ما تكون فوائد الانضمام الى منظمة التجارة العالمية؟

سعد السعيدي

 

 

من خبر في صحيفة الصباح لشهر شباط الماضي اطلعنا على خبر مقلق للغاية. هذا الخبر قال بمواصلة العراق لتحضيراته لاستكمال مسار الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، في خطوة تعكس سعيه إلى تعزيز اندماجه في الاقتصاد العالمي وتهيئة بيئة أكثر استقراراً وجاذبية للاستثمار.

 

في تفاصيل الخبر وجدنا بضعة معلومات حول اوضاع العراق في مقدمتها استمرار اعتماده الكبير على القطاع النفطي كمصدر رئيس للإيرادات في ظل ضعف تنويع القاعدة الإنتاجية للاقتصاد الوطني. وايضا بان ثمة حاجة إلى تحديث المنظومة التشريعية في مجالات التجارة والاستثمار والدعم الحكومي بما ينسجم مع قواعد المنظمة اياها ويحد من اي تعارض محتمل مع التزاماتها. ويتظاهر الخبر بالتحذير بان من شروط الانضمام إلى المنظمة اياها هو التخفيض التدريجي للحواجز الكمركية، ما يفرض تحديات على المنتجين المحليين خصوصاً في القطاع الزراعي. ثم يليه كلاما غير واضحا حول ضرورة أن يكون الدعم الزراعي موجهاً ومنظماً وفق أطر قانونية واضحة، بما يسهم في رفع كفاءة الإنتاج وتحسين الجودة وتعزيز القدرة التنافسية.

 

قلنا بان الخبر يتظاهر وذلك لكونه لم يوضح كل الحقائق. من هذه هو ما ذكر في بدايته في ما يسمى بالاندماج دون ان يوضح اكثر. إن ما يقصد به هو الاندماج الاقتصادي في النظام العالمي عبر منظمة التجارة العالمية.اي دمج اقتصاد الدولة الوطني في الاقتصاد العالمي من خلال تبني سياسات تجارية واقتصادية مفتوحة تتوافق مع قواعد هذه المنظمة العالمية. وعملية توحيد السياسات الاقتصادية بين دول مختلفة التي تتحقق من خلال إزالة القيود التجارية والكمركية، هو ما سيسهل حسب هذه المنظمة حركة السلع والخدمات ورؤوس الأموال والعمالة عبر الحدود. يهدف هذا المسار ايضا حسب هذه المنظمة إلى تعزيز النمو الاقتصادي، وزيادة كفاءة الأسواق، وتقوية الروابط السياسية والاجتماعية بين الدول الأعضاء. ولم يوضح الخبر كيف يمكن ان تساهم هذه الاهداف بتحقيق نتائج ايجابية لكل الدول دون تمييز.

 

إن تخفيض أو إزالة العوائق الكمركية بين الدول الأعضاء كما ذكرنا اعلاه والذي يسمى بتحرير التجارة، هو ابرز جوانب هذا الاندماج. ومعه يأتي تطبيق قواعد موحدة كالامتثال للاتفاقيات الدولية التي تنظم التجارة مما يضمن المنافسة العادلة حسب هذه المنظمة وعدم التمييز بين المنتجات المحلية والأجنبية. وهناك ايضا امر الاصلاح الاقتصادي الذي يعنيتحديث القوانين والتشريعات الاقتصادية المحلية لتتماشى مع اقتصاد السوق. هذا الاقتصاد الذي يعني قيام اطرافا لوحدها من خارج البلد بفرض الاسعار. اي انه باختصار عملية تكييف الاقتصاد الوطني مع قواعد العولمة التي تقودها منظمة التجارة العالمية. من بين ما وجدناه من خلال البحث حول هذه المنظمة هو ان الحكومات تستخدمها بهدف وضع القواعد التي تحكم التجارة الدولية ومراجعتها وتنفيذها. وإن من يصدر قراراتها هي هيئتها العليا المتمثلة بالمؤتمر الوزاري الذي يتألف من جميع الدول الأعضاء ال 164 التي تمثل ما يزيد عن 98% من التجارة العالمية. في هذا المؤتمر يشدد على أهمية الإجماع في كل القرارات التي يتخذها. ويمكن بسهولة الحدس من خلال هذا التعريف انه بالحكومات يعني الدول الرأسمالية المتقدمة. ولما يكون التشديد على الاجماع في القرارات التي تتخذها المنظمة فانه لابد من ان يفهم منه اننا كاعضاء لن نستطيع الاعتراض على اي شيء ستقرره تلك الحكومات الاقوى تماشيا مع ما ذكرناه اعلاه. بكلام آخر سيكون الامر مرادفا سواء شئنا ام ابينا لبيع البلد للاجانب.

 

نقول نحن باننا لا نريد التورط بشيء اسمه الاندماج في النظام العالمي حيث ان نتائجه على استقلالنا الاقتصادي ومعه الاستقلال السياسي غير واضحة وحيث نرى نشر اخبارا مجتزئة بشأنه من قبل من بادر في بلدنا الى الدخول في مفاوضات الانضمام الى هذه المنظمة. وهذا الاجتزاء او التعتيم على المعلومات يضع كل الاخبار المنشورة بشأن المفاوضات وسيرها في مصاف الكذب والتضليل. وإلا فالسؤال الذي سيفرض نفسه هنا وبقوة هو كيف سنستطيع حماية منتجاتنا المحلية مع خفض وربما إلغاء الحواجز الكمركية كما تفرضه شروط هذه المنظمة التي يتوجب علينا الموافقة على قراراتها بالاجماع ؟ بل من قال باننا كمواطنين سنقبل بوضع منتجاتنا المحلية على قدم المساواة مع الاجنبية وعدم التمييز بينهما فيما يسمى بتحرير التجارة ؟ إذ ان إلغاء الحواجز الكمركية يعني ايضا إلغاء دور مجلس النواب وتحويله الى تابع يبصم على قرارات تفرض من الخارج.

 

ولابد لنا ايضا من معرفة ما سيجري لنا عند حصول ازمة عالمية مثلا. إذ اننا نتوقع قيام الدول الكبرى الاقوى بفرض سياسات على الدول الاضعف لتبني اجراءات تراعي مصالح تلك الدول اولا. من هذه ومع كون بلدنا احد المنتجين المؤثرين، المساهمة بتخفيض اسعار النفط مثلا او الاستيراد المنفلت من الدولة المأزومة لانقاذ شركاتها واقتصادها على حساب المصلحة الوطنية، قطعا باسعار تفرضها شركات تلك الدول، او كلتي هذه السياسات معا. وهو ما سيجري بوجود حالة اعتماد الدولة الاضعف على الدعم السياسي للدولة او الدول الاقوى. اي اننا في حالتنا سيجري استخدامنا كمظلة هبوط لانقاذ اقتصاد الدولة الكبرى الذي تعرض للازمة لتخفيف آثار الصدمة عليه، واننا سنسحب في الواقع او الاصح سيجري جرجرتنا نحو الهاوية التي سقطت بها دول الأزمة. غير هذا ما الذي سيضمن لنا عدم سقوطنا في حبائل مصالح الدول الاقوى حتى من دون ازمة ؟ انها امور كما يرى غير مقبولة بالمطلق.

 

إنه ليس من دون دلالة ملاحظة تجنب النظام البعثي السابق من الانضمام الى منظمة التجارة هذه نظرا لكونه وعلى عكس الحالي لم يرى من فوائد تبرر الانضمام اليها وهي التي تسيطر عليها الدول الكبرى، على العكس.

 

لذلك نقول انه الى ان يتم توضيح كل الامور المبهمة المذكورة اعلاه نطالب بايقاف مفاوضات الانضمام الى هذه المنظمة المشبوهة. وحتى تجنب الامرتماما.