للذهاب الى صفحة الكاتب   

عبيد الدَّيْن: البنية الخفية للرأسمالية المالية المعاصرة

د. ادم عربي

 

 

مع التمدّد المتسارع لهيمنة الرأسمال المصرفي أو المالي في الولايات المتحدة، لم تعد الاستدانة ظاهرة هامشية أو أداة ظرفية، بل تحوّلت إلى بنية ناظمة للحياة الاقتصادية برمتها. لم يعد في وسع الشركات ولا الأفراد أن يعيشوا خارج منطق القروض والديون، حتى بدا المجتمع بأسره وكأنه أعيد تشكيله ضمن علاقة تبعية شاملة للدَّين، بل أصبحوا عبيدا للدين. هكذا لم يكتف الرأسمال المالي بإعادة تنظيم الإنتاج والتداول، بل فرض أيضا نمطا من "العبودية الحديثة" قوامه الارتهان الدائم للدائن، وهي عبودية تحمل في داخلها منطقها النهائي وهو العجز الحتمي عن السداد بوصفه نتيجة بنيوية لا عرضا طارئا.

 

في هذا السياق، سجلت الولايات المتحدة، التي باتت تعتمد بصورة بنيوية على تمويل عجزها عبر الاستدانة، لا سيما من الخارج من خلال سندات الخزينة ،أعلى عجز في موازنتها الفيدرالية في تاريخها. وبذلك، لم يعد الدَّين العام  مجرد مؤشر اقتصادي، بل أصبح التعبير الأكثر صدقا عن أزمة الرأسمالية الأنجلو- ساكسوني في مرحلتها الراهنة.

 

إن المفارقة الصارخة تتمثل في أن أكبر اقتصاد في العالم هو أيضا أكبر مدين في تاريخه؛ فالولايات المتحدة، كلما تدفقت إليها القروض، تعمق اعتمادها عليها وطلبت المزيد، وكلما تضخمت مديونيتها، تضاءلت قدرتها الواقعية على السداد. إن قدرتها الضريبية، مهما اتسعت، لا تغطي إلا جزءا ضئيلاً من التزاماتها، ما يكشف عن اختلال بنيوي بين الإيرادات الفعلية ومستوى الإنفاق.

 

وقد اتبعت الإدارات الأمريكية المتعاقبة، على اختلاف انتماءاتها الحزبية، نمطا متكررا في إدارة هذا الاختلال وهو اللجوء المستمر إلى الاستدانة، داخلياً  وخارجيا، لسد عجز مزمن ومتفاقم في الموازنة. ويكمن أحد مفاتيح هذا العجز في الطبيعة البنيوية للإنفاق الحكومي، ولا سيما العسكري منه، الذي ظل يفوق بصورة دائمة، بل وبفوارق كبيرة، ما تجبيه الدولة من ضرائب.

 

أما الأداة التقنية التي جرى توظيفها بشكل متكرر لإدارة هذا الوضع، فتمثلت في استخدام السياسة النقدية، عبر مطالبة مجلس الاحتياط الفدرالي برفع أسعار الفائدة على الدولار. هذا الإجراء لا يُفهم فقط كخيار اقتصادي، بل كآلية لجذب رؤوس الأموال العالمية؛ إذ يؤدي ارتفاع الفائدة إلى تحفيز المستثمرين، في الداخل والخارج، على تحويل مدخراتهم إلى الدولار وإيداعها في المصارف الأمريكية.

 

غير أن هذا التدفق المتزايد للطلب على العملة الأمريكية يفضي، بالضرورة، إلى ارتفاع سعر صرفها، وهو ما ينعكس سلباً على القدرة التنافسية للصادرات الأمريكية، التي تصبح أكثر كلفة في الأسواق العالمية. ونتيجة لذلك، يتفاقم العجز في الميزان التجاري لصالح قوى اقتصادية منافسة، وفي مقدمتها الصين التي تحرص كل الحرص على خفض قيمة عملتها، التي تستفيد من هذا الاختلال لتعزيز حضورها في السوق الأمريكية نفسها، مستفيدة من الفارق السعري ومن تراجع القدرة التنافسية للمنتج الأمريكي.

 

غير أن هذا الأثر السلبي لا يُنظر إليه، ضمن المنظور البنيوي للنظام، إلا بوصفه شرطاً  لتحقيق منفعة أخرى أكثر إلحاحاً  وتتمثل في تدفّق الودائع بالدولار إلى النظام المصرفي الأمريكي، بما يتيح للحكومة الاستمرار في الاقتراض لتمويل عجزها. هنا تتجلى جدلية الخسارة والربح داخل النظام ذاته؛ تراجع القدرة التصديرية مقابل تعاظم القدرة على الاستدانة.

 

وتتكامل هذه الآلية مع أداة مالية أخرى، تتمثل في إصدار سندات الخزينة بموجب تفويض من الكونغرس، حيث تتعهد الحكومة بسداد قيمتها في آجال محددة. تقوم الحكومة ببيع هذه السندات إلى البنك المركزي، الذي يدفع مقابلها نقدا، لتتحول لاحقا إلى أدوات تداول في أسواق المال. ومن خلال عمليات البيع والشراء لهذه السندات، يتحكم البنك المركزي في مستوى السيولة؛ فيسحبها من السوق عند البيع، ويضخها عند الشراء.

 

لكن النتيجة النهائية لهذه الدورة ليست سوى تعميق الارتهان للدَّين. فكلما ازداد الدين الحكومي لتغطية العجز، ازدادت الحاجة إلى تمويله عبر الضرائب، ما يفاقم العبء على المجتمع. ومع تصاعد الأعباء الضريبية، يتزايد ميل الأفراد بدورهم إلى الاستدانة، لتتكرس حلقة مفرغة؛ دين حكومي يولد ضغطا ضريبيا، وضغط ضريبي يدفع إلى مزيد من الديون الفردية.

 

وفي أقصى تجليات وتحديات هذا المنطق، تحتفظ الولايات المتحدة بإمكانية توظيف ما يمكن تسميته مجازاً بـ"القوة التدميرية الاقتصادية". فإذا ما واجهت تهديداً جديا لمكانتها في النظام الاقتصادي العالمي، فإنها تمتلك أدوات قادرة على إحداث صدمات كبرى، مثل إضعاف الدولار أو التلويح بالعجز عن سداد ديونها. مثل هذه السيناريوهات لا تمثل مجرد أزمات داخلية، بل يمكن أن تتحول إلى أزمات عالمية تضرب بنية الاقتصاد الدولي وحتى الأفراد من الناس ، وتصيب منافسيها الكبار بأضرار عميقة وفي مقتل، نظرا للتشابك البنيوي الذي يربط الاقتصاد العالمي بالمركز المالي الأمريكي.