
حين يتزيّن الدينُ بلباس الفيزياء!
د. ادم عربي
تتطوّر الطبيعة وفق قوانينها الخاصة بها، وهي قوانين لا يمكن عزلها عن ذات الطبيعة أو عن الظواهر التي تخضع لهذا التطوّر. ولذلك، فإن حركة تطوّر الطبيعة لا تعتمد على أي قوى خارجية أو على عناصر غريبة عن ماهيتها، بل تنبع من داخلها نفسها ومن جنسها.
من حيث المفهوم، تُعد الطبيعة جزءاً من كل أشمل هو "الواقع الموضوعي". فهذا الواقع يضم كل ما يوجد خارج عقل الإنسان أو ذهنه، أي كل ما هو خارج دماغه، ويتميز بوجوده وتطوره المستقلين عنه.
لم تُقدم لنا الفيزياء يوماً ظاهرة طبيعية يستحيل تفسيرها تفسيراً فيزيائيا ًخالصاً، بعيداً عن أي خلط بالميتافيزيقا أو اللاهوت أو الدين. فكل ظاهرة نعجز عن فهمها اليوم إنما تمثل تحدياً يدعونا لاكتشاف قانونها الطبيعي الموضوعي. وهذه القوانين لا يصنعها الإنسان ولا يستطيع تغييرها أو إلغائها؛ إذ يقتصر دوره على كشفها وفهمها، ثم العمل بما ينسجم معها أو تجنّب ما يتعارض معها، بل وتسخيرها، قدر الإمكان، لتحقيق ما يريد من نتائج. كما أنَّ وجود هذه القوانين وعملها لا يتوقفان على معرفتنا بها؛ فكثير من القوانين الطبيعية تؤثر فينا بالفعل، رغم أننا لا نعلم عنها شيئاً.
في الأزمنة القديمة، وقبل أن تتطور علوم الطبيعة وتُكتشف قوانينها، كان يُتصور أن الله يتولى إدارة كل تفاصيل العالم بشكل مباشر ومستمر. فقد نُسب إليه تحريك الكواكب والنجوم، وتسيير الشمس والقمر، وإرسال الرياح والغيوم، وإنزال المطر، بل وحتى إحداث الكوارث الطبيعية كالزلازل والبراكين والفيضانات والجفاف. كما اعتُقد أنه المسؤول عن الظواهر الفلكية كالخسوف والكسوف، وعن توجيه مجريات الحروب، فينصر جيشاً على آخر، ويمنح الملوك والأباطرة سلطاتهم. في هذا التصور القديم، لم يكن للطبيعة أي قدرة على الفعل بذاتها، بل كانت تُرى عاجزة عن إحداث أي شيء دون تدخّل خارجي.
وقفت العقائد الدينية في مواجهة فكرة "التطوّر الذاتي للطبيعة"؛ إذ تُصور الطبيعة، في هذا الإطار، على أنها عاجزة تماماً عن أن تتطور من تلقاء نفسها أو أن تكون سبباً لتطورها. لذلك يُفترض وجود خالق لكل شيء يتولّى بنفسه إحداث ما يراه الإنسان من ظواهر وأحداث في العالم، مستخدماً قواه الخاصة. وهكذا أصبح "الله"، أو ما يشابهه في التصور الديني، التفسير الشامل لكل ما لم يكن لدى البشر تفسير علمي له.
بعد صراع طويل وشاق بين الدين والعلم، ساهمتْ فيه اكتشافات علمية مهمة، اضطرّ الدين إلى الاعتراف بوجود قوانين طبيعية تحكم الظواهر وتفسرها. وقد بدا ذلك وكأنه يخفف عن الله عبء التدخل المباشر في كل تفاصيل العالم كما كان يُتصور سابقاً. ومع ذلك، حرص الفكر الديني على الإبقاء على صلة ما بين الله وهذه القوانين، فظهرت فكرة تقول إن الله هو من أوجد هذه القوانين وغرسها في الطبيعة. وظنّ أصحاب هذا التصور أنهم بذلك أنقذوا الدين من التراجع، لكنهم لم يقدموا جواباً واضحاً لسؤال جوهري: ما طبيعة هذه الطبيعة قبل أن تُزرع فيها تلك القوانين؟.
لاحظ رجل الدين سلكاً من النحاس يتمدد عند تعرضه للحرارة، فلم يعترض هذه المرة على وجود قانون تمدد المعادن بالحرارة أو عمله. لكنه أصرّ، بنبرة من يملك الحقيقة المطلقة، على أن الله هو من وضع هذا القانون داخل الطبيعة. ووفق تصوره، كان سلك النحاس موجوداً من قبل، لكنه لم يكن يتمدد بالحرارة، وكانت الحرارة موجودة أيضاً، لكنها لم تكن قادرة على إحداث هذا التمدد فيه.
اشتدّ الجدل بين رجل الدين والعالِم حول هذا الموضوع، ولما وجد الشيخ نفسه في موقف صعب، تراجع قليلاً وقدّم تفسيراً جديداً وكأنه تلقّى إلهاماً أو وحياً. فذهب إلى أن الله هو الذي خلق الطبيعة وخلق معها قوانينها، غير أن هذه القوانين لا تعمل بصورة مستقلة، بل تعمل ضمن هدف إلهي ووفق مخطط رباني محكم وسري. وبذلك تصبح الطبيعة، في تصوره، خاضعة لقوانينها التي بدورها تخضع لمشيئة الله وغاياته.
قبل رجل الدين، على مضض، تفسيراً يقول إن هذا المريض قد شُفي من مرضه بسبب تناوله هذا الدواء. لكنه سرعان ما عاد ليسأل، بنبرة من يظن أنه اكتشف الجواب الحاسم: من الذي جعل في هذا الدواء خاصية الشفاء لهذا المرض تحديداً؟ ثم أجاب هو نفسه مباشرة: إنه الله.
لم يعد رجل الدين يعترض على قانون تمدد المعادن بالحرارة، لكنه بدأ يتساءل: أليس الله هو من جعل الحرارة سبباً لتمدد المعدن، وجعل المعدن قابلاً لهذا التمدد أصلاً؟ أليس هو أيضاً من خلق القط ليصطاد الفأر، وخلق الفأر ليكون فريسة للقط؟ ووفق هذا التصور، لولا هذه "الإرادة الإلهية" لما كان لسلك النحاس عند تسخينه أن يتمدد، بل ربما تحول إلى شيء آخر كـ "سمكة" أو حتى "نص شعري "! وانطلاقاً من هذه الفكرة، يكتب بعض الأطباء عندنا في عياداتهم: من الطبيب التشخيص والعلاج، ومن الله الشفاء.
المبدأ الذي يلتزم به رجل الدين باستمرار هو البحث الدائم، دون ملل أو حرج، عن ما يظنه "ثغرة" في جدار العلم، رغم أنها لا تكون في الحقيقة ثغرة. ومن خلالها يحاول إدخال التفسيرات الدينية وتمريرها إلى مجال الفيزياء المحصن. وهكذا تصبح "العلة الفيزيائية" دائماً موضع محاولة لإحالتها إلى علة أعمق، يُنسب إليها سبب الوجود والتأثير، وهي كائن يُفترض أنه غير محتاج في وجوده أو عمله إلى أي علة أخرى.
رجل الدين لا يتوقف عن محاولة إيجاد نقطة ضعف أو فراغ في تفسير العلم للظواهر الطبيعية، حتى لو لم يكن هذا الفراغ حقيقياً. فإذا وجد ظاهرة يفسرها العلم بسبب طبيعي (سبب فيزيائي)، يحاول أنْ يقول" هذا السبب نفسه يحتاج إلى سبب أعمق".
وبهذا الشكل، لا يقبل أنْ تكون الظواهر الطبيعية ناتجة فقط عن قوانين الطبيعة، بلْ يحاول دائماً إرجاعها إلى سبب أعلى خارج هذه القوانين، وهو كائن لا يحتاج بدوره إلى سبب لوجوده أو عمله.
