خديجة جعفر
الفردنة في عالم التكنولوجيا
خديجة جعفر
- اتقرأ ؟
- بل احاول؟
- هل ما زالت تقنعك الحروف؟!!!...
- ليس كثيرا ،
انا غالبا اختبر احساسي مع هذه الوقفات..
كلمات قليلة، تختصر الكثير من ضبابية القراءة الشبابية وقلقها المعرفي من عالمنا المعاصر..
فكيف لهذا القلق المعرفي أن يترسخ شكلا من اختبارات الاحاسيس؟ واي دور للتكنولوجيا من هذا القلق المعرفي الجيلي؟
يذهب المفكر المغربي "عبد السلام بنعبد العالي" في مقالته المنشورة في مجلة: "المجلة" بتاريخ ١١ اكتوبر ، متفقا مع العديد من الدراسات، لاعتبار "جيل زد"، الجيل الغاضب، الرافض، دون امتلاكه الحس النقدي مؤكدا بأنه الجيل القابض على وسائل الانفتاح، وقدرة المتابعة لتطورات عصره، وفهم تحولاته والتقاط صوره. فهو جيل يمتلك تقنيات المعرفة بكافة أشكالها، يعيش الازمات والمشاعر والتقديمات نفسها. مُنَوِها بانهم "رقميون بالفطرة"، ولدوا منفتحين على العالم، الا انها فطرة لم تهبهم قدرات الحس النقدي بقدر ما زودتهم بخاصية "الرفض" المتولد عن حالة غضب....
فما الذي قد يتسبب بغضب جيل، اتاح له العلم والتقدم كل بذخ تقني، معرفي، ممكن؟
رُبَّ عودة زمنية نحو مرحلة التحولات الفكرية والتقدم العلمي من الحقبة السابقة، وما أوهمتنا من بشائر غلبة الفرد، أهمية حضوره، انتباها لقدراته وايمانا بفردانيته، لتطالعنا الدراسات والرؤى واقعا، عكس ما اوهمتتا به، بعد كل ما رافق المرحلة من ظواهر ساهمت في تهميش الفرد وتذويبه داخل منظومات سياسية واقتصادية واجتماعية فرضتها الاهداف الاقتصادية انتاجا.
فكان لكارل ماركس أنّ يعتبر:" أن النظام الرأسمالي يُفرغ الإنسان من جوهره، إذ يُحوَّله إلى مجرّد أداة للإنتاج، فتُستَبعَد حريته ويغترب عن ذاته".
أمّا نيتشه فاعتبر:" أنّ قيم المجتمع الحديث تُخضِع الفرد لسلطة الجماعة، وتقتل فيه روح الإبداع والإرادة الحرة، داعيًا إلى تجاوز “أخلاق القطيع”...
قد يخطر في بالنا فرضية: أن تحضر التكنولوجيا، ثورة ثأرية لاستعادة اهمية الفرد، تجهد للحد من الهيمنة الجمعية، واعادة الاعتبار لهذه الذات، قوة ابداعية تستحق جهود اطلاقها، مكرسة التقنيات لخدمة احتياجاتها المعرفية، بثا وتَلَقيا، ذاتيا وجمعيا، لتكون المعرفة في متناول جميع الفئات والاجناس بشكل متساو، لا يحدها غير الرغبة في الاستخدام.
فمن اين يأتي غضب "جيل زد" اذا ؟؟
تمتلك التكنولوجيا أن تسري بزخم الفيضان المائي بين المستخدمين، متخطية الحصرية المؤسساتية للتلقي المعرفي، وعلاقات الملكية الإنتاجية بالنفوذ، فالقوة الفاعلة والمؤثرة الان، لامتلاك المعلومة...
لا بد ل"مجتمع زد" ان يكون مدركا هذا التحول من أهمية امتلاك المعلومة بحكم الاستخدام والإحاطة الأفقية بالمعارف..
الا ان التقنيات نفسها، التي تتيح هذه القبضة المعرفية، والمستقاة باغلبها من مواقع التواصل الاجتماعي شبابيا، بتصميماتها الغرافيكية، والملاحظ تشابهها، ومحدودية تطورها بما لا يتماشى مع درجة تطور وتنوع هذه التقنيات والمواقع نفسها، لتطرح أزمة معرفية تتمثل في افقيتها تحديدا..
ان التصميم الغرافيكي لمواقع التواصل المعتمد والمتشابه باغلبيته، يثير التساؤلات حول الآثار والانعكاسات المترتبة على شخصية الباث، كما على المتلقي، من جهة: "طبيعة المعرفة" و "غضبة الجيل" ...
يفرض التصميم الغرافيكي لمواقع التواصل، على الباث الناشر، لفكرة أو رأي أو حتى صورة، التقيد بمساحة مغلقة، محدودة السعة، كعارض معلومة لطالبها المتلقي، كذلك الامر ما يلزم التعليقات تفاعلا مع ما تم بثه. الأمر الذي يجعلنا نتوقف امام ما تقره: "الفلسفة اللغوية" من علاقة ضبط وتوجيه، تربط بين اللغة وطريقة ظهورها، من حيث الايحاء بالايجاز اللغوي ربطا بتقلص حيز الظهور...
هذا وتذهب التفسيرات "السيميائيات" للربط بين المساحات والمعنى اللغوي باعتبارها اشارات دالة...
بالتالي، فان ثمة علاقة ملفتة تربط بين الحيز الذي يفرضه التصميم، من مربعات للنشر والتعليق، واثاره المترتبة على العملية المعرفية من جهة، وعلى السلوك التفاعلي من جهة اخرى. لنراها تتجه نحو الايجاز، السرعة، الايحاء، الاختصار ... وهي موجهات تجعل من النشر، معلومة سريعة الحركة حضورا وزوالا، مقتضبة المحتوى، مارة على المتلقي كمسحة يد على جبين، دون فرص التعمق والتحليل أو حتى التلقين، لتكون افضل الفرص المعرفية من خلال عملية النقل بخاصية (مشاركة) احتفاظا، دون المساس بالمحتوى، لتتجرد من كونها معلومة قابلة للنقد والمراجعة، جامدة، باردة، تماما كما الجثة في برادات الموتى..
لا يبعد امر الحيز وتأثيره على الايجاز كثيرا عن الفروض السلوكية المستجدة. فقد يخيل إلينا بعد خاصية السرعة والايجاز هذه، ان عملية النشر، دعوة علنية لاحترام "قيمة الوقت" لتبدأ معها مسيرة الركض احتراما لقيم العصرنة والحداثة كعناوين جاذبة، لتصبح السرعة ممثلة بالاختصارات اللغوية، سلوك منتشر بعدوى ميكانيكية، فثمة الكثير من اللهاث في عمليات العرض والتعليقات واضعة عمليات البحث والتعمق والتحليل والاستنتاج في تصنيف الأفعال المشؤومة ما يصب في مصلحة التسطيح المعرفي، لتلدو ظواهر الركض والسرعة والايجاز، سلوكا متبعا على مواقع التواصل الاجتماعي، من يشغله بكثافة افراد الجيل الجديد، جيل زد. ليتحمل التصميم الغرافيكي بذلك، مسؤولية ترسيخ المعلومة كمسألة سطحية وعامة، لا تستحق جهد التعمق باسئلة ال(لماذا) بقدر اعتبارها فسحة عرض للذات الباثة وترسيخ سؤال ال (من). فيتحول معه الفرد من قدرة للعطاء الابداعي إلى آلة طباعة واستنساخ، وهو ما يغلف مفهوم فردنة العصر التكنولوجي...
قد يظن المستخدم نفسه ذاتا مكتملة، يمارس فرادته بحرية شبه مطلقة، نشرا أو تعليقا، لكنه تحت رقابة آلاف الجماهير كما الحضور الفاعل لرقابة الموقع نفسه واقعا، ما يجعله عرضة لقلق الرقابة، والشكوك الذاتية من صوابية مواقفه، ليقع فريسة التعداد الكمي من "اللايكات" تقييما، وآلية لقياس الثقة، على عكس الظنون بالنزعة الجماهيرية ل( اللايك) من حب الظهور. وبما أن التقييم ليس مجرد حكم عابر، بل انه مقياس وعي ونشاط معرفي، يتحول معه المحتوى الى مجرد تدفق عشوائي خال من الهدفية والأثر أن لم يخضع لمشرط الاخر المتلقي في التمييز والنقد والتحليل، لتبدو معه "اللايك" سطحية ومربكة، قاصرة عن التقييم الحقيقي، منتجة للقلق تجاه صوابية الرأي وثبات الموقف والثقة بالذات..
وإن يتدخل كانط معتبرا: "ان القيمة الحقيقية ليست في الموضوع بل في الحكم الذي يصدره العقل عليه"، فإنه يؤكد، بأن تبسيط عملية النشر والتعليق وحصرهما في حيز محدود، قد استبعد البعد الفلسفي من ضرورة البناء للشخصية الباثة للمحتوى، القادرة على مواجهة مشرحة النقد المعمق، للثقة بكونه يستحق أن يعكس ذواتنا المعرفية، وعدم اكتفائنا من ان نكون مُستهلِكي معلومة، نحو شخصيات مشاركي إنتاج وتصنيع معرفي، وذوات تستحق هذه الفردية تميزا.. المستخدم يدرك تماما عمق الهوة بين المنشور وسطحية اللايك الفاقدة الحُجَة تقييما، المُتكئة على استسهال المجاملة التفاعلية، فهي عاجزة عن تأكيد الأهلية لاحياء الثقة بالنفس، بل انها، مصدرا للشك الاضافي، سببا لنزوعات القلق والتوتر، وهو الامر الثابت الوحيد من هذا التفاعل، بجهوزية الغضب الكامن ردا لغويا يظهر مباشرة بين الحروف عند أول تعارض في الرأي تعليقا، هو غضب يصح اعتباره مقياسا كميا لحجم القلق المعلب في مربعات النشر والتعليق من هذا التصميم، وسمة اساسية لشخصية الجيل..
ها أننا في عصر التكنولوجيا، نواجه تذويبا اضافيا لهذا الفرد المعلن عنه مبدعا حرا، لتُوَظفه التكنولوجيا، كما وظفته الآلة الصناعية، آلة في منظومة اكبر وأوسع واعمق هدفية لتصبح الفردنة التكنولوجية، التي يتوهم تاكيدها التصميم الغرافيكي من مواقع التواصل الاجتماعي المستخدم شبابيا، مجرد قناع يخفي حقيقة الغضب، والقلق والضبابية المعرفة من واقع التنميط والنمذجة تفاعلا على مواقع التواصل الاجتماعي التي تبثه خفية تلك التصاميم الملتبسة الأبعاد تنميطا ونمذجة لبناء وصناعة للقطعان الجدد...
خديجة جعفر
٦ /١٢ /٢٠٢٥