للذهاب الى صفحة الكاتب   

الحرب الأمريكية/ الإسرائيلية على إيران، وإغلاق مضيق هرمز،

 وتأثيره على الاقتصاد العالمي*

د. صباح قدوري

 

 

تشكل أي مواجهة عسكرية واسعة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، مع احتمال استمرار إغلاق مضيق هرمز، صدمة جيو-اقتصادية عالمية ذات آثار مركبة على: النمو والتضخم وسلاسل الإمداد. يمر عبر المضيق نحو 20–25% من تجارة النفط العالمية (قرابة 17–20 مليون برميل يومياً)، إضافة إلى نسبة مهمة من تجارة الغاز الطبيعي المسال. وعليه، فإن تعطله جزئياً يعني إعادة تسعير فوري للطاقة عالمياً.

 

1. التأثير على النمو والتضخم (مع التركيز على الشرق الأوسط والعراق)

تاريخياً، كل ارتفاع بمقدار 10 دولارات في سعر برميل النفط يخفض النمو العالمي بنحو0.1ـ0.2نقطة مئوية، ويرفع التضخم بنحو 0.2–0.3 نقطة. في سيناريو إغلاق هرمز، قد تقفز الأسعار إلى 120–150 دولاراً للبرميل (أو أكثر مؤقتاً)، ما يعني صدمة تضخمية حادة عالمياً قد تعيد معدلات التضخم في الاقتصادات المتقدمة إلى حدود 5–7% بعد أن كانت تسير نحو الانخفاض.

 

ــ بالنسبة للشرق الأوسط، الصورة مزدوجة:

     الدول المصدّرة للنفط قد تحقق إيرادات أعلى على المدى القصير، لكن مع أخطار أمنية واستثمارية مرتفعة تقلص الفوائد.

     الدول المستوردة للطاقة (مثل الأردن ومصر) ستواجه ضغوطاً مالية حادة.

ــ أما العراق، فسيكون في موقع حساس: يعتمد بأكثر من 90% من إيراداته على النفط، ما يعني استفادة مالية قصيرة الأجل من ارتفاع الأسعار، لكن في المقابل يواجه أخطار أمنية داخلية، واضطراب الصادرات عبر الخليج، وارتفاع كلفة الواردات (غذاء، معدات). كما أن أي تعطّل لوجستي قد يقلص الصادرات الفعلية رغم ارتفاع الأسعار، ما يحد من المكاسب.

 

2. الانعكاسات الجيوسياسية في الشرق الأوسط

إغلاق المضيق يعيد رسم خرائط التحالفات:

     تصاعد الاستقطاب بين محور تقوده الولايات المتحدة وآخر تميل إليه إيران مع دعم غير مباشر من قوى كبرى.

     تعزيز أهمية الممرات البديلة (خطوط الأنابيب عبر السعودية والإمارات، والممرات البرية)، ما يمنح هذه الدول وزناً استراتيجياً أكبر.

     زيادة دور الفاعلين غير الدوليين (الميليشيات) في تهديد الملاحة، ما يعقّد إدارة الصراع.

كما قد نشهد تسارعاً في سباق التسلح الإقليمي، وارتفاع الإنفاق العسكري إلى ما يفوق 5–7% من الناتج المحلي في بعض الدول.

3. التأثير على الولايات المتحدة وأوروبا (بما فيها ألمانيا، فرنسا، والمملكة المتحدة)

     الولايات المتحدة أقل اعتماداً على نفط الخليج مقارنة بالماضي (بفضل النفط الصخري)، لكنها ليست معزولة عن السوق العالمية. ارتفاع الأسعار يضغط على المستهلكين ويعقّد سياسات الاحتياطي الفيدرالي، وقد يخفض النمو بنحو 0.3–0.5 نقطة مئوية.

     أوروبا أكثر هشاشة، خصوصاً بعد أزمة الطاقة المرتبطة بالحرب في أوكرانيا. دول مثل ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة ستواجه ارتفاعاً جديداً في أسعار الطاقة، ما قد يعيد التضخم إلى مستويات تفوق 6%، ويضغط على الصناعة (خاصة الكيماويات والمعادن).

     ستضطر الحكومات الأوروبية إلى زيادة الدعم المالي للأسر والشركات، ما يوسع العجز المالي.

 

4. استفادة روسيا والصين

     روسيا ستكون من أبرز المستفيدين اقتصادياً: ارتفاع أسعار النفط والغاز يعزز إيراداتها، وقد يزيد دخلها النفطي بعشرات المليارات سنوياً. كما يعزز موقعها كمصدر بديل للطاقة لأوروبا وآسيا.

     الصين وضعها أكثر تعقيداً: فهي أكبر مستورد للطاقة، وبالتالي تتضرر من ارتفاع الأسعار، لكن قد تستفيد جيوسياسي عبر:

o    تعزيز دورها كوسيط دبلوماسي.

o    توسيع استخدام عملتها في تسويات الطاقة مع شركاء مثل روسيا وإيران.

o    الاستثمار في ممرات بديلة ضمن مبادرة “الحزام والطريق”.

5. التوقعات المستقبلية والمعيشة والحلول

 

مدة الأزمة تعتمد على طبيعة الصراع:

     قصير الأجل (أسابيع/ أشهر): صدمة سعرية حادة مع تعافٍ تدريجي.

     متوسط إلى طويل الأجل: إعادة هيكلة في أسواق الطاقة وسلاسل التوريد.

     التوجه نحو الطاقة النظيفة

 

انعكاس ذلك على معيشة الإنسان سيكون واضحاً:

     ارتفاع أسعار الوقود والغذاء (قد تزيد أسعار الغذاء العالمية 10–20%).

     تآكل القدرة الشرائية، خصوصاً في الدول النامية.

     زيادة معدلات الفقر وعدم المساواة.

 

سبل المعالجة تشمل:

1.   استخدام الاحتياطيات الاستراتيجية من النفط (قد تغطي 3–6 أشهر من الطلب في الدول المتقدمة).

2.   تسريع التحول إلى الطاقة المتجددة لتقليل الاعتماد على المضائق الجيوسياسية.

3.   تنويع سلاسل الإمداد وبناء مخزونات استراتيجية من السلع الأساسية.

4.   تعزيز التعاون الدولي لتأمين الملاحة البحرية.

5.   سياسات مالية موجهة لحماية الفئات الأكثر هشاشة.

خلاصة القول: إغلاق مضيق هرمز في سياق صراع واسع يمثل “صدمة نظامية” للاقتصاد العالمي، تجمع بين ركود محتمل وتضخم مرتفع (Stagflation)، وتعيد تشكيل موازين القوى الاقتصادية والسياسية. إدارة هذه الأزمة تتطلب تنسيقاً دولياً عالياً وسياسات اقتصادية مرنة لتقليل كلفتها على المجتمعات.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر

1.     International Energy Information Administration (EIA). (2024). World Oil Transit Chokepoints.

يشير التقرير إلى أن نحو 20–25% من تجارة النفط العالمية تمر عبر مضيق هرمز.

2.     International Monetary Fund (IMF). (2026). World Economic Outlook, April 2026: Global Prospects and Policies.

 يتضمن تقديرات أثر ارتفاع أسعار النفط على النمو والتضخم العالمي.

3.     World Bank. (2025). Commodity Markets Outlook.

 يقدّم سيناريوهات لارتفاع أسعار النفط إلى مستويات تتجاوز 120 دولاراً في حالات التوتر الجيوسياسي.

4.     World Bank. (2024). IraqEconomic Monitor.

 يوضح اعتماد الاقتصاد العراقي على النفط بما يفوق 90% من الإيرادات العامة.

5.     International Energy Agency (IEA). (2025). Energy Market Report.

 يناقش تأثير ارتفاع أسعار الطاقة على الاقتصادات الأوروبية.

6.     International Monetary Fund (IMF). (2025). Global Economic Update.

 يتناول تأثير صدمات الطاقة على الاقتصادات الكبرى، بما فيها روسيا والصين.

7.     Food and Agriculture Organization (FAO). (2025). Food Outlook: Global Market Analysis.

 يربط بين ارتفاع أسعار الطاقة وزيادة أسعار الغذاء عالمياً.

8.     International Monetary Fund (IMF). (2026). Press Briefing, Spring Meetings.

 يشير إلى احتمال انخفاض النمو العالمي إلى نحو 3.1% في ظل صدمات الطاقة.

9.     Reuters. (2026). IMF warn sprolonged energy price increases will raise inflation and cut growth.

 تقرير تحليلي حول أثر ارتفاع أسعار الطاقة على التضخم العالمي.

10.   World Bank. (2024). Global Economic Prospects.

 يوضح العلاقة بين صدمات أسعار الطاقة وتباطؤ الاقتصاد العالمي.

المقال* منشور على موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين، بتاريخ 26/04/2026