
ذاكرة تُغتال في أعترافات غصن تائه
رد على مقال الدكتور ليون برخو
سامي هاويل
21-4-2026
كتب الدكتور ليون برخو على صفحتة في الفيسبوك مقالاً تحت عنوان (الشعّبُ الذي يُؤلِّه الظلال مثل أشور ونبوخذنصر وأكيتو ليس جديرا بأن يُمنَح الحياة). هاجم فيه حضارات يشهد العالم اجمع لها، ووصفها بالظلال!، وقد شاب مقاله اسلوباً إقصائياً يتجاوز النقد، ليصل الى إدانة الوجود نفسه، بعيداً كل البعد عن الطرح الفكري الأكاديمي الرصين.
الملفت للنظر أن الدكتور ليون برخو لطالما كتب عشرات المقالات ضد ممارسات غبطة البطريرك المستقيل مار لويس ساكو التي اعتبرها انها محاولة محو لغة وتراث وتقليد وريازة، ليأتي حضرته بشكل غير قابل للتبرير ليشن هجوماً كاسحاً على جذوره وكل تراث أجداده.
ما أود الإشارة إليه هو أن هذا الخطاب الذي تبناه الدكتور ليون برخو ليس حالة فردية، أو مجرد وجهة نظر شخصية، بل هو خطاب متوارث من قبل العديد من الرجالات البارزين في كنيسة المشرق منذ نشأتها، حيث هناك العديد من الدلائل على ورود هذا العداء للحضارة الاشورية باعتبارها مرحلة وثنية يجب الابتعاد عنها والتخلص منها، وهذا الخطاب بحد ذاته لعب دوراً أساسيا في عزوف الانسان الاشوري عن تحمل مسؤوليته،وقاده الى قطع صلته بإرث أجداده، لا بل أصبح يمقته ويتقزز منه، لهذا أصبحنا اليوم في مرحلة حماية وجودنا المهدد.
الأخ الدكتور ليون برخو المحترم:
التاريخ ليس خطيئة يجب التبرؤ منها، بل هو الوعاء الذي تكونت فيه الهوية، أدعائك بأن الأسماء التي أشرت إليها لم تخلف لنا حرفاً واحداً مكتوباً، يتهاوى بسرعة البرق أمام أبسط حقائق التاريخ، كان يكفيك أن تعود الى ملحمة كلكامش التي هي أقدم ملحمة أدبية معروفة، وكان يكفيك أيضاً أن تتذكر مكتبة آشور بانيبال التي حفضت أكثر من ثلاثون ألف لوح مسماري حفضت في متنها قصة الطوفان وآدم وحواء والتكوين والفردوس والجحيم والى آخره من الارث العظيم الذي شكل أساس الكتابة والمعرفة الإنسانية، والذي تم أقتباسه وتأطيره بشكل مغاير ليصل الى أسحاق النينوي ومن قبله وبعده بصيغة مختلفة وشخصيات جديدة يجب تقديسها، كان يكفيك ذلك لكي تفكر ملياً وتتراجع عن هجومك الغير مبرر على أجدادك وإرثهم وحضارتهم، لا بل أن اللغة التي كُتبت بها تلك النصوص الآشورية هي بحد ذاتها الجذر التاريخي الذي انبثقت منه تطورات لغوية في المنطقة، وصولا الى اللغة التي كتب بها أسحاق النينوي نفسه، فكيف إذن تقول أنه "لا رابط لغوي"؟.
إن أسحاق النينوي لم ينشأ من فراغ، بل هو أبن هذا التقليد اللغوي والثقافي والروحي المتراكم عبر القرون، لهذا فإن محاولة فصله عن هذا الأمتداد، وكأنه حط على تلك الرقعة الجغرافية فجأة قادما من العدم المقدس، أشبه بأقتلاع شجرة ثم الإعجاب بثمارها، فلا يمكن الدفاع عن إسحاق النينوي بما يمثله من قيمة روحية وفكرية بإنكار من سبقوه.
لقد جاء طرح الدكتور ليون برخو في مقاله على شكل معادلة زائفة (إما ان نكون مع أسحاق النينوي، أو مع آشور وأكيتو ونبوخذنصر)، فالشعوب الحية لا تختار بين ماضيها الروحي وماضيها الحضاري، بل تجمعهما معا.
إن أخطر ما جاء في النص ليس دفاع الدكتور ليون برخو عن أسحاق النينوي، بل انزلاقه الى احتقار الناس، عندما يقول " أيكون هذا شعباً يستحق الحياة؟".
هذه ليست جملة عابرة بل هو تعبير عن ذهنية إقصائية تعتبر نفسها وصية على قيمة وجود الآخرين، وهذه اللغة كانت عبر التاريخ دائما مقدمة لكوارث إنسانية وفكرية، فالشعوب التي تحترم نفسها لا تختار بين جذورها وأغصانها، بل تعي أن الاثنين معا يصنعانها، ومن يظن أن الطريق الى النور والخلاص يمر عبر محو وجود كامل وذاكرة حية فهو لا يبني وعياً، بل يقطع استمرارية التاريخ.
ليست المشكلة في الاحتفاء بأسحاق النينوي ولا بالتذكير بعمق قيمته الروحية، لأن هذه مسألة لا يختلف عليها عاقل، بل الإشكالية تكمن في ذلك المنطق الذي طُرح في المقال حين قال " الذي يؤله الظلال ليس جديرا بأن يُمنح الحياة، وهي كما ذكرنا عبارة لا يمكن تبريرها بأي شكل وضمن أي سياق، لأنها تدين وجوداً وتقصي شعبا بأكمله من دائرة الاستحقاق الإنساني. وهذا بحد ذاته يعتبر أنحدار من النقاش الثقافي الى خطاب إلغائي وإقصائي خطير.
أتمنى أن يعود الدكتور ليون برخو الى مقاله ليقرأه بتمعن، ليجد أنه مدين لشعبه وتاريخه وحضارته بأعتذار، وأن لا ينزلق مجددا في طرحه مستقبلاً الى هكذا مستوى لا يليق بشخص له لقب البروفيسور.