
الاشوريون في التاريخ- الحلقة 22
الملك سنحاريب (705 – 681) قبل الميلاد
يعكوب ابونا
كانت الحملة التي جهزها الملك سرجون عام 716ق.م ، للهجوم على اورارتو. "ارمينيا" استلم قيادتها ولي عهده سنحاريب، (سن – آحه – أريبا) الذي يعني اسمه ان "الاله سن عوض (موت) الاشقاء" فتغلغلت جيوشه في اورارتو، والتي كانت انذاك مهددة من الشمال من قبل السيمريائين. وهناك رسائل وتقارير، تشكل اطول مخطوطة مكتوبة باللغة الآشورية، حول مشروع سنوي تحتوى على (430 سطر طويل) تشير الى حملته على اورارتو في سنة 714 . وهذه التقارير صيغت باسلوب وجداني للاله آشور، نجدها موشاة بوصف جميل وحيوي لمناظر طبيعية، وسير المعارك والانتصارات على الاعداء.
بعد مقتل الملك سرجون 705 ق. م في جبهة الحرب، غيلة كما ذكرنا انفا على يد احد الجنود، وجدت جثتة بين القتله فتم نقلها الى اشور، كان سنحاريب انذاك منهمكا بمعاركه في الجهات الشمالية، ولما وصل اليه خبر مقتل والده جاء مسرعا، " 1 "
وكان مهيئا جدا لممارسة واجباته الملكية فجلس على العرش، في 12 اب 705 قبل الميلاد، رغم انه لم يكن الابن البكر لسرجون الملك، ولكن وقع عليه الاختيار، لكفاءته وامكانياته العديدة في الشؤون الادارية والعسكرية الرفعية التي مارسها في عهد والده. فكانت صفاته باعثا لاقناع شعبه بانه مستحق وظيفته، فهو جندي شجاع، ومقاتل مجرب، بالاضافة الى انه كان افضل من يعرف عن مشاكل الجبهة الشمالية، فعندما عمل في الحدود الشمالية كقائد عسكري، احدث فيها تطورات وتحسينات كبيرة ، "2 " ،
من الطبيعي ان يكون سنحاريب قد استفاد من الوضع العسكري الذي ورثه عن والده سرجون، لذلك اخذ اول اهتمامه هو اعادة بناء وترميم مدينة نينوى القديمة واتخذها عاصمة له، حيث ظلت كذلك حتى سقوط الامبراطورية الاشورية، اما مدينة دور شاروكين "خورسباد" التي كان ابوه سرجون قد بناها واتخذها عاصمة له فلقد استخدمها سنحاريب كقلعة من قلاع اشور،" 3 "
ولكن من جهة اخرى كان خبر مقتل الملك سرجون حافزاً لدى الكثير من سكان بعض الاقاليم لاعلان التمرد والعصيان، وكان اول المتمردين هي بابل، رغم ان اسلاف سنحاريب كانوا قد منحوا لبابل مكانة راقية ومتقدمه وصلت احيانا الى مستوى مكانة نينوى، وكان ذلك للاهمية الدينية لبابل، بلاضافة الى الرغبة بكسب ودّ البابليين، فكان الاقرار بقدسية بابل ومكانتها المقدسة مطلوباً.
من الطبيعي ان يكون هناك اختلاف الرأى في البلاط الملكي، اذ كان هناك مستشارون متعاطفون مع بابل، ومستشارون مناهضون لها، لانه كان المتبع لكي يكون ملك اشور ملكاً على بابل كان عليه ان يمسك يديّ بيل الاله "الاله مردوخ" الا ان سنحاريب لم يفعل ذلك. فبدل ان يكون هو ملك بابل عين ابنه ملكا عليها، وطبعا ذلك لم يرضي البابليين فقاموا على ملكهم الجديد الذي هو ابن سنحاريب وقتلوه، واقاموا عليهم ملكا مكانه يدعى (مرودخ -زا كيرشوما)" 4 "
وكان ذلك في عام 704 ق. م. وهناك اشارة في احد الجداول الملكية ورد فيها ان عبداً قد تولى الحكم في بابل شهراً واحداً، وفي عام 703 قبل الميلاد ظهر (مردوخ بلادان - الثاني) ثانية وسيطرة على بابل، بعد مقتل الملك الذي اقاموه البابليين والمدعو (مرودخ زاكيرشوما). واعلن نفسه ملكاً عليها، بمساعدة حليفه ملك عيلام المدعو ( هلوشو ) " 5 "
بذل مردوخ – بلودان جهود حثيثة باقامة تحالف ضد الاشوريين، مبتدأً بتحريض اتباع الاشوريين من الكوسيون والاليبيون على شق عصى الطاعة عن الهيمنة الاشورية، كما ارسل رسله الى اطراف كثير من اقاليم المملكة ومنها سوريا لخلق الفتنة والتحريض ضد الاشوريين، كما جرى (لحزقيا) ملك يهوذا، اذا ارسل مردوخ بلودان ملك بابل اليه رسائل وهدايا،، كما ان ملك صيدا امتنع عن دفع الخراج الى اشور، واقتدى به الاشقاليون، واما اهل عقرون فقد هجموا على ملكهم الذي كان قد اقامه عليهم الملك سركون، واسروه وارسلوه الى حزقيا الملك فالقاه في السجن .فما كان من سنحاريب الا ان يتخذ موقف شجاع امام هذا الخطر الذي حدثت في انحاء كثيرة من المملكة. لم يدم ذلك طويلا سوى سبعة اشهر، فبدا سنحاريب في بابل 703 ق. م بقادة جيشه بنفسه ودحر مردوخ بلودان الذي كان قد تحصن في مدينة كيش، فانهزم وهرب من امام سنحاريب الى اهوار ومستنقعات دجلة " 6 "
فاستمر جيشه بالسير للجنوب لملاحقة الزعيم المتمرد بلادان، وفي اثناء مسيرتهم تمت ازالة الحصون في المناطق الارامية والكلدية وتخريبها وكانت تشمل جنوب بلاد بابل من نيبور حتى الخليج العربي، ودخل سنحاريب بابل منتصراً، بعد ان كانوا البابليين قد فتحوا له ابوابها، املين منه ان يدخل معبد بيل وياخذ يد الاله ويصبح ملكا عليهم. الا انه لم يفعل، واقام على بابل رجلا بابلياً يدعى اسمه (بيلبيني) (بعل – ابني)، وجعله ملكاًـ وكان هذا الرجل قد تربى بقصر الملك سركون . ويسموه اليونان (بياوسوس او بيلس).
استمر سنحاريب بهجومه على حلفاء مردوخ بلودان وهم الحلف الارامي العيلامي الكلدي، فسحقه وفتح اكثر من (75) مدينة من مدن الكلديين، واربعمائة وعشرين قرية، وطرد الجنود الارامية والعربية التي كان مردوخ بلودان قد وضعها في اوروك ونيبور وكيش وكوتا وسيبار ، وغزا القبائل الارامية الكلدية التي على سواحل الفرات وفي حدود عيلام ورجع الى نينوى منصورا غانماً) فاسر (7200) حصان و (11073) حمارا و (5230) جملا و (80100) ثور. (ادي شير المصدر السابق.) كما اسر حوالي (208) الف ارامي من الجنوب وكان اغلبهم من (بوقود وجمبول) الى اشور، ولقد كان لهذا العمل ان ساهم بتدمير الاراميين وتشتيتهم، كما يقول جورج رو.
وفي اثناء تعقيب ومتابعة جيشه (لمردوخ بلودان)، ازيلت الحصون في المناطق الارامية والكلدية. يتحدث سنحاريب في حولياته عن ماجرى يقول: ((في طريق حملتي حاصرت وقهرت وخربت كاملاً ..... ثلاثاً وثلاثين بلدة قوية مسورة في اراضي قبيلة "بيت داكوري" اضافة الى مائة وعشرين قرية محيطة .... وتسعاً وثلاثين بلدة قوية مسورة لقبيلة "بيت عمو كاني" اضافة الى ثلاثمائة وخمسين قرية محيطة ..... وثمان بلدات قوية مسورة لقبيلة "بيت ياكين" اضافة الى مائة قرية محيطة، وكذلك ثمان وثمانين بلدة قوية مسورة في ارض الكلديين، بالاضافة الى ثمانمائة قرية محيطة، لقد جعلت جنودي ياكلون حبوبهم والبلح في بسساتين نخيلهم ومحاصيل حقولهم، ثم مزقت ودمرت (قراهم) واضرمت فيها النار وحولتها الى تلال منسية .)) . "7 "
بعد ذلك اتجه صوب سورية ويهوذا والذين كانوا قد حرضهم مردوخ بلودان على الاشوريين، فزحف سنحاريب عليهم عام 702 قبل الميلاد. ودحرهم وانتصر عليهم، واستتب الامن هناك واعادوا لولائهم لاشور تجمعت القبائل الارامية المتشتته منذ نهاية القرن الثامن قبل الميلاد في منطقة (شوزابو) الكلدية، وكان العيلاميون والكلديين يتازرون معهم فقاموا بثورةعلنية عام (691) ق. م فشن عليهم الملك الاشوري سنحاريب بعد سنتين من ثورتهم قام بهجوم كاسح وانتصر عليهم ناقلا اسراهم الى بلاده اشور.
ان قراءة الواقع بزمن سنحاريب نجد بان الاوضاع وخاصة في بابل كانت غير مستقرة بسبب الاضطرابات ومشاكل الاراميين وحلفائهم العيلاميين، وهذا ما كان يسبب قلقاً للجانب الاشوري، فبابل بالنسبة لهم كانت مشكلة بحد ذاتها، لذلك ظهر في الحكم الاشوري رايان: احدهما، كان يميل الى ان تمنح بابل قدراً من الاستقلال ويكون لها ملكها الخاضع للسيادة الاشورية، وراي كان يميل الى ضم بابل كلياً وادارتها من قبل الملك الاشوري. وهناك من كان يتعاطف مع بابل في البلاط الاشوري، فكان الملك الاشوري مضطراً الى ان ياخذ براي هذا او ذاك من الحزبين كما فعل والد سنحاريب (سرجون) وكذلك فعل ولده (اسرحدون) من بعده.
كان هذا نوع من متطلبات السلوك الدبلوماسي مع البابلين. الا ان سنحاريب لم يستطع ان يتبع سياسة والده برمتها مع البابلين، بسبب اختلاف الظروف التي احاطة بالوضع البابلي فقادت سنحاريب الى اتخاذ اجراءات اكثر خشونة معهم، فقام سنحاريب بنصب ملك جديد على بابل وهو (بعل – ابني) – وهو ابن سيد بناء. ولم تمضي ثلاث سنين على ذلك حتى فاجى (مردوخ بلودان) ظهوره على مسرح الاحداث من جديد، في منطقة قبيلة بيت ياكين – موطنه الاصلي، ليثير الاضطرابات والشغب والكثير من المتاعب، حمل سنحاريب الى التدخل وعزل حاكم بابل (بعل – ابني) الذي اثبت عجزه عن ادارة شؤون البلد في اوقات الازمات، ونصب مكانه عام (700) ق.م ، ابنه الملقب (اشور – نادين – شومي) وهو الابن الاصغر لسنحاريب.
فنجد - ل . دولابورت ، في الصفحة 63 من كتابه بلاد مابين النهرين - يقول وبعد ثلاث سنوات يتحالف (بعل – ابني-) و (مردوخ- بلودان) الذي استطاع بعد عودته الى مستنقعات بلاد البحر، ان يقنع الملك الكلدي (موشيزيب – مردوك) الذي يسميه ادي شير في ص 105 من المصدر السابق (امير الكلدان الاراميين) الذي كان على سواحل البحر، وكان هو موطنه مدينة بيتوتا، وتحرشا في الجيش والعساكر الاشورية في مملكة بابل، وباشعال الثورة في البلاد، الا ان سنحاريب لم يترك هذه الفوضه تستمر فتحرك عليها وانقضى على هذه الفتنة، فهرب موشيزيب ومردوخ بلودان. فنجى ثانية من يد الاشوريون، وفوت الفرصة عليهم باقتناصة، " فركب البحر هو واله والهة، وجمع ارباب موطنه كلهم وشحنهم على متن السفن وولى هارباً الى هور (نجايد) الكائن وسط البحر." على سواحل عيلام. وبعد ذلك لم يعد ذكر لهذا الرجل الذي كان لهو صيت كبير منذ ثلاثون عام كزعيم مهيب ومقاوم، وقد يكون احتمال وفاته واردة.
ثم دخل سنحاريب بابل واسر ملكها (بعل – ابني) واخذه هو وكل افراد عائلته اسيراً الى اشور، ونصب مكانه ابنه (اشور – نادين – شومي).
في عام 695 قبل المبلاد، وجد سنحاريب ان موقف العلاميين منه هو موقف عدائي بتقديم الدعم والعون والمسانده للكلديين، بالاضافة الى توفير الملاذ الامن لهم من اجراءات التاديبية الاشورية لهم. لذا قرر توجيه ضرب عسكرية قاضية للعيلاميين، فقام في عام 694 ق .م بهجوم بحري عبر الخليج العربي، وانزل الجنود الاشوريين على شواطى عيلام، ولما وصل الى مصب (اولاي) نهر كارون، واستولوا على بعض المدن العيلامية الجنوبية. حيث كان من الشعب قبيلة بيت – ياكين، قد انتشر في هذه المناطق . ويتحدث سنحاريب في اثاره عن هذه المعركة فيقول. (اني اسرت اهل بيت ياقين والهتهم وخدام ملك عيلام فاركبتهم المياه واتيت بهم الى هذه الجهة من البحر ثم سقتهم الى اشور، وخربت مدن تلك البلاد وهدمتها وجعلتها رماداً ودفنتها تحت الانقاض وجعلتها قاعا صفصفا) .
كان الغرض من هذه الحملة تامين جسر الى الخليج العربي خلال مملكة القطر البحري..
اما ( حالوشو ) او ( هالوشو ) ملك العيلاميين كان ردهم سريعاً ومباغتاً، اذ قاموا بالهجوم على بلاد بابل الشمالية عبر نهر دجلة، واستولى على سبار، بابل والقى القبض على ابن سنحاريب ملك بابل ( اشور- نادين – شومي) واسروه، وارسلوه الى شوشان، ونصيوا احد عملائهم بدل عنه، ملكا على بابل هو ( نرغال – شيزيب) الكلدي، 694 – 693 ق .م، قام ملك بابل الجديد بتسيير حملة عسكرية الى الجنوب محاولا قطع الطريق على الجيش الاشوري اثناء رجوعه من (ناجيتي)، وقد التحما الجيشان الاشوري والجيش نرغال شيزيب- في معركة ضارية وحاسمة، تغلب فيها سنحاريب على نرغال، وقاده اسيراً الى اشور، حاول سنحاريب عام 693 ق.م استغلال القلاقل والاضطرابات في عيلام، الا ان حلول فصل الشتاء حال دون اكمال مهمته، الا انه (بموشيزيب – مردوك) فاجئ عام (693 – 689) بسيطرته على مقاليد الحكم في بابل، وينهب كنوز( الايزاجيل) – معبد مردوك – ويقدمها ( اومان – مينانو) ملك عيلام لكسب وده وتوطيد صداقته، قام باهداء القسم الكبير من تلك الكنوز التي نهبها من معبد مردوك الى ملك عيلام..
في الحلقة اللاحقة نتحدث عن نتيجة هذا التقارب..
يعكوب ابونا ........................... 30 /4 /2026
________ المصادر ___________
1-ادي شير كلدو واثور ص101
مجلة الكتاب المقدس 501 – 520
ماسبيرو تاريخ الشعوب القديمة 273 – 320
مينان تاريخ ملوك اثور 214 – 230
واوبير كتابات سركونية اثورية 41 – 53
ورحلة في ما بين النهرين 297
اي بروستن بايك ، قصة الاثار الاشورية 105
2- جورج رو العراق القديم 426
3- هنري ساغس غظمة بابل 120
4-هنري ساغس عظمة بابل ص 122
5- هنري ساغس جبروت اشور 152
6- جورج رو 429
7- هنري ساغس جبروت اشور 152

