للذهاب الى صفحة الكاتب   

بين محكمة المهداوي القاسمية ومحكمة عواد البندر البعثية

علاء اللامي*

 

 حين كانت المحاكم العراقية تفتتح (بعد 3 دقائق) بالضبط! فقرات مختارة من مسودة كتابي قيد الطبع: ثورة 14 تموز العراقية قراءة في المُغّيَّب والمسكوت عليه: "قيل كلام كثير بخصوص هذه المحكمة (المحكمة العسكرية العليا الخاصة "محكمة الشعب")، فأيدها اليساريون والديموقراطيون ومناصرو قاسم تأييداً مبالغاً فيه، واعتبروها مثالاً للعدالة والإنصاف. فيما سخر منها اليمينيون والقوميون المعارضون وفلول الإقطاع والبيروقراطية "العثمابريطانية"، والمعادون والمنافسون لقاسم وحكمه، واعتبروها مجرد هيئة مسرحية ومهزلة.

 

 وقد بلغ التنمر وعدم الإنصاف درجة قد لا يكاد يصدقها البعض من أبناء جيلنا. وحاز العقيد فاضل المهداوي على حصة الأسد من هذا التنمر والإساءات. وربما يصلح كتاب صدر سنة 1990 بعنوان يقول "محكمة المهداوي" ألفه شخص يدعى محمد حمدي الجعفري ليكون نموذجاً في بابه. لأنه بلغ درجة من السفاهة لا نظير لها؛ ففي سرده لسيرة بطله المهداوي يبدأ الكاتب نصه بعبارة هتشكوكية تقول: "في زقاق مظلم لا تنفذ إليه الشمس إلا بصعوبة ... كان يعيش جزار للحوم في أحد الدور لوحده فقيرا لا يملك إلا ما تدره عليه مهنته..."! والمقصود هو والد العقيد المهداوي، وكأن الفقر والسكن في منطقة شعبية يُعد عاراً. ويضيف الجعفري بلغته الركيكة: "لقد كان اليوم الذي ولد فيه فاضل المهداوي مُغبراً مُعبساً وقد استقبل الطفل - فاضل المهداوي - حياته ببكاء شديد وعويل مستمر لا ينقطع وكأنه نذير شؤم على العائلة". هذا إضافة إلى وصف الطفل بالغباء وسوء السلوك في المدرسة الابتدائية[1]! غير أننا لو وضعنا هذه المحكمة والقائمين عليها في سياقها التاريخي الحقيقي، ومرحلتها السياسية والاجتماعية الملتهبة، وقرأنا ملفاتها وسيرتها الفعلية والتنفيذية بهذه الطريقة، لجعلنا ذلك ننأى عن إصدار أحكام مبرمة وباترة كتلك التي تقدمت، سواء كانت من باب المدح أو القدح.

 

أما إذا نظرنا إلى هذه المحكمة كمُنتَج لوضع ثوري واستثنائي مضطرب، فهي لم تكن تخلو من التضييق والتنمر وحتى الاعتداء الجسدي على المعتقل خلال التحقيق. ولكنها، رغم ما تقدم من سلبيات ومؤاخذات لا تنكر تميزت بعدد من نقاط القوة والصفات الإيجابية التي لا نجدها في مثيلاتها من المحاكم الاستثنائية والثورية في دول العالم الثالث وحتى في التجارب الثورية العالمية كمحاكم باريس الثورية الدموية خلال الثورة الفرنسية التي حدثت في يوم 14 تموز - يوليو ولكن في سنة 1789.

 

*لقد كانت محكمة الشعب العراقية تمتاز بشفافية مشهود بها. فكانت جلساتها علنية، تنقل إلى الجمهور العريض علنا عبر الإذاعة والتلفزيون الحكوميين في أوقات محددة ودقيقة قد لا يصدقها جمهورنا اليوم. ويحضرها جمهور من الناس بمقدار ما تتسع له قاعة المحكمة. وهي قاعة الشعب المجاورة لوزارة الدفاع في منطقة باب المعظم. وهي قاعة أنيقة وإن لم تكن واسعة كثرا، شُيدت في أربعينات القرن الماضي. وبحوزتي تسجيل لجلسات المحكمة الخاصة بمحاكمة المتهمين بمحاولة اغتيال الزعيم قاسم، وهو منشور على صفحة على مواقع التواصل بعنوان "أشياء من الماضي". وفيه يعلن المذيع؛ أن الساعة الآن في بغداد هي الخامسة وسبعة وخمسين دقيقة عصراً، ستبدأ المحكمة بعد ثلاث دقائق. وفعلا تبدأ الجلسة في السادسة تماما بدخول هيئة المحكمة والإدعاء العام ويستقبلها الحضور بعاصفة من التصفيق.

 

تشكلت الهيئة العليا للمحكمة العسكرية الخاصة من:

-       العقيد فاضل عباس المهداوي - رئيساً (وكان خريج كلية الحقوق - جامعة بغداد قبل أن يلتحق بالجيش).

-       العقيد فتاح سعيد الشالي – عضوا والمقدم حسين خضر الدوري – عضوا والرئيس الأول (الرائد) الحقوقي فاضل عبد الهادي مصلح- عضوا والرئيس الأول إبراهيم عباس اللامي – عضوا والرئيس الأول محمود جعفر الجلبي - عضو احتياط

 

وتضيف بعض المصادر أسماء أخرى منها: القاضي كمال عمر نظمى عضو الادعاء العام وهو حاكم جزاء بغداد –عضوا والمقدم شاكر محمود السلام عضوا

 

كانت محكمة الشعب تتيح للمتهمين الدفاع عن أنفسهم، وتوكيل محامين عنهم، وفي حال عجزهم عن فعل ذلك تتولى هي انتداب وتوكيل محامين عنهم على نفقة الدولة. كما كانت تسمح لهم - للمتهمين أنفسهم - باستجواب شهود الاتهام وشهود الإثبات مباشرة، وتقديم مطالعاتهم الدفاعية التي كانت تمتد أحياناً لعدة ساعات بلا مقاطعة، كما كانت الحال في إفادة القائدين رفعت الحاج سري وناظم الطبقجلي.

 

وقد برأت المحكمة العديد من المتهمين من التهم الموجهة إليهم، وخففت العقوبات عن آخرين. كانت هذه المحكمة قد شُكلت أساساً لمحاكمة رموز النظام الملكي حيث ابتدأت جلساتها لمحاكمة الفريق الركن غازي الداغستاني قائد الفرقة الثالثة. وصدر عليه الحكم بالإعدام مع تسعة ضباط آخرين ولم ينفذ الحكم إلا بسعيد القزاز، وزير داخلية النظام الملكي، والذي حُمِّل مسؤولية المجازر التي ارتكبها ذلك النظام ضد العراقيين، وهي عديدة، ومن أشهرها مجزرة متظاهري الجسر "خلال وثبة كانون 1948"، ومجزرة سجن الكوت بحق المعتقلين وغالبيتهم من اليساريين، ومجزرة الآثوريين، وقصف قرى العشائر العربية في الفرات الأوسط بالطيران الحربي...الخ، ومن الواضح والأكيد أن القزاز لا يتحمل لوحده، وبشكل مباشر وتنفيذي، المسؤولية عن كل تلك المجازر، بل يتحملها معه مجمل المنظومة الملكية الحاكمة ورعاتها البريطانيون. ومن اللافت أن المدان سعيد القزاز وقف في المحكمة موقفاً جسوراً ومدعاة إلى احترامه حتى من قبل أعدائه، وربما فسَّر لنا هذا الموقف الذي بلغ درجة تحدي المحكمة وقضاتها سبب تنفيذ الحكم به لوحده.. فكيف كذلك؟

 

بين محكمة الشعب القاسمية ومحكمة الثورة البعثية:

كل ما تقدم، يجعلنا، إذا وضعنا هذه المحكمة في سياق المقارنة مع المحاكم والمحاكمات الاستثنائية والثورية الشبيهة بها، ننظر إليها كواحدة من أكثرها شفافية ورأفة وتسامحا وأقربها الى تحقيق العدالة النسبية. من دون تناسي أو نسيان ما اعتورها من مثالب وهنات وتجاوزات. أما لو قارناها بأية محكمة مدنية مهنية في ظروف طبيعية ودولة مستقرة وديموقراطية تقوم على الفصل بين السلطات، فهي لا تعدو أن تكون مؤسسة قضائية عسكرية طارئة تحمل كل صفات التسرع والسطحية، والتأثر بالجو العام والقوى المؤثرة فيه، وكان بعض المتهمين يتعرضون فيها للتميز والإهانة والسخرية من قبل رئيسها خصوصا.

 

ولكنني أعتقد جازما، إن أي مقارنة منصفة بين "المحكمة العسكرية الخاصة - محكمة الشعب" في عهد قاسم و"محكمة الثورة" البعثية في عهد صدام حسين خصوصا ستكون حتما لمصلحة الأولى وربما اعتبرها البعضُ مقارنة ظالمة ومرفوضة وتشكل إساءة بالغة لكل ضحايا اللاعدالة والظلم على امتداد العصور.

 

ومع أن أرقاما دقيقة ورسمية لعدد أحكام الإعدام التي أصدرتها "محكمة الشعب" برئاسة المهداوي على المدانين لا وجود لها، ولكنها كما تقول أرجح التقديرات لا تتجاوز خمسة وثلاثين حكما، لم ينفذ منها إلا أحد عشر حكما. وهذه التفاصيل أدناه لمن يريد المقارنة مع محاكم القوميين والبعثيين؛

 

-عدد أحكام الإعدام الصادرة فعلا عن المحكمة العسكرية الخاصة "محكمة الشعب" خمسة وثلاثون حكماً بالإعدام.

-عدد الأحكام المنفذة: من بين هذه الأحكام، نُفذ الإعدام فعلياً بحق أحد عشر شخصاً فقط، بينما خُففت الأحكام الأخرى أو لم تُنفذ لأسباب سياسية وقانونية.

 

-أبرز المحكومين الذين نُفذ بحقهم الإعدام:

سعيد قزاز: وزير الداخلية الأسبق.

بهجت العطية: مدير الأمن العام في العهد الملكي.

ناظم الطبقجلي ورفعت الحاج سري: (ضمن محاكمات الانقلاب العسكري في الموصل عام 1959).

 

-أبرز المحكومين الذين لم يُنفذ بحقهم الإعدام:

فاضل الجمالي: رئيس الوزراء الأسبق (خُفف الحكم ثم أُطلق سراحه) وعاش في تونس حتى وفاته.

أحمد مختار بابان: آخر رئيس وزراء في العهد الملكي.

غازي الداغستاني: من أصول قوقازية روسية قائد الفرقة الثالثة في الجيش العراقي.

 

فليقارن من يشاء المقارنة بين "محكمة الشعب" برئاسة المهداوي و"محكمة الثورة" برئاسة عواد البندر في عهد البعث، وخصوصا في عهد صدام حسين. ففي قضية واحدة هي "قضية محاولة اغتيال صدام حسين في قضاء الدجيل" والتي لم تسفر عن قتيل أو جريح بل كانت عبارة عن بضع رصاصات أطلقت عشوائيا كما قيل، أقرَّ رئيس محكمة الثورة عواد البندر بإصدار أوامر إعدام لـ 148 شخصاً، ونفذ الحكم بحق 96 منهم بينما قُتل الباقون خلال التحقيق معهم تحت التعذيب، عدا عن عشرات وربما مئات الآلاف من المدنيين والعسكريين الذين حكمت عليهم هذه المحكمة في سنوات أخرى! وهذا مجرد مثال.