اخر الاخبار:
العثور على مدينة أثرية في أربيل - الإثنين, 27 أيار 2024 10:59
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

ألمكتبة

بؤر الصراع التاريخي في المجتمع العربي عامة والعراقي خاصة// يوسف زرا - صفحة4

 

17- هل الفساد المالي إرث تاريخي؟

قبل أكثر من نصف قرن مضى، كان قد عرض فلم في سينما السندباد في بغداد – منطقة الاورفلي – وأعتقد كان عنوان الفلم اما -سعيد أفندي أو أبو هيلة- وكان من أبطاله الفنان القدير يوسف العاني ونخبة من الفنانين والفنانات أيام زمان.

وسرت الإشاعة عنة بسرعة البرق، بأن المغزى لهذا الفلم يدور حول الفساد الإداري والمالي المستشري في جميع مرافق الدولة للنظام الملكي. ويظهر الفنان يوسف العاني في شارع أبي نواس يشتري سمكة كبيرة من أحد السماكين المتواجدين في الشارع المذكور. فبادر الفنان بفحص السمكة بشمها من ذيلها. فسأله أحدهم لماذا تشم الذيل. فأجاب يوسف العاني لأن الخيسة قد بدأت من الرأس فهل وصلت إلى الذيل؟... وفي اليوم الثاني أُغلقت دار السينما المذكورة ومنع عرض الفلم فيها، واختفى الممثل المذكور وبعض زملائه المشاركين معه. ولا حاجة لمواصلة ما حل بعد ذلك. وكنت أحد من اللذين شاهد الفلم.

إن ما ورد أعلاه هي وثيقة تاريخية حقيقية ولم تستنسخ من أرشيف مزور ولا من مخزون في جهاز الكومبيوتر الذي شاع استعماله حاليا والذي يمكن أن يزور أية وثيقة تاريخية وحتى لو كانت من العمق الحضاري ويطرحها في ميدان الإعلام المزيف ولا يمكن كشفها.

كان ذلك في عهد لنظام حكم ملكي رجعي في عرف كل القوى الوطنية والأفكار التقدمية آنذاك ولا زال. ولم يكن رائجاً في السوق السياسي مفاهيم ديمقراطية ولا عدالة اجتماعية، ولا حقوق إنسانية، أو حرية إبداء الرأي بشكل علني، وتسقط الحكومة بمجرد انتفاضة للقوى الوطنية لمدة عدة أيام وتقدم التضحيات. وثم تهدأ الحالة بمجرد تشكيل حكومة جديدة وكأن شيئاً لم يكن.

ولكن بعد أكثر من نصف قرن من السنين، ها هو التاريخ يعيد نفسه بصورة أبشع متقمصا ميزة عصرية –  نظام جمهوري –  دستور دائم - برلمان منتخب – محكمة اتحادية دستورية – أحزاب سياسية وصحافة ناطقة باسمها وأخرى مستقلة لا تعد ولا تحصى، إلى جانب عشرات وكالات الأنباء وقنوات خاصة وعامة تنقل ما يحدث في كل ساعة ودقيقة لما يقع على أرض الواقع في غالبية مراكز المحافظات من التفجيرات والأعمال الإرهابية التي تؤدي إلى استشهاد العشرات ومئات من الجرحى وخاصة في مدينة بغداد العاصمة وفي محافظات ديالى وصلاح الدين ونينوى وبابل والبصرة وغيرها. دون أن تتمكن الجهات الأمنية وضع حد لها أو تقليلها. أو إلقاء القبض على رؤوس الإرهاب المنظم عدى ما يكشف عنه عبر وسائل الإعلام عن استفحال الفساد المالي والإداري وبشكل مكشوف في جميع مرافق الدولة وخاصة وزارتي التجارة والدفاع وغيرها. وكأنه أصبح الأمر مستعصيا على المسؤولين ومستحيل تشخيص هذه الحالة المزرية إلى جانب تفشي البطالة في صفوف النسبة العالية من الشباب، والخريجين والخريجات منهم. ولم يعد أحد يسمع إلى مطاليب الجماهير من فقدان الامن والخدمات الأساسية أو تدينها ومنها الكهرباء والماء والبطاقة التموينية وغيرها.

وقد وصلت الحالة بأن مجلس النواب أصبح ميدان وساحة الصراع والمنازعة بين الكتل السياسية المتنفذة على كراسي الحكم والدرجات الخاصة. ولم يعد بإمكان دعوة أي شخصية رسمية من الحكومة – كرئيس الوزراء – أو وزير التجارة أو وزير الكهرباء أو من قادة الأمن والتحقيق معهم وتحديد المسؤولية القانونية بدون تأخير أو مماطلة بمعنى انه (مجلس النواب) فقد شرعيته كسلطة تشريعية منتخبة من قبل الشعب ومن حقها محاسبة أية شخصية سواء كانت في الجهاز التنفيذي أو القضائي والكل يدعي بسيادة القانون تبجحاً ورياءً.

فما أشبه اليوم بالبارحة وبعد مضي أكثر من ستة عقود والفساد قد طال جسم الدولة وفي ظل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وحرية الرأي وحقوق الإنسان.

هل يحتاج أي كان أن يفحص سمكة ولو صغيرة ويشمها من رأسها لا من ذيلها ولا يعرف إلى أين وصلت خيستها حقاً ؟

وهل الفساد المالي إرث تاريخي ؟

أم الكل لا يرى ولا يسمع ولا يقرأ... وبريء من كل شيء.

30/7/2013

18- الإعلام ورواتب التقاعد للدرجات الخاصة

قبل أكثر من شهر انشغلت الكثير من القنوات الفضائية بتحريك الإعلام حول عدم شرعية الرواتب التقاعدية للدرجات الخاصة. ((الرئاسات السيادية الثلاث – الوزارات ووكلاء الوزارات – النواب – أعضاء المجالس المحلية للمحافظات والاقضية والنواحي)) وغيرها. بغية سن قانون بإلغاء هذه الرواتب الممنوحة بدون أي سند قانوني وشرعي للدرجات المذكورة للسابقين واللاحقين. باعتبارها رواتب غير شرعية ويجب إلغائها قانونيا. وان هذه الأموال الضخمة المصروفة لتلك الدرجات تعتبر هدر للمال العام. وان العاصفة الإعلامية التي تغطيها والتي تقوم بها كثير من القنوات هي بغية سن قانون لإلغائها. كأنها فقط هي الظاهرة الوحيدة للفساد المالي المستشري في جميع دوائر الدولة. والذي بدأ الكثير من المسؤولين يقرون بذلك. وأصبح الأمر مكشوفاً ومفضوحاً ومعلوماً لدى أبسط شخص من أبناء الشعب. وان هول الإعلام عن ضرورة إلغاء هذه الرواتب يجب تصعيده باعتباره من مقومات لا بل ركن من أركان النظام الديمقراطي للدولة العراقية. ومن حق الشعب إن يحتج على كل صغيرة وكبيرة غير شرعية ولا قانونية أو عقلانية. فهذا جيد. في حين نست هذه الشبكات الإعلامية والقنوات الفضائية المتعددة, إن رواتب هذه الشريحة الكبيرة الشهرية من الدرجات الخاصة رواتب غير شرعية ولا عقلانية أيضا, لا بل نوع من النهب للمال العام والفساد المالي بعينه. في حين مضى أكثر من  سنتين على أمل إصدار قانون التقاعد العام, والذي جعل في مسودته الحد الأدنى للراتب التقاعدي للعراقي مبلغ (٤٠0) ألف دينار. ولازال القانون يتراوح في أروقة مجلس الوزراء, ولم يصل إلى مجلس النواب لإقراره بحجة في حالة سنهِ, قد لا تكون ميزانية الدولة قادرة على تسديد رواتب المتقاعدين وفقا للقانون الجديد. وحاليا فان راتب الوزراء والنواب الشهري وغيرهم أكثر من عشرة ملاين دينار لكل واحد وهو راتب شرعي وقانوني, غير ما يلحق به من رواتب لاكثر من ثلاثين شخصا بحجة أفراد الحماية والحراسة الشخصية, وأكثرها أسماء وهمية وتصرف بدون حضورهم كما نوهت عنها بعض القنوات الفضائية عبر شخصيات مستقلة ورسمية.

فأي ظاهرة للفساد المالي والإداري أبشع من هذه الظاهرة المشرعنة قانونياً ولا يمكن لأحد الاحتجاج عليها عدا الفساد المالي والرشاوى المفضوحة في الكثير من الوزارات والحاصلة من جراء عقود وهمية أو المساومة على التلكؤ الحاصل من قبل الشركات المنفذة ويكتم عنها. ولا يمكن محاسبة أي كان لأنه من القائمة أو الكتلة السياسية في الدولة وصاحبة النفوذ الطائفي أو القومي على أرض الواقع.

فلماذا هذا الاستهلاك الإعلامي الكثير حول الرواتب التقاعدية لتلك الدرجات الخاصة والتي تكلف خزينة الدولة نسبة كبيرة، ولا يعتبر هدر للمال العام. بإضافة الرواتب الشهرية الخيالية المدفوعة من خزينة الدولة للمناصب السيادية وغيرها ولا مثيل لها في العالم.

فأي شرعية لهذه الرواتب الشهرية التي تتباهى بها الحكومة. والشعب يئن تحت وطأة الفقر المتقع والبطالة القاتلة والإرهاب اليومي المنظم؟… فهل من جواب؟

19/8/2013

19- نداء الإستغاثة

ضمن مجرى مسيرة الحياة، لابد أن نشير إلى ما يعترض أي تجمع بشري معوقات لا إرادية ومهمش كلياً، إما لقلة خبرته لتعايشه ضمن بيئة سياسية مضطربة وحالة إجتماعية تتقاطع فيها سبل الحياة به وتجبره في حالات عديدة لتأمل الفترة الزمنية التي مضت عليه وهو لازال محدود الكفاءة والمقدرة لإجتياز تلك المعوقات، ولكن تعتبر هذه الفترة غير واضحة المعالم والنظرة الجلية إلى المسيرة الطويلة والبعيدة عن أفقه على تحليلها. وقد يجابه صعوبات جديدة ومتنوعة وليس في خزينه إلا ما مضى عبر المرحلة الأولى، ويجب عليه الاستعداد لمجابهة ظروف أصعب وأشد ولا معين له غير الاستسلام، ولابد من التفكير والإصرار لمواصلة المسيرة والتحدي لها. أي بمعنى انه لابد أن يعي ويثق بنفسه ككائن إنساني عليه خوض المعركة وكسب الخبرة المطلوبة من خلال التجارب التي صادفته وجعلته في كثير من الأحيان بعيداً عن استرجاع الماضي الغابر لحياته، وكيف يجب أن لا يدب اليأس فيه ولا يتراجع عن الركب الحضاري. بل يمضي ويخوض في معترك الأقدار مهما كانت النتائج. ولكن إذا عدنا عدة سنين إلى الوراء واستعرضنا ما كان ولازال يطفو على سطح الأحداث من المفردات اليومية المصيرية لمجمل شعوب المنطقة العربية بصورة عامة والشعب العراقي بصورة خاصة، وإلى أي وضع إمتدت به الظروف وبسبب ما تعرض على أيدي مجموعة حكام من الذين أصابهم داء العظمة والغرور الشخصي والإنفراد بالسلطة المطلقة حد جعلوا من ذاتهم حكاماً معصومين وبمستوى القدسية، ولم يلتفتوا خطوة واحدة إلى الوراء، وما خلفته سياستهم الرعناء وركبوا رأسهم متشبثين غالبيتهم ولعقود عديدة بالفكر السياسي المتطرف، وابتعدوا حتى عن الإصغاء إلى نداء العقل المتزن والرجوع إلى جادة الصواب وإحترام أبسط حقوق الشعب العراقي بدلاً من إذلاله وزجه في آتون عدة حروب داخلية وخارجية مهلكة، رغم اضطرار مجمل الحركات الوطنية الطبقية والدينية المعتدلة وغيرها إلى طرح نداء الإستغاثة لمن سينقذهم من الحكم الدكتاتوري والقومي المتطرف. دون أن تقدر هذه القوى أن نداءها كان بعيداً عن سامعيه من أبناء الشعب العراقي المقهور والمسلوب الإرادة. مما اضطرهم إلى الرضوخ لشروط الدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وهي لابد من احتلال العراق والتحكم بثرواته وبمصيره، وتحت خيمة ما تسمى بالديمقراطية اللبرالية والتي كان كل عراقي وبدون استثناء مستعد لسماع هذه الكلمة ومتلهف لتحقيقها وبأي نسبة كانت. وهذا ما حصل في 9/4/2003 من احتلال الوطن وفرض الوصايا عليه وبشروط مجحفة ولمدة غير محدودة. ولم يكن المحتل صادقاً بقوله من إقامة نظام ديمقراطي ناجز ما لم يضمن تحقيق مصالحه الآنية والبعيدة وتخدم دولة اسرائيل معاً أيضاً. فكان المخطط الاستراتيجي ومنذ مدة طويلة هو ضرب القوى الديمقراطية والوطنية على اختلاف مناهجها السياسية والاجتماعية. طبقية يسارية، وقومية أو دينية معتدلة في عموم الدول المجاورة لإسرائيل. والتي تملك أعظم ثروة نفطية وغيرها في العالم.

فكانت البداية مباشرة وبعد سقوط النظام السابق، إقامة نظام حكم متصارع داخلياً بسبب تمكنه (أي المحتل) من تحريك وإذكاء الاحتقان التاريخي في البنى التحتية للشعب العراقي وتأجيج النزاع المذهبي والطائفي بين أبنائه وتشغيله فترة طويلة بإنتخابات صورية ولعدة مرات، وإقامة حكومات متعاقبة من المحاصصة الطائفية المتكونة من الأكثرية الشيعية والسنية من العرب من جهة. وثم محاولة تحريك النزاع التاريخي الخامد بين العرب والأكراد من الجهة الثانية. رغم أن الشعب الكردي تمكن من إقامة الحكم الذاتي في اقليم كردستان وضمان الأمن والاستقرار النسبي فيه قياساً بباقي أجزاء الوطن الذي سادتها الأعمال الإرهابية والإغتيالات الفردية، وتوجيه الضربات وبدون توقف لكل مكوناته الإجتماعية والسياسية عن طريق المفخخات والعبوات الناسفة يومياً. وخاصة في المدن الرئيسية ومنها بغداد العاصمة والموصل وبصرة وكركوك وبعقوبة وتكريت وأخيراً أربيل عاصمة الإقليم وبدون أي رادع قانوني وأخلاقي، والذي لازال يسقط من جرائها يومياً مئات الشهداء والجرحة. وفشلت جميع الخطوات والتدابير المتخذة من قبل القيادات الأمنية المختصة. إلى جانب استشراء الفساد المالي والإداري وتزوير الشهادات في جميع مرافق الدولة. واتهام كبار رجال الحكم جهاراً من الوزراء وزعماء الكتل السياسية داخل البرلمان وخارجه دون أن تطالهم يد العدالة لأنهم محميون من قبل تلك الزعامات، وكما يرد في الكثير من القنوات الفضائية وعلى لسان العديد من الشخصيات الرسمية والمستقلة من داخل السلطتين التشريعية والتنفيذية، حتى وصل الأمر والاستياء بأنه لابد من ظهور شخصية عسكرية قوية ويستلم زمام الأمور، كما حدث في مصر. ولا أمل من رسو سفينة المجتمع إلى شاطئ السلام دون إزالة الأشخاص المتربعين على كراسي الحكم وإحالتهم إلى العدالة. وكنداء منهم لإستغاثة الشعب العراقي وكشكوى لابد منها لمنقذ لهم من مأساتهم. وإلا المصير المجهول يشمل الجميع ولا ينجو أحد منه سواءً كان من الأقلية أو الأكثرية الإجتماعية والدينية أو من السياسية، طبقية أو قومية، طائفية أو اثنية.

فهل من يلبي هذا النداء؟ ولا يوتيبيا من السماء!!!

1/9/2013

20- ضرب سوريا.. وشمولية الحرب الطائفية في المنطقة

لا شك ان الحرب الأهلية في سوريا والتي نشبت منذ أكثر من سنتين، لها أسبابها وجذورها ومبرراتها التاريخية داخل المجتمع السوري، ومنها الانقسام المذهبي الإسلامي بالدرجة الأساسية رغم عدم إذكاء ناره منذ عقود وله أسبابه أيضا وهي:-

إن بعد الحرب العالمية الأولى بين دول المحور الأوربية والإمبراطورية العثمانية (الخلافة الإسلامية بقيادة المذهب السني). وثم انتهاء الخلافة الإسلامية على يد الزعيم التركي القومي - كمال اتاترك - عام 1924. مما أدى إلى ظهور الدول العربية الحالية بقيادات قبلية، أي تحكمها مجموعة أمراء ومشايخ عربية كان لها نفوذاً اجتماعياً واسعاً في البنية التحتية، ولازالت تسميات لغالبية تلك الدول العربية تسمى بأسماء أشهر قبائلها وأقواها على ارض الواقع. ومنها آل سعود في الجزيرة وال هاشم : قبيلة من كبار قبائل الجزيرة أيضا في العراق سابقا والأردن حالياً، عدى الإمارات العديدة في منطقة الخليج التي لازالت تحكمها سلالات المشايخ والأمراء لتلك القبائل المتحكمة فيها بعد الحرب المذكورة. وجميع هذه القبائل تنتمي إلى المذهب السني، وبقي أنصار المذهب الشيعي بعيدين عن تولي أية سلطات رسمية في الدول العربية المذكورة ما عدا سوريا والتي كان يحكمها قبل حوالي أكثر من نصف قرن حزب سياسي علماني قومي وغالبية قادته من الطائفة العلوية (الشيعية)، ولم يكن الحكم فيها طائفيا ولا دينيا بل حكم قومي عروبي والوحيد في الدول العربية المجاورة لدولة إسرائيل مباشرة والداعمة للمقاومة المسلحة الفلسطينية كحماس في غزة وحزب الله في لبنان.علما ان سوريا ومن بعد الحرب العالمية المذكورة أصبحت مع لبنان تحت الانتداب الفرنسي والذي لم يشجع فيها التيار الديني ولا المذهبي.

وبعد قيام دولة إسرائيل في فلسطين عام 1948 وبدعم مباشر من الدول الغربية وفي مقدمتها بريطانيا، وعلى اثر احتدام الصراع على الأماكن المقدسة والمتنازع عليها بين المسلمين واليهود مما أدى إلى اشتعال عدة حروب طاحنة في المنطقة. وكانت مصر وسوريا وثم العراق المشاركين الفعلين فيها والأردن وسعودية وغيرها. وان ظهور التيار الديني إلى جانب التيار القومي في غالبية الدول العربية، كان العامل المساعد لنشوب النزاعات وحروب بين دولة إسرائيل والعرب والى مدة غير محدودة.

ولكون منطقة الشرق الأوسط ذات أهمية إستراتيجية سياسيا واقتصاديا، وهذا مما أدى إلى احتدام الصراع فيها أيضا بين الدول الغربية من جهة، والاتحاد السوفيتي في حينه وإلى هذا اليوم مع روسيا من الجانب الثاني لكونها الوريث الفعلي للاتحاد المذكور. وطيلة العقود الممتدة منذ الحرب العالمية الأولى 1914 – 1918 عبوراً إلى الحرب العالمية الثانية 1939 – 1945. وثم الحروب العربية الإسرائيلية للأعوام 1956 - 1967 - 1973 وبقيادة مصر. مما أدى إلى ازدياد النفوذ الغربي في المنطقة وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية الراعي الرئيسي لدولة إسرائيل، والمتعاملة مع الدول العربية بسياسة الكيل بمكيالين، والغاية منها تحقيق أهدافها البعيدة، وهي السيطرة على ما كان يسمى سابقا المياه الدافئة أي منطقة الخليج والبحر العربي. وثم الاستحواذ على منابع النفط وبدون منازع باعتبارها الأغنى في العالم. مما أدى بالدول الغربية المذكورة ومنذ عقود السعي لإقامة حكومات فيها ذات ارتباط مباشر معها أو الموالية لها. بغية دعم أنظمتها الرجعية القبلية ومساندتها في حالة قيام شعوبها بثورات داخلية ذات اتجاهات سياسية واقتصادية متقاطعة مع مصالحها، وقد تؤدي إلى استمرارية الحرب بينها وبين إسرائيل. وفي هذه الحالة لا بد من خلق اضطرابات شاملة في المنطقة ككل، والغاية منها ضرب الحركات الوطنية ذات طابع ديمقراطي وتقدمي، ثم جعل حالة الاضطرابات كنزيف دائم يضعف قدراتها الاقتصادية والعسكرية ويزيد الاحتدام والصراع المذهبي على السلطة بين زعمائها السياسيين وبين بعضها البعض على كراسي الحكم. وفعلاً كما حصل ولمدة (8) سنوات من الحرب بين العراق وإيران (1980 – 1988) والحرب العراقية ضد الكويت عام 1990 – 1991 ولا يمكن تحقيق أي استقرار امني واقتصادي وسلام دائم بين حكام المنطقة ككل. والاحتقان التاريخي المذهبي والطائفي والقومي متوارث بين المكونين الإسلاميين الرئيسيين كثأر قائم بين السنة والشيعة من عهد الخلافة العثمانية ولمدة أكثر من ستة قرون. والذي فعلا لم تعد دولة عربية بصورة خاصة لا يوجد فيها بؤر وخلايا نائمة أو مشتعلة بهذه النسبة أو بتلك بين المذهبين المذكورين.

وهناك عدة عوامل فاعلة إلى تأجيج وإذكاء نارهذا النزاع، هو قيام الثورة الدينية في إيران عام 1979 وظهور الدولة الإسلامية فيها بقيادة الطائفة الشيعية وبمفاهيم فقهية لا تقبل المهادنة ولا المساومة عليها. وثم محاولة تعميمها على شعوب جميع الدول العربية والإسلامية في الشرق الأوسط وخاصة المحاذية لإسرائيل. إلى جانب الحرب الإعلامية المتصاعدة بين الحكومة الإيرانية والدول الغربية بسبب محاولتها لامتلاك السلاح النووي والذي سيؤدي إلى اختلال التوازن العسكري في المنطقة لصالح الدول العربية وضد إسرائيل بالدرجة الأساسية.

وان استغلال الدول الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية استخدام سوريا السلاح الكيمياوي ضد المعارضة المسلحة أخيرا، وتهديدها بتوجيه ضربة عسكرية قوية للنظام السوري ومحاولة إسقاطه مما يؤدي بالدرجة الأولى ضرب المصالح الروسية في سوريا  والمنطقة ككل، وتضييق الخناق على النظام الديني القائم في إيران. ففي حالة ضرب سوريا فعلاً. فأنه سيؤدي إلى اشتعال سعير الحرب الطائفية في عموم الدول العربية ومنها – لبنان – عراق – ايران – أردن – مصر. ولا بد أن يؤدي إلى اختفاء عدة دول مهمة تاريخياً. وقيام غيرها بكيانات هزيلة ومسيرة ومسلوبة الإرادة ككانتونات لا استقرار فيها ولا سلام دائم بين شعوبها، وأخيرا لا بد أن نقول.

وهل تتراجع أمريكا من تهديدها بضرب سوريا بسبب عزلتها دولياً وعدم تجاوب أوربا معها. أو بتصلب موقف روسيا من الضربة المحتملة؟.

أم التهديد أصبح نوع (من الحرب النفسية) تطلقها أمريكا لفشل سياستها في المنطقة بعد تدخلها العسكري المباشر في العراق وليبيا ومساهمتها بإسقاط نظاميهما وقيام حكم طائفي تتصارع فيهما القوى المتنفذة للمذهبين وتنشط فيهما المنظمات الإرهابية الدينية المتطرفة مما أدى إلى عدم الاستقرار وشبه الحرب الأهلية بين الفصائل المتناحرة على السلطة والى امد غير محدود.

                                                                            9/9/2013

21- عندما يتنازل الكبار عن كبريائهم

هل يعيد التاريخ استنساخ ذاته؟

كان ذلك يوماً مشؤوماً في تاريخ البشرية من عام 1961، حين انذرت الولايات المتحدة الأمريكية الاتحاد السوفياتي بعدم السماح بوصول أسطوله البحري والحامل للصواريخ العبارة للقارات، والمتجه نحو كوبا الجزيرة التي لا تبعد عن سواحل ميامي سوى عدة عشر كيلومترات. وان تتوقف في عرض المحيط وإلا الحرب النووية لا محال ستندلع بين الطرفين.

هاجت وسائل الاعلام في العالم واضطربت غرف العمليات العسكرية في جميع القارات وفي مقدمتها أوربا. وخرجت الصحف النهارية والمسائية في كل مكان ومنها بغداد العراق بالذات لتنقل الخبر المشؤوم وتقول بالحرف الواحد: أيها الانسان أينما كنت. عش اللحظات الأخيرة من الزمن دون هدف ما. لأن الحرب الكونية الثالثة ستشتعل بين العملاقين. الأول الاتحاد السوفياتي الذي قرر نصب تلك الصواريخ على مقربة من العملاق الثاني - أمريكا- بغية حماية الدولة الصغيرة والحليفة له – كوبا - من العدوان عليها واسقاط نظامها السياسي الجديد وقيادته الثورية المتمثلة بشخصية كاسترو وغيفارا ورفاقهما.

في هذه اللحظات توقفت عقارب الساعة من الدوران. وشلت حركة الزمن، وزؤرت الشمس في عليائها، وترقبت الشعوب النبأ بقلوب خافقة.

نعم كان ذلك في يوم من عام 1961 والذي سمي فيما بعد (بأزمة الصواريخ السوفياتية إلى كوبا). حينما قررت القيادة السوفيتية عبر زعيمها نيكيتا سركفيفتشخروشوف التحدي لجبروت أمريكا ونظامها الرأسمالي. بعد أن أيقنت القيادة المذكورة أن الحلف الأطلسي في أوربا الغربية وبقيادة أمريكا، أصبح الخطر المباشر على الدولة السوفياتية والمنظومة الاشتراكية ككل، ولابد من التحرك لحمايته ومن ضمنه الدول الصغيرة ككوبا وغيرها. ودفاعاً عن السلم العالمي.

وكلا العملاقين يعلمان وبكل تأكيد أنهما الخاسران المباشر في هذه الحرب وثم البشرية إن اندلعت. ولا يمكن لأي كان أن يوقفها. ولا مبرر عقلي أو أخلاقي لهذا التصرف إن وقع.

فما كان من القيادة السوفياتية إلا أن تعجل بمبادرة إنسانية وتطالب أمريكا أن تتعهد بعدم غزو كوبا.

وان لا تتدخل في شؤونها الداخلية ولا تحاول اسقاط نظامها وقيادته مقابل أن يتوقف الأسطول السوفياتي، أو السفينة الحاملة للصواريخ في عرض البحر وثم الانسحاب إلى قواعدها في حالة موافقتها وبشكل صريح على ذلك. دفاعاً عن نظامها الاشتراكي وكوبا واحتراماً للبشرية.

وفعلاً أعلنت أمريكا الموافقة على الشروط المذكورة. فسكتت أبواق الحرب في أوربا. وتنفست البشرية الهواء الطلق وركن خفقان القلوب لجميع شعوب الأرض. وكان أول هبوط لهيبة أمريكا ومسٌ بكبريائها. ولا يمكن اهمال موافقة الاتحاد السوفياتي لوقف سفينة الصواريخ في عرض البحر وهو أيضاً تنازل لهيبته ولكن حفظاً للسلام العالمي بالدرجة الأولى. وثم نعود لنقول... ما أشبه اليوم بالبارحة؟.

فها هي أمريكا ثانية وبعد أن أصبحت القطب الواحد في هذا العالم، تصول وتجول عبر العقود الثلاثة من بعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفياتي. ولم تتوقف غطرستها ولا سكن جبروتها وبرم عظلاتها بوجه الشعوب الصغيرة والكبيرة ولأي سبب كان، وبحجة الدفاع عن حقوق الانسان المكفولة بلائحة دولية. ولابد من تعميم ديمقراطيتها اللبرالية الجديدة على الجميع.

وها هي سوريا النموذج لدولة صغيرة، كادت تصبح غير مرغوب بها من قبل أمريكا وحلفائها الأوربيين وبعض الدول العربية وتحاول بشتى السبل اسقاط نظامها العروبي القومي، والذي ليس ظاهرياً المتحدي لأمريكا بل لدولة اسرائيل والتي هي في حالة الحرب معها منذ عام 1948. وبحجة أن نظامها دكتاتوري فردي وممول لحركة حماس الفلسطينية في غزة وحزب الله في لبنان ضدها.

وواقعياً لا يمكن لأية دولة عربية في الوقت الراهن المحاذية لاسرائيل من مقارعتها.

فالقطب العملاق -أمريكا- الذي بدأ يفقد توازنه في الآونة الأخيرة في الساحة الدولية وسبب ذلك سمو كبريائه حد الجنون ولابد أن يبقى حسب حساباته الخاصة يسمو ويسمو ما زال لا يوجد من يقف في مواجهته كقطب آخر. فكانت روسيا الوريث الشرعي للاتحاد السوفياتي السابق. ولابد أن تأخذ بالثأر التاريخي. وتضع حداً لعقلية القطب الواحد وتقول له كفى وقف في موضعك كما وقفت السفن السوفياتية في عرض المحيط عام 1961 ولأجل السلام العالمي سابقاً ولاحقاً. وعلى أمريكا أن تتنازل عن كبريائها ولابد من حماية أمن البشرية وعدم الانجرار وراء العنجهية والعقلية العسكرية للدولة الكبرى وأي كانت.

وأخيراً ولابد أن نقول في بيتين من الشعر وهما:

ما شاخَ جبلٌ بعلوهِ وتكبّر                  حتى هوى بكبريائه وتكسّر

وما ضاق العاقلُ بفطنتهِ وتجبر           حتى فطن وركن عقلهُ وتحرر

13/9/2013

22- أحرب إقليمية شاملة... أم حرب إقليم كوني مصغر

      إذا فرضنا جدلا، ان ثورة حقيقية قد نشبت في ارض سوريا منذ أكثر من سنتين عبر فضاء الربيع العربي. في حين كانت سهولها ووديانها وصحاريها، كلها ومنذ عقود من السنين تغلي، والشعب السوري يئن بين كفتي رحى صخرية ضخمة نتيجة استمرار الاحتقان والكبت من جراء مغالاة الحكم القومي المتطرف فيها، ورائحة البارود السامة تشم من تحت الهشيم منتظرة من سيقدح زناد النار كي تبدأ ألسنة اللهب تتسلق عباب السماء وتحرق الأرض تحت أقدام الطغاة. وفعلا هذا ما حصل بعد ان نفذ صبر بعضهم.

      هل كانوا على عجلة من خوض المعركة الفاصلة وحسب تقديرات الموجهين لهم ؟

نعم ان ارض سوريا تحترق ومعها كل شعبها الأبي المسالم الصابر. وذلك بسبب الحرب الأهلية المندلعة فيها منذ أكثر من سنتين ولا مؤشر لنهايتها.

      ألا يعني هذا ان كل شيء كان قد هيئومنذ فترة غير قصيرة من قبل الامبريالية العالمية كي تبدأ عملية تغيير الخارطة السياسية والإدارية والاجتماعية والديمغرافية لجغرافية عموم دول المنطقة وفق ما يناسب زمانا ومكانا للإستراتيجية المنسوجة خيوطها في عواصم الغرب (لندن – باريس – برلين) بعد ان بصمتها واشنطن بدلا من تل أبيب صاحبة المصلحة العليا الآنية والبعيدة والتي عبرها تحقق كل من...

1- أمريكا : حلمها الأكبر – السيطرة على دول المنطقة وأبارها النفطية الفياضة والطافحة بالذهب الأسود. إلى جانب جعل أسواقها. البورصة الرئيسية لتصريف صناعاتها المدنية والعسكرية وبالأسعار التي تريدها.

2- وثم تل أبيب:- وأمنيتها التاريخية، قيام دولة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات. وكانت الظروف الداخلية لدول الجيران مناسبة لان معظمها في مخاض عسير ومكوناتها الاجتماعية والسياسية متصارعة فيما بينها على كراسي الحكم والاستئثار بالسلطة واقتسام الثروات الهائلة فيما بين قادتها وذوي النفوذ المذهبي والقومي وغيره.

      ولهذا كان لابد لقادة الدول الغربية ان تستثمر الوضع المأساوي للبنية التحتية الاجتماعية العريضة لشعوب دول المنطقة وبدون استثناء، وفي مقدمتهم – عراق – أردن – لبنان – (فلسطين المسلوبة الإرادة). والمسحوقة اقتصاديا والمحرومة من ابسط الحقوق السياسية والإدارية والثقافية وتحت خيمة الديمقراطية اللبرالية. ولاحقا السعودية واليمن ومصر وغيرها وذات الصلة المباشرة بقضية فلسطين من عام 1948 والى هذا اليوم.

      رغم كون غالبية حكامها يدورون في فلك أمريكا وحلفائها من الدول الغربية لا بل الأمر بتمكينها من إذكاء نار الفتنة الطائفية والمذهبية بصورة خاصة. كل داخل حدودها الإدارية الجغرافية القائمة والكل يدعي بصاحب السيادة والاستقلال الوطني الناجز.

      وان ما آل بالشعب السوري بحيث يصعب، لا بل يستحيل على أي طرف من المساهمين في إشعال هذه الحرب ومعهم نظام الحكم، من إطفاء سعيرها قبل ان تزحف عاصفتها الصفراء عبر سوريا إلى جميع دول المنطقة وبدون استثناء قريبا.

      وتمكنت الدول الغربية والعربية المساهمة معها، في عزل سوريا كليا عن العالم العربي والإسلامي، وأصبحت الوحيدة الباقية ولو إعلاميا رافعة راية التحرير لفلسطين ومعادات إسرائيل. ملتقية مع بعض من غلاة التطرف الديني في جيوب عديدة من دول المنطقة وبأسماء مفبركة ومنها القاعدة وغيرها.

      وفعلا لاح رجسها مع خيط الأفق وبشكل جلي، عدا ما تناقلته القنوات الفضائية عن المؤتمرات الصحفية المعقودة وبشكل دوري في غالبية عواصم المنطقة والدول الغربية لوزراء خارجيتها. من الدعم المباشر للقوى المعارضة السياسية والمسلحة داخل سوريا وخارجها، والى جانب الاجهار العلني من دول الخليج بدعم جميع الفصائل المسلحة وغير المسلحة ماديا وعسكريا بغض النظر عن تطرفها او اعتدالها السياسي، وكذلك المتطوعين من الخارج كميليشيات ذات صبغة طائفية لصالحها ولصالح نظام الحكم القائم. مع الدعم المباشر من قبل روسيا لنظام بشار الأسد بالسلاح والعتاد المتطور وبشكل مكشوف وبعلم المؤسسات الدولية كمجلس الأمن وغيرها. مما أدى بالطرفين الغربي بقيادة أمريكا والشرقي بقيادة روسيا على التحدي وعدم الرغبة الصادقة في حل قضية سوريا حلا سلميا. والكل يعلم ان استمرار القتال بين الجيش الحر والفصائل الأخرى من جانب، مع جيش النظامي لسوريا قد يؤدي الى استفحال مأساة الشعب السوري البائس وبإمكان الدول الداعمة للجبهتين توسيع الرقعة الجغرافية لهذه الحرب الأهلية الضروس الى خارج سوريا وامتدادها الى جميع دول المنطقة كما جاء أعلاه. عدا ما صرح به بعض وزراء الخارجية للدول المعنية بان الحرب قد تطول بعض دول الشرق الأوسط، وتمتد الى غيرها كحرب إقليمية شاملة. ولا يستبعد ان تستثمر من قبل بعض غلاة الحرب وتوسيعها الى حرب (إقليم كوني مصغر). خشية ان تصدأ طائراتها العملاقة الناقلة والمقاتلة وصواريخها العابرة للقارات في اوكارها وتكون خسارة عظيمة لتجار الحروب وأعداء السلام.

وأخيرا قد لا يتكهن احد بالنتائج في حالة عدم توصل جميع الأطراف المساهمة في القتال والممول لها الى حل سلمي وإنقاذ شعوب المنطقة من كارثة مدمرة لا مصلحة لأحد فيها غير الكبار المتنافسين على هذه البقعة الغنية بالثروات والفقيرة الى الأمن والاستقرار. والى ابسط مفاهيم لحقوق الإنسان كما ورد في لائحتها الصادرة عام 1948 من هيئة الأمم المتحدة والكل موقع عليها. وأصبحت حبرا على ورق، تيمنا بسياسة التمضحك على الذقون للشعوب المقهورة وليس إلا.

18/6/2013  

23- غطرسة الكبار في أقاليم الصغار

بالأمس كانت سياسة أمريكا تحاول التهديد لا بل بالتدخل وتوجيه ضربة عسكرية لحكومة سوريا، وبالتعاون مع حلفائها التقليديين الأوربيين وبعض حكام المنطقة وفي مقدمتهم بريطانيا وألمانيا وفرنسا، وحاولت الغطرسة الأمريكية تكرار ذلك في دمشق والتي هي مبتلة بحرب أهلية منذ أكثر من سنتين، بعد ان تمكنت هذه الدولة من إسقاط النظام (الطالباني في أفغانستان في عام 2001) و (نظام صدام حسين في العراق في 9/4/2003) وثم نظام (القذافي في ليبيا عام 2013) وأخيراً (القزم الصغير علي عبد الله صالح في اليمن). وكل ذلك تحت ستار إقامة أنظمة ديمقراطية في هذه الدول وإنقاذ شعوبها من الوضع المأساوي التي تعيشه طيلة عقود من جراء الحكام المستبدين والمتطرفين المصابين بداء العظمة.

وبعد ان سقطت جميع حججها المزيفة ولم تعد تنطلي هذه الأكاذيب على الساحة الدولية. والتي غايتها السيطرة التامة على منابع النفط في الشرق الأوسط وفتح أسواقها أمام إنتاجها العسكري الهائل وتصريفه بالأسعار التي تريدها وتَدرُ منها مليارات الدولارات، وإقامة حكومات هزيلة وتحت الوصايا المباشرة او غير المباشرة متكلفة بحمايتها من غضب شعوبها إذا ما نهضت وثارت ضدها.

وما يشهده العراق منذ سقوط النظام السابق وكذلك ليبيا واليمن من فقدان الأمن وحالة حرب شبه أهلية، وطغيان عصابات المافيا من القتلة والإرهابيين وسارقي ثروات شعوبها تحت مسميات قانونية ودستورية مشوهة، محققة قيام حكم من تشكيلات مختلفة من المحاصصة الدينية والطائفية والقبلية وغيرها.

فكانت أولى انتكاسة لسياسة الغرب بصورة عامة والأمريكية بصورة خاصة، حينما حذرت روسيا أمريكا وحلفائها من أي تدخل عسكري مباشرة في سوريا. وان اسقاط النظام فيها يعتبر الخط الأحمر بين الطرفين الشرقي والغربي. وبما ان إستراتيجية أمريكا السياسية والعسكرية، الغاية منها حماية أمنها واقتصادها. وإبعاد شبح أي حرب مقبلة عن ساحتها الجغرافية، كما فعلت في الحرب العالمية الأولى عام 1914 والحرب العالمية الثانية عام 1939، وأحرقت أوربا باجمعها وما تسبب لها من الدمار الاقتصادي والاجتماعي والعمراني وغيرها.

فها هي روسيا نهضت ثانية عسكرياً واقتصادياً ومعها الصين وغيرها تقف بوجه الغرب وأمريكا خاصة في أزمة أوكرانيا والتي تنذر بحرب في أوربا مجدداً ولعدم تمكنها من زج حلفائها عسكرياً في سوريا كما فعلت في الدول المذكورة أعلاه. فانزوت مجبرة وسبق وان نوهنا عن بدء أفول نجم هذه الإمبراطورية وتراجعها عسكرياً على نطاق الساحة الدولية بصورة عامة والإقليمية لمنطقة الشرق الأوسط وأوكرانيا لاحقاً. وفي مقال لنا بتاريخ 13/9/2013 ونشر عبر الكثير من المواقع للانترنت وتحت عنوان :- (عندما يتنازل الكبار عن كبريائهم). وكيف تمكنت روسيا رغم انها ليست كنظام قائم للدفاع عن حق الشعوب في تقرير مصيرها، او حمايتها من الحكام المستبدين والدكتاتوريين أمثال الوارد ذكرهم في هذا المقال ومن ضمنهم حكام سوريا. بل أيضاً تنطلق روسيا من منطلق الدفاع عن مصالحها وأمنها وهيبتها التاريخية. الى جانب وحسب اعتقادها، انها الممثل الشرعي للدولة السوفياتية التي انهارت عام 1991 بفعل التأمر الجمعي للدول الغربية بقيادة أمريكا، وأسباب ذاتية للنظام المذكور. فلابد ان تكون صاحبة الثأر له. بمعنى ان القوى العسكرية في كل زمان ومكان ليست إلا الرديف التاريخي لقانون الغاب (القوي يأكل الضعيف). وان الحضارة والمدنية قد طرزتها بعدة اطر مزركشة وبراقة، فالضحية في الغابة الحيوان الضعيف. وفي المجتمع الإنساني الشعوب الضعيفة والصغيرة والمغلوبة الأمر من قبل حكامها وأنظمتها المتطرفة. وسهولة جعلها في دوامة مستمرة من التخبط في وسط الصراعات الداخلية الدينية والمذهبية والعنصرية والقبلية والقومية وغيرها. الى جانب إمكانية الدول الكبرى في الكثير من المواقف من تأليب دول المنطقة الكبيرة والصغيرة على بعضها، بعد ان تتكفل بحماية حكومات أكثرها ثراءً. وما ينعش اقتصادها من ثرواتها الطبيعية كما هو الحال في الدول العربية الواقعة ضمن قارتي آسيا وأفريقيا. ومنها بصورة خاصة منطقة الجزيرة العربية ودول الخليج وإيران معاً. فإلى متى تكون الشعوب الصغيرة والأقليات منها ورقة لعب بيد الكبار، والمحفل الدولي ومنظماته الإنسانية والقانونية يقف متفرجاً على هذه المسرحيات وكأنها حلبات صراع طبيعية يتلذذ حكامها بمشاهدة المناظر المأساوية ولحمامات الدم التي تغطي ساحات وساحات في الكثير من المناطق الجغرافية لدول في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.

وهل يبقى مجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة منبراً لنفوذ الكبار، وتذرف دموع التماسيح على هذه الحالة المزرية للإنسان ؟

وهل احترام لائحة حقوق الإنسان والمواثيق الدولية مناط بالدول والشعوب الصغيرة ؟ وتصبح بالنسبة للكبار حبر على الورق عندما تتعرض مصالحهم وأنظمتهم الى ابسط خطر وتقوم القيامة مهما تكون النتائج ؟

30/10/2013

أضف تعليق


للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.