اخر الاخبار:
تصفية قيادي كبير بداعش في العراق - الخميس, 20 حزيران/يونيو 2024 20:52
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

مقالات وآراء

يوميات حسين الاعظمي (1170)- العراقيون اسياد العود

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

حسين الاعظمي

 

عرض صفحة الكاتب 

يوميات حسين الاعظمي(1170)

العراقيون اسياد العود

 

      سبق ان تحدثتُ عن موضوع سلسلة الاحتفاء ببعض الفنانين الكبار من قبل دائرتنا (دائرة الفنون الموسيقية) باشارة من وزير الثقافة والاعلام لطيف نصيف جاسم عندما استقبل في مكتبه المطرب يوسف عمر صباح يوم 1 تشرين ثاني 1984 مع مجموعة من الفنانين الشباب. ومن هنا كانت البداية في فكرة الاحتفاء بالفنانين بعد ان اقترح الوزير الاحتفاء بالفنان يوسف عمر. وكانت هي البداية، ثم نضجت الفكرة بالاستمرار بالاحتفاء بفنانين آخرين. حيث اشار لي الاستاذ منير بشير المدير العام لدائرتنا بتكرار التجربة واختيار صانع الآلات الموسيقية المرحوم محمد فاضل العواد للاحتفاء به وبانجازاته في صناعة آلة العود والآلات الاخرى. وبعد انجازنا لهذه التجربة الثانية، كبرت آمالنا بالاستمرار في هذا المسلسل الاحتفائي. ثم اقترحتُ اسماء اخرى من الفنانين كداخل حسن وحضيري ابو عزيز وآخرين. الا ان ظروفا حالت دون الاستمرار ومنها ظروف الحرب الطاحنة بيننا وايران. فاكتفينا باحتفاليتين للمرحومين يوسف عمر ومحمد فاضل العواد وتوقف بعدها هذا المشروع المهم.

 

      على كل حال، منذ اواخر سبعينيات القرن المنصرم، كنت مديرا لفرقة التراث الموسيقي العراقي حتى اضمحلال الفرقة مع بدايات الحصار الظالم الذي فرض على بلدنا العراق خلال التسعينيات. وعليه كنت المشرف العام على كل نشاطات الدائرة الفنية. ومنها مهرجانات المقام العراقي التسعة التي اقمناها خلال الثمانينيات وكذلك حفلات الاحتفاء بالفنانين الرواد وغيرهما من النشاطات الاخرى، حيث كانت فرقتنا التراثية (فرقة التراث الموسيقي العراقي) هي المعتمدة في اقامة هذه النشاطات الفنية.

 

     لا ارى داعيا للاطالة، فبعد ان اقمنا امسية تكريم الفنان يوسف عمر في يوم 16/11/1984 بعد اسبوعين من استقبال الوزير ليوسف عمر والفنانين في مكتبه يوم 1/11/1984 ونجاحها المطَّرد، واسهاب الصحف في الكتابة عنها...! يبدو ان هذه الامسية راقت لاستاذنا الموسيقار الراحل منير بشير المدير العام لدائرة الفنون الموسيقية، حيث كلفني شخصيا بالاستمرار في اقامة اماسي اخرى لتكريم بعض الاسماء المبدعة في فنوننا الموسيقية على وجه الخصوص. وعليه اجتمعتُ باعضاء الفرقة الموسيقية طالبا منهم المشاركة في طرح بعض الاسماء التي تستحق منا ذكرهم وتكريمهم...! وفي الحقيقة كنت اميل الى تكريم بعض اسماء فناني بلدنا في كل بيئاته ومن كل انطولوجية غنائه وموسيقاه، وكانت اسماء كثيرة قد تم تداولها وطرحها، وعلى الاخص من مشاهير الغناء الريفي وغيرهم. ولكن المدير العام الموسيقار الراحل منير بشير طلب مني للامسية الثانية الاحتفاء بصانع الآلات الموسيقية الشهير المرحوم محمد فاضل العواد، وتاجيل الاسماء الاخرى بعد هذه الامسية.

 

       ذهبتُ الى المرحوم محمد فاضل العواد في محله الجديد بحي راغبة خاتون في مدينة الاعظمية يوم 13/1/ 1985 الاحد. وكان معي في هذه الزيارة التي كلفنا فيها استاذنا منير بشير، الفنان الموسيقي والمصور الفوتغرافي المعروف الموظف في دائرتنا الموسيقية محمد لقمان(هامش1) من اجل ان احصل عن بعض المعلومات عن تجربة المحتفى به ومن ثم التقاط بعض الصور الفوتغرافية لعمل فولدر خاص بالمناسبة. وكنت حاملا معي جهاز تسجيل كاسيت صغير لتسجيل حديث المرحوم العواد. وتمت مهمتنا على ما يرام وعدنا الى دائرتنا للعمل والتحضير للامسية التكريمية الثانية التي خصصت لصانع الآلات الموسيقية الشهير محمد فاضل العواد. وطبيعي ان يكون عملي الاول هو تفريغ شريط الكاسيت وما به من معلومات تحدثَ بها المرحوم العواد، ورغم ان كتابتي لهذا التفريغ على الورق الموجود في حوزتي الآن التي مضى عليها اكثر من اربعين عاما غير تامة الوضوح...! ولكني احاول الآن ان استخرج منها اهم المعلومات التي فيها من خلال حواري معه في زيارتي واخي الفنان محمد لقمان الى محل المرحوم العواد. ولان شريط الكاسيت ايضا قد تركته في بيتي ببغداد، ولا اعرف مدى صلاحيته اليوم ايضا في ظل ظروفنا التي تمر..!

 

      واقع الحال، وصلنا الى محل الاستاذ العواد، وكان في يده عودا يعمل به في لمساته الاخيرة وجميل جدا. وقال لنا ان هذا العود الذي اوشك على نهاية صناعته هو للرئيس صدام حسين. ثم شاهدنا بعض تفاصيل محله، وكأنه معرض للآلات الموسيقية المختلفة، وخلال حديثنا اعرب عن قيمة وقته الذي يصفه بأنه من ذهب...! حيث يعمل في كل الاوقات. وهنا شارك اخي محمد لقمان موجها كلامه للسيد العواد طالبا منه الحديث عن نبذة مختصرة عن حياته. حينها قال المرحوم العواد.

 

      ((والدي في زمن العثمانيين استشهد في السفر بر(هامش2) وتربيتُ في كنف خالي نجم الدين عبد الله. اصلنا من الموصل، ولكن مواليدنا في بغداد أباً عن جد. وانا ولدتُ في عام 1910. وعلّمني خالي الصنعة، ومنذ البداية اصبحتْ اموري جيدة لانني اعمل ليلاً ونهاراً...! امتلك من البيوت اربعة...! وانا في خدمة عملي في صناعة الآلات الموسيقية. اول آلة عود صنعتها في عام 1932. في محلي الذي كان في حي جديد حسن باشا بالقرب من الحيدرخانة. واول كمان صنعتها في عام 1933، واول آلة قانون صنعتها بزمن متأخر، اي قبل اكثر من عشرين سنة، ولكنها قوانين تضاهي القوانين المصرية...! وصنعتُ اول آلة جوزة في عام 1960. وآلات السنطور والزرنة والمطبك والالات الايقاعية بوقت متأخر ايضا قبل اكثر من خمسة عشر سنة...!

      من خلال عملي (والحديث ما زال للمرحوم العواد) صنعتُ اعواداً لبعض المشاهير العرب من الفنانين، ففي عام 1947 صنعتُ عودا للمطرب المصري الشهير محمد عبد الوهاب. واعواد أخرى لعز الدين صدقي الذي جاءني به المطرب الشهير فريد الاطرش بواسطة الفنان الكويتي الشهير محمود الكويتي عام 1963. وفي نفس هذا العام صنعتُ عوداً للمطرب الشهير عوض دوخي. فضلاً عن الكثير من الفنانين الحلبيين والعرب الآخرين، الذين لا يعزفون إلا بآلة عود من صنعي انا، وعود آخر صنعته للسيد مانع سعيد العتيبة، واول الاعواد التي صنعتها لجميل بشير ومنير بشير وغانم حداد، كانت في عام 1952. واضاف السيد العواد، بأن الآلة الجيدة تساعد على تطور الفنان وتطور الموسيقى)).

 

      ونحن نلتقي بالمرحوم محمد فاضل العواد، فان جميع من يعمل في المحل، وهم كثيرون، يعملون بنشاط كثيف دون توقف ولم ينشغلوا بنا وبموضوعنا، فالوقت من ذهب كما عبر عنه المرحوم العواد. ولكنني خلال ذلك سألته. عن بعض عامليه من الذين عملوا في محترفه ثم افتتحوا محلات لهذه المهنة خاصة بهم، هل هم جيدون...؟ فاجاب بأنهم يحتاجون الى ممارسة هذا العمل أكثر...! طيب الا يوجد من عمالك الحاليون جيدون...؟ أجاب بالنفي، لا لا يوجد، الرجل الذي معنا في المحل واشار اليه، اسمه محمد فالح من اقاربي، واولادي وابناؤهم يأتون في يوم الجمعة فقط لانهم موظفون.

 

    في نهاية اللقاء قدمتُ واخي محمد لقمان شكرنا له على استضافته ووقته الثمين الذي امضاه معنا. هذا ما استطعتُ ان انقله لكم اعزائي القراء الكرام من محتويات شريط الكاسيت، عسى ان تكون هذه الحلقة قد أوفت بالغرض.

 

      بقي ان الامسية اقيمت في مطلع عام 1985، وقد عزف فيها مشاهير العود، وقدمها الفنان الراحل المرحوم حسين قدوري. وبودي ايضا ان اشير الى موضوع جميل كتبه الدكتور حبيب ظاهر العباس عن المرحوم محمد فاضل العواد منشور في مجلة القيثارة في عددها الثاني حزيران 2003. حيث يذكر ويؤكد على كون العواد من عائلة موصلية، وينسب الى عشيرة العبيد، فهو عبيدي اذن...! وانا من هنا ادعو لقراءة ما كتبه الدكتور حبيب ظاهر العباس عن السيد العواد لاهميته الارشيفية. والف تحية لابناء المرحوم محمد فاضل العواد الذين حافظوا على تراث والدهم وتراث وقيمة صناعة آلة العود في العراق ووطننا العربي، باستمرارهم في هذه الصناعة الذين امتلكوا اسرارها من والدهم المرحوم محمد فاضل العواد.

 

       والى حلقة اخرى قادمة ان شاء الله.     

 

هوامش

1 – هامش1- محمد لقمان: زميل دراستي الموسيقية في معهد الدراسات النغمية العراقي أوائل السبعينيات، فنان موسيقي خريج المعهد وهو من الدورة الثالثة، وانا من الدورة الرابعة، كذلك فقد كانت مهنته الفنية الاخرى التصوير الفوتغرافي وله باع طويل فيها.

2 – هامش2- السفر بر: التجنيد الاجباري لاجدادنا فيما يطلق عليه على لسان الناس (دكة الغربية) حيث اخذن النسوة يندبن (اويلاخ يا دكة الغربية) بعد الحزن الشديد على مصير ابنائهم المجندين الذين لاقوا حتفهم بردا وجوعا وقتلاً خارج بلدهم خلال الحرب العالمية الاولى...! ثم شاع مصطلح -السفر بر- في الافاق (من مقال كمال لطيف سالم في مجلة التراث الشعبي العدد الاول السنة السادسة والعشرون 1995 صفحات 26 و27 و28 و29 و30).

 

 

صورة واحدة / صانع الالات الموسيقية الشهير المرحوم محمد فاضل العواد.

 

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.