
حفرية نادرة أعادت فتح قضية حيّرت العلماء لنحو 40 عاماً
العربية. نت ووكالات
لم يكن أرنبًا بالمعنى المعروف، ولم يكن حتى قريبًا حقيقيًا من الأرانب الحديثة، لكنه امتلك شيئًا جعل العلماء يطلقون عليه لقب "أرنب العصر الطباشيري". حفرية نادرة عُثر عليها في صحراء غوبي المنغولية أعادت فتح قضية علمية حيّرت علماء الحفريات لنحو 40 عامًا.
الحيوان الصغير يحمل الاسم العلمي تميرخان بالكارسلي Tamirkhan balcarceli، وكان يعيش في زمن كانت فيه الديناصورات لا تزال تهيمن على الأرض. ويبلغ طوله نحو 15 إلى 18 سنتيمترًا فقط من الرأس إلى الذيل، لكن ساقيه الخلفيتين الطويلتين أعطتاه هيئة تشبه الأرنب بصورة لافتة.
حفرية عُثر عليها قبل أكثر من 20 عامًا
المثير في القصة أن الحفرية لم تُكتشف أمس أو هذا العام. فقد عثر عليها الباحث أندريس غيالمباردو عام 2004، عندما كان طالب دراسات عليا ضمن بعثة للمتحف الأميركي للتاريخ الطبيعي إلى غوبي.
لكن أهمية العينة لم تتضح إلا بعد دراسة تفاصيلها، لأنها كانت أكثر حفريات مجموعة الzhelestids اكتمالًا حتى الآن.
وهذه المجموعة كانت معروفة للعلماء أساسًا من أسنان متناثرة وبقايا عظمية محدودة، الأمر الذي جعل تحديد موقعها في شجرة تطور الثدييات مسألة صعبة.
الأسنان "خدعت" العلماء
هنا تكمن المفاجأة الحقيقية، فقد كانت أسنان هذه الحيوانات مستديرة ومنخفضة ومناسبة لطحن الغذاء النباتي. وبناءً على الأسنان، واعتقد علماء لسنوات أن الـ zhelestids قد تكون مرتبطة بالثدييات المشيمية المبكرة، وهي المجموعة التي تنتمي إليها اليوم البشر والكلاب والحيتان ومعظم الثدييات الحية.
بل إن بعض التفسيرات ربطتها بأسلاف مبكرة للثدييات ذات الحوافر.
لكن الهيكل الجديد قدم صورة مختلفة تمامًا.
وعندما تمكن الباحثون من دراسة الجمجمة والأطراف، اكتشفوا مجموعة من الصفات التي لم تكن ظاهرة في الأسنان.
فالحيوان يمتلك قواطع طويلة تنمو باستمرار، إلى جانب خصائص في الجمجمة والأطراف تتطابق مع مجموعة أخرى من الثدييات الصغيرة المعروفة باسم zalambdalestoids.
وكانت أكثر الأدلة وضوحًا في ساقيه الخلفيتين؛ إذ إنهما طويلتان ونحيلتان، مع خصائص مميزة في الكاحلين، وهي صفات اعتبرها الباحثون دليلًا قويًا على انتمائه إلى تلك المجموعة.
"الأرنب" لم يكن أرنبًا!
وهكذا خلصت الدراسة المنشورة في Nature إلى أن الzhelestids لم تكن ثدييات مشيمية مبكرة كما اقترحت بعض التفسيرات السابقة، وإنما تنتمي إلى فرع مختلف من الثدييات القديمة.
أما المظهر الشبيه بالأرنب، فهو مثال على ما يعرف في علم الأحياء التطوري بالتطور التقاربي: حيوانات غير مرتبطة ارتباطًا وثيقًا قد تطور بشكل مستقل صفات متشابهة لأن لديها نمط حياة أو احتياجات بيئية متقاربة.
بمعنى آخر: الطبيعة صنعت شكلًا يشبه الأرنب قبل ظهور الأرانب الحديثة بزمن طويل جدًا.
لا تحكم على الحيوان من سن واحدة
القصة لا تتعلق بهذا الحيوان وحده. فالدراسة تقدم درسًا مهمًا في علم الحفريات: الأسنان مهمة جدًا، لكنها لا تكشف دائمًا القصة الكاملة للحيوان.
ولأن معظم بقايا الzhelestids التي عرفها العلماء سابقًا كانت عبارة عن أسنان، فقد بدت الصورة مختلفة عما كشفت عنه الحفرية الأكثر اكتمالًا.
ويشير الباحثون إلى أن الصفات التي بدت متشابهة في الأسنان ربما كانت نتيجة للتطور التقاربي، وليس دليلًا على قرابة مباشرة.
وغوبي ما زالت تخبئ المفاجآت
وتؤكد الحفرية مرة أخرى أهمية صحراء غوبي، التي تُعد من أغنى مناطق العالم في اكتشاف حفريات الديناصورات والثدييات المبكرة.
ويواصل علماء من المتحف الأميركي للتاريخ الطبيعي والأكاديمية المنغولية للعلوم تنظيم بعثات إلى المنطقة منذ عقود، إذ لا تزال الصخور هناك تكشف عن حيوانات تساعد في إعادة بناء تاريخ تطور الحياة على الأرض.
