عبد الامير الركابي
عراق الذي "يولد" لانه لن يولد -4
عبد الامير الركابي
اين هو العراق اليوم بعد قرن من محاولة الغرب الحديث البرانيه خلقه بناء على منظوره هو وتصوراته ومايعيشه بما خص الكيانيه والدولة بحسب ما قامت اليوم في الغرب، من خارج الاشتراطات الذاتيه، وبالاكراه الذي اضطر المحتل بالاخص مع ماقد واجهه من عملية رفض تجلى بصيغة ثورة كبرى لاارضوية جعلته يفكر جديا بالانسحاب، هل ثمة من عراق يذكر بذلك الذي فرض عليه ان يقوم بعد كل الذي مر، ولماذا ياترى اضطر الغرب وممثله الامريكي الى سحق ماموجود من كيانيه عراقيه ريعيه ثانيه. ولماذا لم يحدث مثلا ان ذهبت امريكا لمصرعلى اهميتها المفترضة او سوريا او حتى ايران اليوم وبرغم كل مايبدو من اسباب موجبه لتسحقها، ثم ماذا يمكن ان يكون عليه الوضع في هذا الموضع من المعمورة من دون الريع النفطي، بالاخص مع ماهو واقع تحت وطاته من غياب للنهرين، وتحول من "عراق مابين النهرين" الى "عراق مابعد النهرين"، والى اي مصير مرعب يمكن ان يذهب، هذا مع فقدان البلاد لاية وحدة تصورية دالة على الذاتيه، القوى المتحكمه والسلطات المتحكمه بشؤونها جزئية بلا اي قدرة او ميل ناهيك عن القدرة على التعرف على الهوية، وعلى اشتراطات الذاتيه فضلا عن انها على عكس ماقد سبقها، لاتريد ضمانا لمصالحها الجزئية المتدنيه، لاي تشكل كياني في "دوله" ان يتحقق، لانه مناقض لبنيتها، ومن ثم لكينونتها، اللاانتاجية الريعيه، مايجعل من القوى المتوفرة على السلاح خارج مايعرف اعتباطا كدولة، قوى مضادة للكيانيه العراقية ان وجدت، علما بانها غالبه وسائدة برعاية برانيه وبحكم توفر مارد النفط من خارج الانتاجية.
لم تعان مصرـ المقاربة بكورة تاريخية لارض مابين النهرين تبلورا مجتمعيا ـ على الاطلاق اية تساؤلات بخصوص الكيانيه وماتزال، بحكم كونها النموذجية الكلاسيكية للبنية الكيانية اليدوية من دون اليات اصطراعية من نوع الطبقية الاوربيه، او المجتمعية مابين النهرينيه، ماقد عزز لديها المنظور الحداثي التوهمي، وهيا لها اسباب الريادة والوزن ضمن محيطها لاتفاقها كينونة مع النمطية السائدة الغالبه، والمتراجعه اخيرا ابتداء لصالح مجتمعية الفكرة الامريكيه المفقسه خارج الرحم التاريخي، ومن هنا فصاعدا، بسبب المؤشرات المتناميه الداله على انتهاء مفعول وسيلة الانتاج اليدوية، بما فيها الاليه الابتدائية وحتى التكنولوجية الانتاجية والمعولمه ومايطابقها نوعا مجتمعيا، وهو مامنتظر من هنا فصاعدا مع قرب حلول زمن الانتاجية العقلية، وسقوط وانتهاء ممكنات استمرار الكيانيه اليدوية "الوطنيه" بما في ذلك النموذج الامريكي المتاخر، الرسالي الضرورة لتبرير واستمرار الكيانيه بلا تاريخ ولا بنية طبقية مجتمعية، من نوع تلك التي وجدت اصلا واستمرت بالتفاعل لحين بلوغ الانقلابيه مابعد اليدوية في الموضع الازدواجي الطبقي، فماذا ننتظر ياترى اذا كانت كيانيه بذاتها قد استمرت ترفض ورفضت الولادة بناء على نوع الكيانوية اليدوية التاريخيه المفروضه من المجتمعية الاليه الغالبه، نمطا وتفكرا اليوم.
نحن امام مشهد اصطراعية مغفله، يسعى الغرب الى تكريس منظور مخالف لها كليا، مصورا الانقلاب الالي على انه الاليه المصنعية، مسيدا حالة من التوهميه العظمى الارضوية مع مايرافقها ويتصل بها من متغيرات، تجير كلها لمصلحة الدور الاوربي، ولتعزيز المركزية الاوربية، علما بانها في حالة انهيار نموذجي، الالة هي من يتكفل به مع تحوراتها اللازمه والتي تنقل المجتمعات حكما، من صيغة المجتمعية اليدوية الجسدية، الى العقلية عبر تحورات تبدا بالالة المصنعية، تتبعها التكنولوجيا الانتاجية الراهنه، وليدة المجتمعية المفقسه خارج الرحم التاريخي، مع انتهاء دور اوربا وخضوعها لاليات تراجع وانكماش نموذجها لصالح قيادة مجتمع الفكرة بلا كينونه يدوية، تقوم المجتمعية الجديدة اصلا على الاجهاز عليها ومحوها كمجتمعية لادولة هي مجتمعية "الهندي الاحمر"، مع ان سياقات الانهيار لاتتوقف عند ماعرف بالاتحاد السوفياتي، الصيغة الشرقية من الانتقال الالي باسم الفكرة الاشتراكية والانتلجنسيا التي "تدخل الوعي للبروليتاريا من خارجها"، ولن يلبث الغرب الاوربي تحت وطاة المتغير في وسيلة الانتاج ان يذهب الى هو الاخر للانهيار.
المتغير الكبير الذي يبدا بالالة المصنعية لامجتمعي، ينقل في النهاية المجتمعية من الارضوية الى العقلية، حيث يصير العقل هو محور الوجود اللاارضوي، والغرب بالذات غير مؤهل ولايملك من المقومات الوجودية والبنيوية التاريخيه مايجعله موافقا لسيرورة هذا الانقلاب اللاارضوي العراقي التاريخي، فاذا جاء الغرب بصيغته المصنعية الاولى وتوهماته الى ارض الرافدين، فانه انما يوقظ وهو يمارس بحكم كينونته ونوع بنيته الافناء ضد المجتمعية اللاارضوية، ساعيا لجعلها "تولد" على نسقه ورغبته، انما يوفر اسباب "الولادة" العظمى من قلب استحالة الولادة، وهو ماستكون لنا معه وقفات اخرى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يصل الامر لدى المصريين الى وضع اطروحات جامعية صدرت في كتب عن داود باشا مثيل او شبيه محمد على الالباني وظاهرته المصرية مثال/ داود باشا والي بغداد/ الدكتور عبد العزيز سليمان نوار/ دار الكتاب العربي للطباعه والنشر.
(2) تعرض حزب اللاارضوية الشيوعي العراقي بعد ثورة تموز لعملية تصفية مباشره قمعية قام بها البعثيون ابتداء في شباط عام 1963، ثم في العملية المنظمه اللاحقة الريعيه مع قيام حكم البعث الثاني في 1968، وهذه الاخيرة لم تتوقف على مجرد التصفية الجسدية والقمع، كما ان البعث لم يقم بها لوحده بل اعتمد على عملية التصفية الجارية من الداخل من قبل تيار "عزيز محمد" الذي اجهز على العشرات من القادة والكوادر "العرب"، وبالاخص من ارض السواد واسهم في تعريض العشرات منهم للقتل والاعدامات، وهو ماقد صار واجبا النظر اليه بما هو فعلا وواقعا، باعتبارها عملية امحاء للشيوعية العراقية المتعدية للماركسية اللينينه لصالح صيغة كردية برانيه. يراجع بهذا الخصوص للاستدلال، كتاب باقر ابراهيم الموسوي القيادي في الحزب لفترة طويله/ مذكرات باقر ابراهيم/ الصادر عن/ دار الطليعه ـ بيروت/ مع التركيز تحديدا على فصل/ مذكره اعتراضيه من كادر في القيادة/ وماتتضمنه من معلومات عن تكريد الحزب وتصفية من يمتون بصله للفرات الاوسط والجنوب بالقوة والتامر/ علما بان اجمالي الكتاب يعكس خساسة وانحطاط الفعل التصفوي الداخلي الذي تهيأت ظروفه بعد عمليه التصفية الدموية في شباط 1963 وسطو عزيز محمد وبطانته على قيادة الحزب، وصولا الى خلو العراق مما يمكن ان يدل على وجود حزب شيوعي غير ذلك القائم المعتاش على سرقة تاريخ مضاده نوعاوكينونة، وماهو معاد له وموافق للكينونه الذاتيه العراقية كما تجلت بين الثلاثينات والثورة اللاارضوية الثانيه في 1958.