياً وان الشروع في الحرب كالدائرة في سوريا لا تنتهي بهذه الصورة. فلا بد من انتقاله إلى كل من دول الجيران القريبة والبعيدة من إسرائيل وفي مقدمتها العراق.  بالدرجة الأولى والذي يغلي في داخله منذ سقوط نظام صدام حسين، والعاصفة بين فترة وأخرى تهب في سمائه وحتى تحين فرصة هبوب إعصار عليه، وكتله المتصارعة على كراسي الحكم والممثلة بالطائفية والمذهبية هي الأخرى مرشحة لنفس مصير سوريا، ويلي العراق الأردن ولبنان ومصر وغيرها.

حقاً إن كل من سوريا والعراق خاصة تاريخاً كانتا الصمام الأمان الوقتي داخلياً وللضرورة الخاصة المقتضية مصلحة أمريكا وحلفائها، والأحداث اليومية خير شاهد على ذلك. وكفى بالعاقل الانتظار.

26/4/2013

 

ومن بعد هذا المقال ارتأيت ان أوثق قصيدة شعرية تنطلق من خلجات الأعماق لما أصاب شعب العراق من الاضطراب النفسي والسياسي والاجتماعي والأمني، وكيف يجب ان يكون ضمن مواكب الإنسانية بإرادة جمعية موحد وابي. وهي بعنوان:

14- الى متى ؟

إلـــى متى لا نــتحسس بــفقدِ ذاتنــــا ؟

إلـــى متى لا نــعلم بــتهميشِ ذاتنــــا ؟

إلـــى متى لا نــبصر ارتــباكِ ذاتنــا ؟

إلـــى متى لا نــظن بــسهدِ ذاتنــــــا ؟

إلـــى متى.. وإلى متى.. و إلى متى ؟

وصراخ الصدى من بعيد

ينادي.. هيَّا نوحِدَ السؤال

أبشكوى على الزمن العابر ؟

فرد التاريخُ وقال

وما جنحي أنا ؟

أبشكوى على وادِ الرافدين ؟

فردَ الفرانين وقالا

وما ذنب كلانا ؟

أبشكوى على قانون الحياة ؟

فردت دار العدالة وقالت

وما جرمي أنا ؟

أبشكوى على البشرية ؟

فرد صوت الشعوب وقال

وما علتي انا

أو بشكوى على الراقدين تحت الثرى ؟

فردت القبور وقالت

وما فعلنا بعد الممات ؟

إذن... وإذن... وإذن

لما لا نكشف عن حقيقتنا ؟

لما لا نبحث عن كنهنا ؟

وها نحن بلا خوف.. نقرُّ

إننا محط ومُجمَعِ الأسباب

في تنازع كياناتنا

وصوت ينادي

ألا بخطوةٍ واحدةٍ نخطو إلى الأمام ؟

فنحقِقَ حرية وحدتنا

فنحقِقَ قوة وحدتنا

فنحقِقَ إنسانية وجودنا

حينئذٍ نحقق وحدة شعبنا

               25/5/2013

 

15- أشرعية الصندوق أم شرعية النهضة؟

إن ظاهرة التغيير والتجدد، هي فرضية في مسار حياة الانسان. وذلك لتميزه عن باقي الكائنات الحية بخاصية الوعي والإدراك أولاً، وثانياً لأنها من المتطلبات الآنية والمستقبلية لتجدد مفردات حياته اليومية وفق منطوق (المادية التاريخية) (كحركة ديناميكية) ولا يمكن أن تتوقف هذه الحركة لأنها بمثابته انعكاسات واقعية لأي تجمع بشري، وهي ناتج خصائصه الاجتماعية والاقتصادية والفكرية. وان أي خمول أو كسل يصيب أي تجمع، قد يؤدي إلى مردودات سلبية في مجرى الحياة، ويؤدي إلى فقدان التوازن وخسارة لا تعوض لجميع المكتسبات للخصائص المذكورة، والتي تعتبر حاصل التراكم الزمني الكمي لأجيال وأجيال. وان تقدم أي شعب بمعنى حصول تجدد وتغيير في آليات الحياة. وتعتبر أيضاً إفرازات من عمق شعوره بنهضة شاملة لجميع تلك الآليات ومقوماتها الأساسية الحية وفق ما ورد أعلاه.

وإن أي شعور بأهمية النهضة يجب أن يصاحبها أدلة التنفيذ (انتفاضة جماعية) متواصلة بغية تحريك البنية الاجتماعية العريضة ذات الشأن المباشر والمصلحة العليا سواء كانت اجتماعية أو اقتصادية أو فكرية. وأية أسباب قد تؤدي إلى التلكؤ أو التباطؤ في عملية التغيير والتجدد، يكون لصالح الشرائح الفوقية المتوارثة والمترسبة في أرضية المجتمع ومتحكمة به ولا تقبل أي مسٍّ في مركزيتها وامتيازاتها الخاصة، وتحاول استخدام شتى السبل لإيقاف عملية التغيير والتجدد.

وان ما جرى منذ عدة أعوام بعيدة وقريبة في كل من مصر وتونس وليبيا والعراق وسوريا واليمن وتركيا وغيرها من دول منطقة الشرق أوسطية بصورة خاصة، ليس وليد أيام وأسابيع، بل وليد التناقض المستفحل والصارخ بين القديم المستبد والجديد الطموح للانعتاق والتحرر منه، ونحو مستقبل أفضل.

وان ظهور بعض الدول ذات الأنظمة الجمهورية في عدد من الدول العربية من أكثر من نصف قرن مضى، فهذا لا يعني انه حصل تبدل جوهري في مواقع وعقلية تلك الشرائح الفوقية والمستبدة. وذات النفوذ الاجتماعي القبلي أو الديني -مذهبياً وطائفياً- ولها أسبابها المتراكمة أيضاً ومعلومة لدى كل متابع لمجرى الأحداث، السياسية والاجتماعية والفكرية. وهي فعلاً الوريث التاريخي للنظام الاقطاعي والمرجعيات الدينية المتطرفة بدون استثناء. رغم انها متعايشة تحت خيمة المجتمع المدني ظاهرياً. إلا أنها متمسكة بزمام الأمور، حجتها تقديس الموروث الاجتماعي والديني بصيغته المنغلقة والمتطرفة، تحيطها فئات منتفعة وموالية لها. رغم تظاهر الكثير منها بتأسيس أحزاب وحركات سياسية ذات أيديولوجية معاصرة اسمياً، تستخدمها كأداة لشرعية عملها، متبجلة الديمقراطية اللبرالية كأبسط ضمان لديمومة بقائها شرعياً. وغالبية البنية التحتية العريضة لمجتمعاتها مقهورة ومسلوبة الارادة، إما لكون جميع الحكام في الأنظمة المذكورة تلتقي مصالحها ومصيرها معها. وإلا لا مكان لها مستقبلاً، وإذا كان الشعب المصري منذ مدة قد أصابه الخمول والكسل بنتيجة الارهاق المتواصل لعقود من السنين ومن جرّاء دخوله عدّة حروب قاسية وفاشلة مع اسرائيل المدعومة مباشرة وبشكل مكشوف ولا زالت. إلا أن الحكام المتعاقبين خلال العقود الثلاثة الأخيرة، قد أصبحوا أكثر ضياعاً ونفوراً. لا بل فقد الشعب الثقة بهم ولم يعد لهم أية مصداقية، ولا الأحزاب السائرة في فلكها.

أما الكتل والحركات السياسية المعارضة فهي اما مهمشة أو منقسمة على نفسها ولا نفوذ لها. عدى التيارات الدينية التي استغلت هذه الفترة ونظمت نفسها وتمكنت من كسب ود البسطاء وتحريكهم في أجوائهم كما يشاؤون. وخير دليل على ذلك. فإن حركة الاخوان المسلمين المصرية بالذات، كانت قد نشطت منذ أيام مؤسسها حسن البنا في الخمسينيات من القرن الماضي وظلت تعمل في جميع الأوساط الاجتماعية المقهورة سواء اقتصادياً أو فكرياً. وحتى عملت في الوسط الأكادمي وكسبت الكثير منهم. علّهم ستحقق لهم ما لم تتمكن الأحزاب المدنية على اختلاف مناهجها الفكرية والاقتصادية والاجتماعية، وحتى الموالية للسلطة التي لم تحقق لهم أي مكسب مادي ومعنوي. فكان ما كان في العملية الديمقراطية المشوهة في انتخابات أول مجلس برلمان غير شرعي قانونياً وتم الغائه من قبل المحكمة الاتحادية الدستورية. وثم انتخاب رئيس الجمهورية وحصوله نسبة ضئيلة أكثر من النصف في المئة. واستلامهم (الاخوان) السلطة، وبدؤا من الأيام الأولى الاستئثار والتحكم بها.

وهنا دق ناقوس الخطر ووصل رنينه إلى أبعد طبقات المجتمع، وتحسس الجميع بأنهم كانوا في غفوة زمنية لا بل في سبات عميق. فلابد أن ينهضوا ويقطعوا الطريق على هذه الكتلة التي باشرت بإصرار شديد بقلب كل الموازين لصالحها وتغيير هيكلية الدولة ومؤسساتها وما يناسب أفكارهم السياسية الدينية والمذهبية مستندين على شرعية الصندوق. وكائن الصندوق هو الحاسم الحقيقي لجميع مشاكل المجتمع. وهو القانون والدستور الأساسي لها. وزادت ثقتهم بنفسهم حد التقوقع وتهميش غيرهم حينما علموا أو تأكدوا أن مهما نهض المجتمع المصري، فانهم قد حسبوا له ألف حساب للمستقبل القريب والبعيد. حيث الكل يعلم أن الحدود المصرية الليبية بعد سقوط نظام القذافي فتحت لجميع المهربين وتجار الأسلحة الخفيفة والمتوسطة وحتى الثقيلة. وتمكنت الأحزاب الاسلامية وفي مقدمتها (اخوان المسلمين) من خزن القسط الأكثر منها. وانهم شرعاً سيتمكنون من استخدامها باسم استحواذهم للسلطة التنفيذية مباشرة أو عن طريق تسليح انصارهم بها في حالات الطوارئ. وضرب أية معارضة مجردة من أي دعم رسمي أو شعبي حسب ظنهم.. وفعلاً تناقلت الكثير من القنوات بأنهم بدؤا يوزعون الأسلحة بعد اقالة رئيسهم على انصارهم.

وقد وعت القوى السياسية العلمانية، بأنها أصبحت قاب قوسين أو أدنى من محاصرة القوى السياسية الدينية لها، وبقيادة الإخوان مباشرة. وان هذه القوى مهما حاولت التظاهر ورص الصفوف سوف لن تتمكن من ازاحتها. وان شعار اسقاط رئيس الجمهورية سلمياً لا يمكن تحقيقه لأنها متمسكة بالشرعية الانتخابية وانها متربصة بها، وفي حالة أي احتكاك سلبي بها، قد تبيدها باسم الشرعية المذكورة والسلطة الرسمية. وان الحرب الأهلية لا مفر منها بين الطرفين إذا لم تخضع الأحزاب العلمانية لذلك وتعترف بالشرعية وتحترمها.

إلا أن المثل يقول... تهب الريح بما لا تشتهيه السفن... فما كان بالقوى الوطنية العلمانية إلا أن تصر على رحيل رئيس الجمهورية باعتباره رأس حربة لهم. واستنجدت بالقوات المسلحة في الوقت المناسب وطلبت تآزرها واسنادها في معركتها السلمية مع القوى الدينية وفي مقدمتهم الاخوان. فان التاريخ السياسي لكثير من الشعوب المسلوبة الإرادة، قد تضطر إلى اللجوء إما إلى حمل السلاح والدفاع عن نفسها، أو إلى القوات المسلحة، رغم علمها بأنها قد تقع في مأزق مستقبلاً، خشية تشبث العسكر بالسلطة واقامة دكتاتورية جديدة صعوبة ازاحتها أيضاً. ولكن هناك مثل شعبي ولو عند الحاجة القصوى وبنظرة ضعيفة (حمة شديدة ولا موت محقق).

 وإذا عدنا إلى تاريخ شعوب المنطقة، فنرى بأنه قد مرَّت بمثل هذه الظروف الصعبة وشهدت عدّة انقلابات عسكرية، وكان أبرزها والذي وقع في مصر في 23 يوليو 1952 وسقوط النظام الملكي فيها، وتأسست الجمهورية المصرية الحالية. وكان لهذه الحركة تأثيراً كبيراً على شعوب المنطقة برمتها وفي مقدمتها العراق وسقوط النظام الملكي في 14 تموز 1958 وقيام النظام الجمهوري الحالي. وغيرها من الدول العربية كالسودان واليمن وليبيا.

سنعود ونقول. هل ستتمكن قيادة الجيش المصري انجاز المرحلة المحددة لإجراء الانتخابات الجديدة لرئيس الجمهورية والبرلمان دون حدوث مواجهات دامية مع القوى الاسلامية المدججة بالسلاح داخلياً والمدعومة خارجياً من التيار الاسلامي المتشدد أيضاً. وثم يبدأ عصر الديمقراطية الحقيقية والاستقرار الأمني والازدهار الاقتصادي، ويعبر الشعب المصري هذه المحنة الكبيرة بسلام. أم تصر حركة الاخوان وأنصارها على التحدي لقرار العسكر بعزل الرئيس محمد مرسي، وتحاول استمالة بعض أجنحة أو وحدات عسكرية وتقوم بعصيان مسلّح قد تؤدي إلى الفوضى العارمة والاضطرابات الدامية بين الطرفين، ودون أن يعلم أحد بالمجهول المنتظر للشعب المصري ويفقد ثقته حتى بجميع الأطراف السياسية والعسكرية، إلى جانب التدخلات الأجنبية من جيران المنطقة والدول الكبرى. كما حدث ويحدث في سوريا حالياً.

أيصعب وضع النقاط على الحروف وما سيُقرأ بعد ذلك في اللوحة السياسية والعسكرية حالياً ومستقبلاً، وتخرج مصر من مخاضها العسير؟

                                                               7/7/2013

16- أتموت الأشجار وهي واقفةً … وثم تسقطُ ؟

تعتبر حركة المجتمع الإنساني كقانون طبيعي، وسنة من سنن الحياة، غير خاضع (القانون) للمجادلة ولا المزايدة عليه، كما لا يقبل أيضا التعطيل ولا المماطلة والتسويف بغية إبطال مفعوله، لأن آلياته وأجندته هي مكونات حية  غير مستقرة ولا ساكنة، بل تتحرك وفق ما تمليه المفردات اليومية زماناً ومكاناً، وخاضعة للتغيير والتجدد، وحسب حاجة كل جيل ومجتمع وتحت تأثير ظروف مناخية وجغرافية معينة، وعوامل اجتماعية واقتصادية وفكرية والتي تتماشى معها الأعراف والقيم المستنبطة من تلك الحركة الديناميكية، وعلى هذا الأساس إن ما يتفاعل ظاهريا في البنية التحتية العريضة للمجتمع. قد يتقاطع كليا أو جزئيا زمانا ومكانا مع ما هو مفروض عليها من قبل الشريحة المتحكمة وصاحبة النفوذ الناتج من جراء توظيفها في غفوة زمنية طويلة بحكم الموروث، دون الرجوع إلى القاعدة العريضة المسلوبة الإرادة والوعي والحق الشرعي في الحياة، لتكون صاحبة الكلمة والاستحقاق الناجز في العيش الكريم والاحترام المطلوب لجنس الإنسان، باعتباره أثمن كائن، وأغلى قيمة خارج المفهوم السوقي من المستغلين والمتضاربين به.

فإذا كان المجتمع الإنسان منذ القدم قد توصل لإقامة أنظمة اجتماعية واقتصادية وفكرية خاصة عبر مراحل زمنية معينة، فأن التفاعل في مكوناته وعبر الوسائل المتاحة قد تكون بنسب متفاوتة وغير متكافئة ومتقاطعة مع مصالح القلة المتربصة والمتحكمة بالمجتمع القائم عبر الشرعية الزمنية المفروضة كمرجعيات وراثية، سواء كانت دينية وتشعباتها المذهبية أو علمانية طبقية للنظام القبلي الإقطاعي، والتي تسهل ديمومة البقاء كصاحبة النفوذ الأوسع، والحاصل من الصراع المبطن بين تلك المرجعيات، مستغلة أتباعها كسور للدفاع عنها، والتي لا بد من الاعتراف بأهميتها زماناً ومكاناً كشريحة شرعية وفق المنظور الوراثي الديني والطبقي، وهذا ما كان سائداً لعدة قرون في أوربا بصورة عامة والغريبة منها بصورة خاصة كمرجعيات دينية متحالفة مع مرجعيات طبقة النبلاء والأشراف حتى عصر النهضة الفكرية كثورات اجتماعية واقتصادية والثورة الصناعية منذ أواسط القرن الثامن عشر، وادى كل ذلك إلى إنهاء الشرعيات الموروثة مهما كان نفوذها قائماً على أرض الواقع لأنه إجحاف بحق الإنسان في الحياة وتمثيل مبطن وغير شرعي ولم تتنازل عن امتيازاتها المذكورة إلا بعد فرض العزلة التامة عليها وإنهاء دورها من قيادة المجتمع كشرعية للنهضة بكل معانيها الحياتية ضمن قانون حركة المجتمع فإذا كان المجتمع الأوربي قد سبق جميع المجتمعات في نهضته الفكرية والصناعية وله الفضل في تحرير القاعدة العريضة المقهورة والمسلوبة الإرادة. وكان ذلك قبل عدة قرون، فأن انعكاسه كان بطيئاً على غالبية المجتمعات في القارات الأخرى وله أسباب ومبررات أدت إلى بعض الجمود وعدم النهوض الجماعي كثورات اجتماعية وفكرية. يرجع كل ذلك إلى قوة المرجعيات المذكورة. وكثرة الصراعات التي كانت ولا زالت قائمة بين مكونات هذه المجتمعات ومنها المذهبية والطائفية والقومية والعنصرية والاثنية وغيرها، وضلت تُنعش هذه الصراعات حتى إلى زمن قريب مما أدى إلى قيام حروب ونزاعات إقليمية وطنية بين مختلف هذه المكونات، إضافة إلى التدخل المباشر من قبل الاستعمار الغربي الذي  مازال قائما رغم تغيير نمط نفوذه من الكولونيالية الى الاقتصاد، إلا انه ظل يذكي نار الفتنة المتعددة بين هذه الشرائح العريضة والتي ضلت منساقة وبدون إرادة مع التيارات المتصارعة على أرض الواقع وبشكل متنوع ومختلف جغرافيا.

إننا نعيش مباشرة هذا الصراع الدامي داخل العراق منذ عدة عقود وقد استفحل هذا الصراع في العقد الأخير بسبب الإرهاب المنظم لما يسمى بالقاعدة وكأنها الزلزال المدوي تحت أرضيته وبدون توقف، وما تشهده سوريا منذ أكثر من عامين من الحرب الأهلية بين مجموعة فصائل غير متجانسة دينيا ولا مذهبيا ولا قوميا. وألان في مصر واستقطاب الصراع بين التيار الديني المتطرف صاحب الشرعية القانونية المألوفة في وصوله إلى سد الحكم وما آل إليه الوضع بعد النهضة الثورية لقاعدة المجتمع المصري ووعيه بضرورة المبادرة لإلغاء الشرعية المذكورة لأنها حاصل فترة السبات والغفوة الزمنية الطويلة للشعب المصري، وقد يمتد الصراع إلى حرب أهلية لإصرار التيار الديني المتطرف على شرعية الحكم له وبين الجموع الثورية الناهضة وعدم اعترافها بالشرعية الشكلية، وهذا فعلاً يعتبر عملاً غير مسبوق في العالم الثالث وبهذا الشكل الجامح لإضعاف الشرعية الحياتية للقاعدة التحتية العريضة للمجتمع المصري التي قد تمثل أكثر من ثلاثة أرباع المجتمع إن لم يكن أكثر.

أخيرا لا بد أن نقول إن موت الأشجار وهي واقفة هو حقيقة واقعية حية متفاعلة لا خمود لها وسقوطها حتمي مهما اشتد الإصرار، إنها مرحلة الانفصال التاريخي بين شرعية الماضي المتهالك على البقاء وأحقية الحاضر في قيادة المجتمع مهما كانت التضحيات.

انه الموت بعيون مفتوحة وهي واقفة والسقوط المحقق وبدون رجعة ولا سقوط لها وهي واقفة وثم الموت.

25/7/2013

أضف تعليق


للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.