حسين الاعظمي
يوميات حسين الاعظمي (1431)
رسائل متبادلة/ 5
(من كتاب مخطوط ما زال في طي الاعداد)
***
العالم الجليل أ.د. مجيد القيسي
اعزائي القراء والمتابعين الكرام رعاكم الله. ما زلت اتحدث عن رسائل متبادلة بيني وبين نخبة موقرة من مجتمعنا العراقي عن طريق رسائل الايميل او الاتصالات الهاتفية بواسطة الهاتف النقال. وانا تعتصرني الذكرى ويهزني الحنين الى تلك الحقبة الزمنية من اتصالاتي مع نخبة من كبار القوم. حقبة زمنية استمرت اكثر من عشر سنوات وقد مرت سريعاً. استفدت منها فائدة فنية وادبية وعلمية ونقدية بناءة كبيرة ما زلت استعين بتاشيراتها المهمة خلال مسيرتي الفنية والكتابية. فبعد ان كتبت في الحلقات السابقة عن الفنان الكبير باسم حنا بطرس والفنان الكبير احسان ادهم، ابدأ حلقة اليوم عن العالم الكيميائي الكبير المعروف على مستوى العالم، والاديب الشاعر الاستاذ الدكتور مجيد القيسي. وساعرج بعد ذلك في الحلقات القادمة ان شاء الله عن الاديب الصحفي الكبير خالص عزمي. وسابقى اتذكرهم جميعا بكل الاحترام والتقدير ما بقي من عمري.اعترافا ووفاءا لذكراهم العزيزة. فقد كانت نخبة رائعة لطيفة التعامل ونقية المقاصد من شخصيات بلدي، شخصيات عزيزة كريمة واعية مثقفة عالمة في اختصاصاتها بكل ما يمكن ان تعنيه هذه الكلمات من معنى.
وصلتني رسالة الكترونية عبر الايميل من الفنان الكبير احسان ادهم يخبرني فيها باستلامه رسالة من الاستاذ الدكتور مجيد القيسي بتاريخ 24/6/2008. يتحدث فيها عن استماعه لمقام البنجكاه بصوتي. الذي كان من ضمن ألبومي(مقامات في العشق الالهي) الصادر عن مؤسسة راسا العالمية في امستردام بالتعاون مع مؤسسة المقام العراقي التي اسسها زميلي الفنان د.محمد كمر، الذي تم تسجيله في ستوديو موسكو في مدينة اوترخت الهولندية في 16/1/2004. وصدر في تشرين ثاني 2006. وفي رسالة أ.د.مجيد القيسي الى اخيه وصديقه الاستاذ احسان ادهم، حيث ابدى اعجابه الكبير بادائي لهذا المقام موثقا هذا الاعجاب بمقالة جميلة ورائعة حقا..! ولا داعي للاطالة في الحديث، فقد ارسل لي المرحوم الاستاذ احسان ادهم مقالة أ.د.مجيد القيسي ومقالته عن مقام البنجكاه واليكم اعزائي اهم ما جاء في مقالة الدكتور القيسي ادناه.
(((اخي الخالص الحبيب ابن بغداد النجيب
الاستاذ احسان ادهم رعاك الله.
قيل في المأثور(رب مصادفة خير من الف ميعاد). والمصادفة التي اطلت علىَّ بطلعتها البهية هي ان تقع عيناى على ملف صوتي في احد المواقع الألكترونية يحمل عنوان مقام(الپنجگاه) للفنان حسين الأعظمي.
فبينما كنت اتصفح موقع(ألأخبار) على قلة ولوجي دروب المواقع وازقتها الملتوية، فاذا بواحد من فرسان المقامات العراقية ينتصب امامي. فاندفعتُ لتنزيله على صندوق(الولايات) على عجل. وهذا المقام الطربي الهادئ الرصين يحمل القلوب العاشقة على الخفقان والترنح تجاوبا وانسجاما مع نغماته المتمايلة ذات اليمين وذات الشمال. والحقيقة ان عذوبة صوت الفنان(حسين الأعظمي) ومقدرته الفائقة على الأداء الجميل واحكام الأصول النغمية، قد ضاعفت من جمالية هذا اللحن المقامي البهيج. فصوته من الأصوات النادرة ذات النكهة البغدادية المتميزة، والتي تذكرنا بأمراء المقام البغدادي في عصره الزاهر والذين تركوا بصماتهم على صفحات تأريخ هذا الفن الأصيل.
ونحن حين نستمع الى صوت(الأعظمي) فكأنما نستمع الي جميع اولئك الذين اثروا الحياة البغدادية مجتمعين. وقد يبدو هذا القول مبالغا فيه، لكن فيه الكثير من الحقيقة والصدق. فالفنان(حسين الاعظمي) هرم نغمي / مقامي تام. فقاعدته الراسخة قد اقيمت على دعائم مدرسة(رشيد القندرچي) و (نجم الشيخلي) و(عباس كمبير)، ووسطه أشيد على ارضية مدرسة(محمد الكبنچي) و(يوسف عمر) و(عبد الرحمن العزاوي رفيق وقرين الطفولة والصبا والشباب) و(حمزة السعداوي)، كما بنيت قمته بقرميد مدرسة (حسن خيوكة) و(عبد الرحمن خضر) و(ناظم الغزالي)...
وحين استمعتُ الى مقام(الپنجگاه) ألإبتهالي الكيِّس هذه المرة عرفتُ منه صاحبه. والمعروف بين قراء المقام العراقي ومتذوقيه، ان لكل قارئ مقاما او اكثر يدل عليه. فيكون فيه مرجعا ودرسا نموذجيا للآخرين. فقد عرفتُ عن قرب بأن(يوسف حريش) مثلا اشتهر بإجادته وحبه للخنبات(وربما النوى ايضا) و(رشيد القندرچي) بالإبراهيمي و(سلمان موشي) بالبيات و(نجم الشيخلي) بالحجار ديوان و(الحاج عباس كمبير) بالرست و(عبد القادر حسون) بالحديدي (وربما المحمودي) و(الإستاذ محمد الگبنچي) باكثر من مقام ابرزها القطر والنهاوند والحجاز كار كرد.... و(حسن خيوكة) بالأوج والحسيني و(صديقة الملاية) بالبهيرزاوي . كما عرف (ناظم الغزالي) بالمقامات الطربية الإيقاعية الخفيفة كالأورفة والحكيمي وسواهما. وليس هذا التقسيم صارماً بل هو مجرد رأي وتعارف.
ويتميز(الاعظمي) بمقدرة عالية على فهم اصول المقامات العراقية وتطور مدارسها المختلفة على مر العصور، الى جانب الشيخ جلال الحنفي وهاشم الرجب وباهر فائق. كما يتمتع صوته بالحلاوة والمرونة والسعة النغمية الواضحة. فهو متمكن من التحارير والقرارت كتمكنه من الميانات والجوابات، فيتنقل بينها بخفة ورشاقة. كما يجيد انتقاء القطع والآوصال دون اسراف او خلل، مع المحافظة على الأصول. ومقام (الپنجگاه) واحد من المقامات العراقية التي تجمع ما بين الأبتهالية والمناجاة التي تجلب السكينة الى النفس، وما بين الطرب الرصين والإيقاع الخفيف المحبب. لذلك نجد الذين يحبون الأستماع اليه هم من جميع الفئات الشعبية. ولعل الحس الفني المرهف للفنان(الأعظمي) وفطنته الذوقية العالية قد دفعتاه الي تعشقه وايثاره. وقد نقول ومن باب الإسترسال، بأن (البنجگاه) يمثل احدى هويات الإستاذ(الأعظمي).
وحين تستمع ايها الأخ الحبيب استاذ احسان ادهم الى( الأعظمي) وهو يصدح بهذا النغم المرفرف المنعش ويردد قصيدة خمرية جميلة وذائعة الصيت يقول فيها الشاعر اللبناني الياس ابو شبكة:
مالي أرى القلبَ في عــــينيكِ يلتــــهبُ أليس للنـــارِ يا أختَ الشــقا سببُ
بعضُ الــقلوب ثِمــــارٌ ما يــــــزال بها عَرْفُ الجِنان ولكنْ بعضها حــطبُ
صُبي الخمـــورَ ولا تبقي عــلى مُهـــجٍ موجُ الشبابِ على رجليكِ يُغتَصَبُ
صبي الخمورَ فـهذا العصْرُ عصْرُ طِلاً اما السُّـــكارىَ فهم أبناؤهُ النُـــجُبُ
لا تــقنطي إنْ رأيت الكـــأس فارغــــة يوما ففي كل عـامٍ ينضِج العِــنـَبُ
والفنان(الأعظمي) حين يؤدي هذا اللحن الساحر المنطلق من اعماق النفس، يبدأ بتحريره همساً وببطء ظاهر كمن يناجي روحه المرفرة المتلهفة للقاء الحبيب..! ثم نستمع الى نغمة(أمـــان) وكأنها صدى خافت يتلاشى رويدا رويدا في الخلفية البعيدة. وبعد ان ينتهي من التحرير وتبعاته النغمية يدخل افق الميانة المتألقة النابعة من اعماق الوجدان، بعد مقدمة ظاهرة الوقع.
وليس مدحا لهذا الفنان القدير إن زعمتُ بأن(الأعظمي) قد اجاد في الأداء حتى تفوق على من سبقه ممن غنى هذا المقام، وبنفس القصيدة التي القاها بوقع مؤثر وبلغة سليمة سلسة. لقد تظافرعلى الإمساك بنياط افئدتنا الحيارى والعزف على اوتارها المشدودة، ومن دون رأفة..! ثلاثي قد احكم المهمة الوجدانية إحكاما لا فكاك منه، ألا وهو صوت(الأعظمي) الشجي ونغمات(الپنجگاه) الجميلة، وكلمات تلك القصيدة البالغة التأثير.
اخيرا ارجو المعذرة لهذه الإطالة. واطلب العفو والمغفرة عن إقحامك اخي الاستاذ احسان ادهم وأشراكك في قطف الثمار الطيبة لهذا الفن العراقي الخالد في اعماق الذاكرة بالرغم من الأشواك.
اخوك
مجيــــــد القيسي
المرفق : رابط مقام الپنجگاه بصوت الفنان المتألق حسين الأعظمي جزء 1 و2)))
مقام بنجگاه 1 - حسين الاعظمي Maqam Penjigah pt.2 - Hussein al-
مقام بنجگاه 2 - حسين الاعظمي Maqam Penjigah pt.2 - Hussein al-
https://www.youtube.com/watch?v=9Mtts2rSTxw
https://www.youtube.com/watch?v=EvSeEe-3lSg
والى حلقة اخرى ان شاء الله.

صورة واحدة / العالم الكيميائي والاديب الشاعر البروفيسور مجيد القيسي.