
تاريخٌ نضاليٌّ عصيٌّ على التزييف
محمد علي الشبيبي
السويد
للشيوعيين العراقيين مواقف شجاعة، لم تكن وليدة الصدفة، بل نبعت من إصرارٍ عميق وإيمانٍ راسخ بمنهاج الحزب ومبادئه. لقد سطروا ملاحم بطولية وهم يواجهون أجهزة "التحقيقات الجنائية[1]" بصمود قلّ نظيره. إنني أرى من الواجب الوطني والتاريخي نقل هذه التجارب إلى أجيالنا الحالية لتحقيق الأهداف التالية:
1- أن هذه "السردية التاريخية" لدور الرعيل الأول من الشيوعيين، تبرز الحزب الشيوعي كجزء أصيل من نسيج الوطن ومدافعا صلبا عن مصالحه، وهذا يمنح الشيوعيين زخماً ثورياً في نضالهم، كما يزيد من شعبيتهم وقدرتهم على إقناع الجماهير ببرنامجهم السياسي.
2- يكون درساً ثورياً تستلهم منه الأجيال المتعاقبة العبر والدروس، وبدون هذا الاستلهام ودراسته تراوح الحركة مكانها، بل قد تتراجع عن مواكبة التطورات.
3- دراسة النشاطات الوطنية القديمة تساعد في صياغة هوية واضحة للأعضاء، مما يخلق شعوراً بالانتماء والفخر بجذور الحركة وتضحياتها، وهذا يساهم في تماسك الصف الداخلي.
4- إنها رد موثق على محاولات تزوير التاريخ التي تسعى لتجميل العهد الملكي عبر غض الطرف عن جرائمه بحق الشعب ومناضليه، وعبر القفز على دور التحقيقات الجنائية في ممارسة أساليبها القذرة في محاربة كل صوت وطني.
5- دراسة هذا التاريخ البطولي يضمن انتقال "الذاكرة التنظيمية" من الرعيل الأول الى الأجيال الحالية الشابة، لضمان عدم حدوث قطيعة معرفية أو انحراف عن المبادئ الأساسية التي قامت عليها الحركة الشيوعية.
إفادة يوسف منشي، صمودٌ تحت وطأة الإرهاب:
ما أنشره اليوم هو إفادة المتهم "يوسف منشي يوسف زلوف"، أحد أعضاء محلية البصرة عام 1948، في فترة مسؤولية الخائن "مالك سيف" عن المركز في بغداد. اعتُقل يوسف منشي بُعيد اعتقال مالك سيف. اختارته التحقيقات الجنائية واحد من ثلاثة شهود حاول الادعاء الاعتماد عليهم بشهادتهم ضد قادة الحزب في محاكمة فهد الثانية يوم 10 شباط 1949 أمام "المجلس العرفي العسكري الأول" برئاسة العقيد عبد الله رفعت النعساني. هذه الإفادة مسجلة نصا في الموسوعة السرية (ص 117-131)، أدلى بها كاعتراف منه أمام التحقيقات الجنائية.
وعلى الرغم من اعتراف "يوسف منشي" تحت وطأة التعذيب الوحشي على أيدي جلاوزة "بهجت العطية"، إلا أننا نجد في اعترافه -مثل آخرين غيره- دفاعاً صلباً وواعياً عن انتمائه الحزبي ونشاطه الوطني، ويعكس قناعة وإيماناً ظلا يسيطران على تفكيره حتى في أحلك الظروف وفي جو إرهابي كان يمارسه جلاوزة التحقيقات الجنائية عليه. وظل يوسف منشي متمسكاً بالدفاع عن الفكرة الشيوعية، بل وحول إفادته إلى "بيان سياسي" يشرح فيه أهداف الحزب وشرعيته.
وجاء اعترافه نتيجة انهيار يهودا صديق وخيانة مالك سيف وبعض أعضاء لجنته -جاسم حمودي- حيث أضطر "يوسف منشي" الى تأييد اعترافاتهم وعدم التمادي في كشف بقية أسرار التنظيم وهذا ملاحظ من إفادته المفصلة. وعند الاطلاع على مقتطفات من إفادته المنشورة أدناه، سيتبادر للقارئ سؤالٌ جوهري: هل يعقل أن هذا المناضل وبعد هذه المقدمة من إفادته -البيان السياسي- سيكون فعلا شاهدا ضد فهد ورفيقيه!؟ وهل اختيار التحقيقات الجنائية له كشاهد هو اختيار موفق!؟ الجواب يكمن في عجز التحقيقات الجنائية من إيجاد شهود إثبات أذلاء وخونة مثل مالك سيف ضد قادة الحزب، فمارس حاكم تحقيق الإدارة العرفية بمديرية التحقيقات الجنائية وكذلك إدارة المحكمة العرفية هذه الخديعة بتقديم يوسف منشي كشاهد، والتظاهر بجمعهم الأدلة والشهود ضد "فهد" ورفيقيه. ولكن وكما يظهر من جلسة المحاكمة (السرية للغاية) أنهم لم يكونوا واثقين لا من صمود الشهود ولا حتى من الشهادات أمام دفاع المتهمين -فهد ورفيقيه-. لذلك لم تجرؤ مديرية التحقيقات الجنائية ولا رئاسة محكمة النعساني على مواجهة الشهود بالمتهمين حتى في جلستها السرية والخاطفة، بل اكتفت المحكمة -رغم سريتها المطلقة- بقراءة الإفادات المكتوبة سلفاً على المتهمين كدليل إدانة! ومنعت قادة الحزب تماماً من مناقشة تلك الإفادات -الشهادات-، بل وصل القمع بالنعساني إلى حد إجبار المتهمين على الإجابة بـ "نعم" أو "لا" فقط[2]، في سياسة ممنهجة لقتل أي منطق دفاعي.
نهج قمعي متوارث هذا السلوك لم يكن غريباً على المحاكم الملكية التي كان تحاكم الوطنيين بسبب أفكارهم ونشاطاتهم الوطنية المعارضة للحكم، فقد سبق ومورسفي محاكمة "فهد" الأولى (أيار-حزيران 1947) أمام الحاكم عبد العزيز الخياط (المعروف بعبد العزيز الأعرج)، الذي ضاق ذرعاً بمنطق "فهد" ورفاقه، فحوّل الجلسات إلى سرية، وخاطب المتهم "موشي كوهين" بحدة: (أسمع موشي، سأسألك سؤالاً تجيب عنه بنعم أو لا فقط، ولا أسمح لك بغير ذلك) [3]، وفعل هذا مع بقية المتهمين!
إن هذا الأسلوب القمعي المتمثل في حرمان المتهم من طرح دفاعه، وحصره في خيارات ضيقة للإجابة بـ "نعم" أو "لا" فقط، هو ذاته النهج الذي مارسه القاضي النعساني في محاكمة "فهد" الثانية يوم 10 شباط 1949. وقد وثّق والدي "علي الشبيبي" ذلك في إحدى مخطوطاته التي اطلعتُ عليها صيف عام 1962 إبان إبعاده القسري، نقلاً عن المناضلة "الن يوسف"[4]، التي حُوكمت في القضية ذاتها ونالت حكماً بالسجن لسبع سنوات. باعتبارها شاهدة عيان، نقلت لعائلتنا تفاصيل تلك الأجواء التعسفية في محكمة النعساني، حيث افتقرت الجلسات لأبسط معايير العدالة، من تغييب للمحامين والشهود، وقمعٍ لأي محاولة لمناقشة التهم، وصولاً إلى إصدار أحكام الإعدام في جلسة صورية واحدة لم تستغرق سوى ساعات معدودة.
أنقل لكم هنا ما ورد في الموسوعة السرية[5] حول موقف "يوسف منشي" في إفادته الأولى المفصلة أمام التحقيقات الجنائية. حيث عبر فيها بصدق عن دوافع انتمائه وأهداف الحزب الشيوعي، ودور "حزب التحرر الوطني وعصبة مكافحة الصهيونية" في فضح المخططات الصهيونية. مع العلم أن هذه الإفادة تم الحصول عليها بعد وجبات من التعذيب الجسدي والنفسي الوحشي ولعدة أيامفي أقبية التحقيقات الجنائية السيئة الصيت، حتى وُجه باعترافات مالك سيف وربما آخرين، فأضطر أن يؤيد بعض الاعترافات وبحذر ويتمسك بحدود مسؤولياته التنظيمية المحدودة - باعتباره عضو محلية- وعدم كشف الاسرار التي لم تكشف بعد.
أدناه أهم النصوص التي أخترتها من إفادة يوسف منشي زلوف المفصلة أمام التحقيقات الجنائية من الموسوعة -وضعتها بين أقواس وأشرت بجانبها الى رقم الصفحة-، وقد وضعت خطوطا تحت الجمل المهمة وهي ليست في الأصل، ويمكن للقارئ الكريم أن يطلع على كامل إفادته وهي مدونة في الموسوعة صفحة (117-131):
[وقد بدأت اثر وقوع "الفرهود" ضد اليهود عام 1941 أتحسس بفائدة وجود تضامن بين الطوائف الدينية التي تؤلف شعبنا العراقي لكي يعود هذا الى التآخي والسلام بالفائدة على مجموع الشعب. كما بدأت أكره الاستعمار الذي يثير مثل هذه الفروق مستعينا على ذلك بخلق الصهيونية وسندها وتقويتها كي تساعد على تحقيق هدفه هذا. لهذا عندما زاد احساسي بهذه الأمور شعرت بضرورة العمل المنظم من أجلها فكان الحزب الشيوعي العراقي السري حينذاك المنظمة الوحيدة العاملة في هذا الحقل أي افهام الشعب ضرورة الكفاح ضد الاستعمار. وضرورة سيادة المساواة في حقوق الطوائف والقوميات وسيادة الديمقراطية بينها .... وقد يوجه سؤال حول سبب قبولنا العمل ولو سريا في حين قد وضعت مادة في الدستور - في وقت طغيان الفاشية في العالم (المقصود قانون ذيل العقوبات البغدادي/ الكاتب) – تحرم ذلك. والجواب اننا كنا نوازن بين فوائد هذا العمل على الشعب وبين ضررها على أفرادنا. كما كنا نسعى في نفس الوقت من أجل فسح المجال لأن يكون هذا العمل مشروعا -ص117-] ....
[قام جماعة مؤلفة من افراد حزبيين ومن غيرهم بتقديم طلب لتأسيس عصبة مكافحة الصهيونية بغرض مكافحة الصهيونية بصورة منظمة بين اليهود وتبيان اختلافها عن اليهودية امام غير اليهود، وبذلك نشر التعاون الحقيقي بين الطوائف العراقية. لذلك دخلنا صفوف العصبة وكان ان انتخبت في هيئتها الإدارية في مؤتمرها الأول وكنا في نطاق العصبة نقوم ببعض النشاط الذي يتفق مع أهدافها مثل توضيح قضية فلسطين وفضح الصهيونية في الجريدة والاجتماعات والبيانات ...الخ
... في عام 1948 أرسلت الى البصرة حيث انضممت الى اللجنة المحلية فيها التي أذكر من أعمالها التنظيم الحزبي في الخلايا وتنظيم العمال والطلاب وقيامهم بنشاط نقابي لتطبيق قانون العمال وتحسين شروط عملهم والدفاع عن مصالحهم. كذلك الكفاح ضد معاهدة بورتسموث التي رفضها الشعب في المظاهرات وضد المجلس السابق الذي صدرت الإرادة الملكية بحله مؤخرا. وخوض الانتخابات الجديدة ببرنامج وطني ديمقراطي يتلخص بعدم ربط قطرنا بمعاهدات تضر بمصالحه وتطبيق الحريات الديمقراطية ومكافحة الغلاء وبحل قضية فلسطين بحيث تتخلص من الانتداب فتحصل على استقلالها ويسود فيها نظام ديمقراطي يكفل حقوقا متساوية لكافة المواطنين فيها. -ص 118-].
كانت التحقيقات الجنائية تحاول ان تشوه وتشكك بالحزب الشيوعي وتضع علامة استفهام على "مصادره المالية" فكان رد يوسف منشي واضحا على تخرصات التحقيقات الجنائية: [أما المالية فأنها جميعها ترد من الأعضاء والناس المؤازرين المتصلين بهم فكل عضو يدفع اشتراكا شهريا 1% ويضاف إليه تبرعا خاصا بعوائل المسجونين يقارب نصف الاشتراك وبالطبع أن مجموع الاشتراكات صغيرة لا تتجاوز 20 دينارا بسبب أن الأكثرية الساحقة من الأعضاء هم من طبقة الكادحين. وكذلك يجمع الحزب تبرعات من حين لآخر في مدة تقارب 3 أشهر من الأعضاء ومن المتصلين بهم من الناس ومجموع كل وجبة بين 20-30 دينار، وترسل جميع هذه النقود الى بغداد.... ونؤكد على ان لا صحة مطلقا لما نوصم به من استلام مبالغ من أية جهة كانت أجنبية أو داخلية -ص 119-].
وسؤل: كيف بدأ النشاط الحزبي بعد توقيف فهد وممن تألفت اللجنة المركزية؟
فأجاب بما يلي: [لما كان الحزب الشيوعي منبثقا ومستندا على جماهير وهو يدافع عنهم ويمثل مصالحها أولا، ولما كان مستندا في تأسيسه وتطوره على أسس علمية متقدمة (هي الماركسية) فكان من الطبيعي الا يؤثر توقيف فهد في وجود الحزب او عدمه. اذ الشيوعية في كل مكان ليست فكرة خيالية او حلم طوبائي يجول في مخيلة فيلسوف ولا يخرج عن نطاقها الا الى الفناء. بل حركة ناتجة عن الشكل الطبقي للنظام الاجتماعي ولا يمكن مطلقا ان تنقرض طالما يوجد استعمار ورأسمالية في الوجود ... وعليه كان تأثير توقيف "فهد" وقتيا اعقبه نشاط مجددا. -ص 120-]
وسؤل عن: المظاهرات والاضرابات والاحتجاجات؟
فأجاب: [للشعب العراقي بمختلف طبقاته ومراتبه مصالح وأهداف ومطامع يريد تحقيقها لتحسين أو ضاعه. وانه يبقى لمدة معينة ساكنا منتظر ان يبادر المسؤولون الى اصلاح أوضاعه وعندما يجد ان هذه الوسيلة لا تحقق ذلك يبدأ باللجوء الى وسائل إيجابية أخرى كالعرائض وهكذا تتطور هذه بدورها الى إضرابات ومظاهرات حين لا تجدي هذه العرائض ... هذه أمور حاصلة بصرف النظر عن تدخل أية هيئة سياسية أو اجتماعية لأنها نتيجة لحاجة مختلف طبقات الشعب الى تحسين أوضاعها.
أما الوثبة ومساهمة الحزب فيها وغايته من ذلك، فإنها ناتجة عن شدة التناقض بين ما تحتاجه جماهير الشعب من اصلاح من جهة وبين السياسة التي أتبعتها الحكومة حينذاك. ولا أعلم بالضبط مدى اشتراك الحزب فيها لابتعادي عن مركزها حينذاك. بل أني على يقين انه قد ساهم فيها بقسط كبير بسبب كون عمله في الأساس يكون بين الجماهير وبسبب كونه أشد الهيئات السياسية صلابة في معارضة المعاهدة الجديدة. أما غايته من هذه المساهمة فهي بالدرجة الأولى منع عقد هذه المعاهدة التي لا تتفق مع طلبه بإلغاء المعاهدة القديمة وأية اتفاقيات مشابهة كذلك اسقاط وزارة صالح جبر التي كانت تضغط على الاحزاب والحرية الصحفية والنقابية كما كانت لا تعلج وضع الخبز والغلاء -ص 120/121-].
وسؤل عن: حزب التحرر والعصبة والواقع لتأسيسهما والى أي حزب كان ينتسب المؤسسون؟
فأجاب: [الواقع لتأسيس حزب التحرر تدريب أكبر قسم ممكن من الشعب على التنظيم السياسي والعمل السياسي لغرض تحقيق أهدافه المذكورة في منهاجه. اما العصبة فغايتها الاكيدة مكافحة الصهيونية بين جماهير اليهود المخدوعة بها واشراكهم في العمل السياسي من جهة وإزالة التوتر الطائفي السائد حينذاك عن طريق افهام الشعب الفرق بين الصهيونية واليهودية من جهة أخرى. أما أن الحزب الشيوعي يساهم فيهماأو يستفاد منها فهذا ناتج في الأساس عن اتفاق اهدافهما مع قسم من أهدافه فالأول يتفق مع هدفه في الغاء المعاهدة واجلاء الجيوش ونشر الحريات الديمقراطية وإصلاح أوضاع الشعب. والثانية تتفق مع هدفه في مكافحة كافة اشكال العنصرية (والصهيونية احداها) والحركات الرامية الى بذر الكراهية بين شعب وآخر. اما عن انتساب المؤسسين فهذا ما لا اعلمه بالضبط لبعدي عن المراكز الحزبية -ص 121-]
وسؤل عن الهدف في تشكيل النقابات: القاعدة من ايجاد النقابات «وارتكاز الحزب عليها»؟
أجاب: [ان للعمال حقوقا ومصالح اقتصادية معينة لا يمكن تطمينها الا بوجود منظمات (نقابات) تعمل على تحصيلها لهم فتكون أهدافها محض تحصيل حقوقهم الاقتصادية وحل مشاكلهم المتعلقة بذلك. فالنقابات توجد حتى وإن لم يكن في البلد المعين حزب شيوعي أو حزب على الاطلاق (مثل نقابات العمال البريطانيين منظمات الكلد في بدء النهضة الصناعية) فلا يمكن القول ان النقابات منظمات شيوعية. أما مسألة ارتكاز الحزب عليها فهذا ناتج عن تغلغله بين العمال وتوجيههم لحل مشاكلهم وحقوقهم (التي تكون الاقتصادية من ضمنها) وتحقيق هدفه في تنظيم أكبر قسم ممكن من الشعب.
وسؤال عن سبب الاهتمام بعمال السكك والميناء: السكك، والميناء ونقاباتهما وتنظيمهما؟
أجاب: عمال هذين المشروعين الكبيرين كأي مشروع صناعي يحتاجون الى تنظيمهم في نقابات كما سبق أن ذكرنا وان كادر النقابات ليس شيوعيا حقا، كذلك يصح القول عن اعضائها وتنظيمها يجرى مباشر من قبل هيئاتها الرسمية وإذا كان للحزب أعضاء في المشروع فعادة ينتظمون بمنظمات خاصة تسمى (نظام الفراكسيون[6]) أما سبب التفاف العمال حول شعارات الحزب الشيوعي فذلك لان حقوق العمال ومصالحهم لا يجرى ضمانها الان ومطالبهم لا تستجاب الا بعد أن يتبعوا خطط الحزب الشيوعي وان تنظيم كل من هذين المشروعين يجرى داخل لوائه مباشرة. أما الأخبار التي تنشر في القاعدة فتأتى عن نفس الصلة بين الفروع والمركز كسائر الأخبار الأخرى -ص 122-].
حول مراسلات قادة الحزب من سجن الكوت:
كانت التحقيقات الجنائية تبحث عن شهود يؤيدون ما جاء بأقوال وشهادة مالك سيف حيث ذكر في اعترافه أمام التحقيقات الجنائية بأن"الن يوسف" كانت تنقل الرسائل الحزبية -الموسوعة ص 21-. وأكد اعترافه هذا في شهادته أمام حاكم تحقيق الإدارة العرفية بمديرية التحقيقات الجنائية بخصوص مراسلات قادة الحزب من سجن الكوت الى المركز في بغداد، فأفاد بما يلي: [... وكانت تلك الرسائل قد كتبت (بماء البصل) وأرسلت بواسطة عوائل السجناء وأخصهم بالذكر ايلين يوسف (زوجة ابراهيم ناجي شميل) وعائلة أخ علي شكر السجين وكنت استلمها بواسطة مراسل الحزب (هادي عبد الرضا) وبواسطة يوسف زلوف احيانا وأرسلها الى وكر مطبعة القاعدة ليستنسخها حساني علي .... -الموسوعة ص 272-]. في هذه الشهادة إتهام واضح لكل من "الن يوسف" -زوجة إبراهيم ناجي شميل- و "رضية لطيف شكر" -عائلة أخ علي شكر- بأنهن قمن بنقل رسائل قادة الحزب من سجن الكوت الى المركز في بغداد. لذلك وجهت التحقيقات الجنائية ليوسف منشي سؤلا له:كيف الاتصال الان مع فهد وزكي والشبيبي؟
كانت التحقيقات الجنائية تبحث على شهود آخرين ليؤكدوا صحة إدعاء مالك سيف بمراسلة قادة الحزب من سجن الكوت للمركز في بغداد. وحسب إفادة مالك أن من يعلم بهذه المراسلات الحزبية لفهد ويمكنه أن يكون شاهد إثبات ويؤكد صحة إفادته هم كل من: (الن يوسف، عائلة أخ علي شكر"رضية لطيف شكر"[7]، مراسل الحزب هادي عبد الرضا،ويوسف منشي زلوف).
من خلال مراجعتي لما نشر في الموسوعة حول قضية فهد وخاصة مسألة نقل المراسلات، وجدت أن التحقيقات الجنائية لم تطلب من هادي عبد الرضا، المراسل لمالك سيف والذي أعتقل مع يهودا، تقديم شهادته بالرغم من إفادة مالك سيف كما ذكر أعلاه، ولم أجد أية إفادة له منشورة في الموسوعة! مع العلم قد صدر عليه حكم بـعشر سنوات -الموسوعة ص 910-. ويظهر أن إفادته لم تكن لصالح التحقيقات الجنائية لتجعل منه شاهد إثبات، إضافة لعدم توفر دليل مادي على فعله هذا.
أما بالنسبة لرضية لطيف شكر، فهي الأخرى لم أجد لها أية إفادة وتم الافراج عنها! حيث جاء بأمر الإحالة الرقم ق. ق. ع -6-73 الملاحظة التالية: (نظرا لعدم كفاية الأدلة ضد المتهمين 1- لطيفة شكر -الصحيح رضية لطيف شكر/الكاتب-. 2-سيد جعفر لذلك قررنا الافراج عنهما وإلغاء الكفالتين المأخوذة منهما -الموسوعة ص 916-)، وهنا أيضا سقط اسم رضية كشاهد إثبات، والسبب بالتأكيد عدم اعترافها وعدم توفر أي دليل مادي على أنها ناقلة للمراسلات بين قادة الحزب في سجن الكوت والمركز في بغداد.
وبالنسبة لـ "الن يوسف" ووفق ما دونه والدي "علي الشبيبي" في مخطوطته نقلا عن الن يوسف، أنها تعرضت لضغوط نفسية وتهديدات من قبل التحقيقات الجنائية، وساومتها أجهزة التحقيقات الجنائية بين تبرئتها والافراج عنها مقابل تأكيد اعتراف مالك سيف، أو تقديمها للمحاكمة وسجنها إذا رفضت تأكيد اعتراف مالك سيف. ففضلت السجن على خيانة الحزب، فحكم عليها بسبع سنوات! ولذلك أبعدت عن أن تكون شاهد إثبات وقُدمت كمتهمة. ولتكن الصورة واضحة للقارئ الكريم عن مدى تلاعب التحقيقات ومحكمة النعساني بالإفادات وأقوال الشهود لتحويلها لأدلة إدانة. إليكم مقتطفات من افادتها، المتعلقة بردها على نقل الرسائل، المدونة امام المحقق بمديرية التحقيقات الجنائية المنشورة في الموسوعة صفحة 291:
[وان زياراتي هذه كانت وفق الأصول المتبع لدى دوائر السجن بمقابلة المسجونين لأهلهم وأقاربهم حيث قبل مواجهتي اراجع مدير السجن هناك ويرفق صحبتي أحد المحافظين وبعد ذلك نجري المواجهة والمقابلة بيني وبين زوجي بحضور المحافظ. ان ادارة السجن تفتش عادة الأشياء التي يحملها ذوي المسجونين قبل المواجهة]. ووجهت لها الأسئلة ادناه، ومعظمها متعلقة بنقل المراسلات وعلاقتها بمسؤولي المركز:
[س1- هل سبق لأحد وأرسل صحبتك رسالة من بغداد الى يوسف سلمان يوسف الملقب (فهد) او الى زكي بسيم او الى حسين الشبيبي او الى اي شخص آخر من المسجونين الشيوعيين الموجودين الآن مع زوجك في سجول الكوت؟
ج – کلا.
س2 - هل تعرفين الشخص المدعو حوري ومئير كوهين الملقب (جوزيف) وهل ان المذكورين استلما منك رسائل كنت قد استلمتيها من (فهد) او من غيره من المسجونين في سجن الكوت؟
ج - انني عندما كنت اقابل زوجي في السجن بحضور المسجونين هناك طبعاً وكان بعض المسجونين يكلفوني بإيصال رسائلهم الى ذويهم في بغداد وان هذه السائل كانت تعرض على مأمور السجن قبل استلامي اياها وقد كان المأمور يشرح على كل رسالة كلمة (لوحظ) وقد اخذت مرة من احد المسجونين يعقوب فرايم سحيق وهو ابن خالتي رسالة الى والدته وكتاب آخر من روبين لا اعرف اسم ابيه الى والدته التي لا اعرف اسمها وانها تسكن في قمبر علي وانني لم استلم اية رسالة كانت من فهد او زكي بسيم او حسين الشبيبي او اي شخص آخر عدا اللذين ذكرتهما آنفا اما الياهو حوري ومئير كوهين الذين سألتموني عنهما فلا اعرفهما ولم استلم منها او اسلم اليهما اية رسالة كانت.
س3 - هل تعرفين يهودا صديق ومالك سيف؟
ج - لا اعرفهم.
س4 - هل كنت تعلمين بان (فهد) ورفقائه كانوا يتصلون بمنظماتهم الشيوعية في بغداد بواسطة رسائل تكتب بالحبر السري (ماء البصل) وترسل بواسطة عوائل السجناء المحكومين معهم في سجن الكوت.
ج – کلا]
من هذه الإفادة أعلاه نفهم أن أحد الناقلين الرئيسيين "الن يوسف" لرسائل فهد حسب إدعاء مالك سيف نفى القيام أو العلم بهذا العمل، ورفضت الانصياع لمساومة التحقيقات الجنائية، وبذلك سقط شاهد مهم وأساسي كانت تأمل التحقيقات الجنائية في أن يكون شاهد إثبات.
لم يتبق للتحقيقات الجنائية سوى الضغط على"يوسف منشي"للحصول منه على شهادة إثبات. ومن مجموع إفادة يوسف منشي المطولة أمام التحقيقات الجنائية والمنشورة في الموسوعة (ص 117-131) والتي تناولت بعض فقراتها اعلاه، أختصر حاكم تحقيق الإدارة العرفية بمديرية التحقيقات الجنائية شهادته بالأسطر أدناه -الموسوعة ص 275-:
[سؤال: ماذا تعرف عن الرسائل والتعليمات التي كانت ترسل من قبل يوسف سلمان يوسف (الملقب فهد) وعضوي مكتبه السياسي زكي بسيم وحسين محمد الشبيبي من سجنهم في الكوت. وكيف كانت ترد هذه الرسائل؟ أذكر ذلك مفصلا.
أجاب: بعد مضي أربعة أشهر من سجن فهد وزكي بسيم وحسين الشبيبي. اوصاني مالك سيفبأن رسالة ستسلمني إياها (أيلين يوسف - زوجة ابراهيم ناجي شميل المحكوم مع فهد-) وفعلا ان أيلين اتصلت معي تلفونياً وطلبت منى الحضور الى صيدلية جوري فشعرت بغايتها وذهبت الى الصيدلية المذكورة فوجدتني هناك وسلمتني رسالة مغلفة مع مبلغ قدره عشرة دنانير وطلبت إلي إيصالها. فأوصلتها الى مالك سيف ولم يقرأ الرسالة أمامي. أما العشرة دنانير فقد أخبرني مالك انها تبرعات للحزب جمعت من الأعضاء المسجونين في سجن الكوت. وهذه شهادتي.
توقيع الشاهد حاكم تحقيق الادارة العرفية
بمديرية التحقيقات الجنائية]
إن استحضار صمود يوسف منشي في وجه آلة القمع، وكشف زيف "العدالة" في محكمة النعساني، ليس مجرد استذكار لمأساة عابرة، بل هو ضرورة نضالية تمليها علينا التحديات الراهنة. فاليوم، ونحن نشهد محاولات محمومة لإعادة تسويق العهد الملكي وتبييض صفحته عبر طمس جرائمه وتغييب دور أجهزته القمعية، يصبح التمسك بهذه الحقائق الموثقة سلاحاً في معركة الوعي. إن صمود الرعيل الأول لم يكن بطولات فردية فحسب، بل كان تجسيداً لمنهج الحزب الذي نبت من آلام الفئات الكادحة ومظلومية الطوائف المهمشة، وبدراستنا لهذا التاريخ، نحمي أجيالنا الحالية من "القطيعة المعرفية" ونحصنهم ضد روايات التزييف التي تسعى لسلب الحركة الوطنية إرثها وتضحياتها.
الخلاصة: حسب اعتقادي المتواضع، مع الاستعانة بالمعلومات القانونية من الذكاء الاصطناعي لتوضيح الخلل القانوني في أحد التهم التي حكم بسببها قادة الحزب الشيوعي -فهد، زكي بسيم وحسين الشبيبي- بالإعدام. إن القانون الجنائي لا يمكنه إدانة فهد بإرسال تعليمات،لأن الادعاء عجز عن إيجاد دليل من أن الرسالة التي جلبها يوسف منشي من "الن" خرجت من يد فهد أو حتى من سجن الكوت. وبالنسبة لإفادة يوسف منشي فهو لم يذكر أسم "فهد" كمرسل أو أنها من سجن الكوت، بل ذكر "الن" كمصدر للرسالة. وهذه فجوة قانونية بين فهد (المصدر المفترض) وبين ناقل الرسالة. ويوسف منشي هنا لم يشهد ضد فهد، بل شهد على واقعة نقل مجهولة المصدر!يلاحظ أن محكمة النعساني قامت بما يسمى قانونا "التوليف الاستنتاجي"، وهذا واضح لأن مالك سيف -المستلم للرسائل-يدعي أن الرسالة من فهد،وهذا الاعتراف بالتأكيد لإرضاء المحققين أوبسبب الخوف والجبن اللذين سيطرا عليه بعد أن رأى ما أصاب يهودا من تعذيب وحشي. بينما يوسف منشي (الناقل من الن الى مالك) يشهد على عملية النقل دون تحديد المصدر.في حين الناقل الأساسي "الن يوسف" نفت نفيا قاطعا نقلها للمراسلات من فهد الى المركز. ولكن نجد أن حاكم التحقيق قام بلصق افادتي مالك سيف ويوسف منشي ليخرج بنتيجة أن الرسالة التي كانت بحوزة الن يوسف هي ذاتها الرسالة التي ادعى مالك سيف أنها من فهد! قانونياً: هذا الاستنتاج باطل!؟ لأنه لا يجوز تكميل نقص شهادة "يوسف منشي" بادعاء "مالك سيف" لتركيب تهمة على "فهد". لأن كل شهادة يجب أن تقوم على ساقيها أي تكون متكاملة الوضوح وتضع النقاط على الحروف. بما أن يوسف منشي لم يقل إن الرسالة من فهد، وبما أن أيلين نفت الواقعة أصلاً، فإن الدليل المتبقي ضد فهد هو "قول مالك سيف المنفرد". كما أن في القضاء المحايد لا تصلح "شهادة الشريك" -مالك سيف-، لأنه هو شريك لفهد في قيادة وتوجيه نشاط الحزب في المركز بغداد، ضد متهم آخر (فهد) للإدانة ما لم تؤيد بـ "بينة مستقلة". من الناحية القانونية الحيادية، إفادة يوسف منشي تبرئ فهد أكثر مما تدينه، لأنها أثبتت أن "الناقل -يوسف منشي-" نفسه لا يعرف مصدر الرسالة، مما يجعل ادعاء مالك سيف (بأنها من فهد) مجرد قول مرسل يفتقر للدليل المادي. المحكمة العرفية في ذلك الوقت قفزت فوق "تجهيل المصدر" في إفادة يوسف منشي، واعتبرت مجرد "وصول بريد من سجن الكوت" إدانة جماعية للقيادة، وهذا يمثل ذروة التعسف في استخدام الدليل الظرفي.
محمد علي الشبيبي
السويد 08-05-2026
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش:
[1] – (التحقيقات الجنائية) جهاز أمني سياسي بامتياز، أسسه الاحتلال البريطاني عام 1917 تحت غطاء "مكتب طبع الأصابع" بقيادة الميجور "ولكنز"،فهي مؤسسة بريطانية التأسيس. ورغم واجهتها الجنائية، إلا أن جوهر وظيفتها كان استخباراتياً لحماية المصالح البريطانية وتثبيت أركان النظام الملكي. مثّلت المؤسسة "الذراع الضاربة" في ملاحقة القوى الوطنية والديمقراطية، مع تركيز مكثف على الحركة الشيوعية بوصفها التهديد الأكبر للنفوذ الاستعماري. اعتمدت المؤسسة أساليب قمعية عنيفة لكسر إرادة المعارضين، مما جعلها رمزاً للاستبداد وعاملاً رئيساً في تراكم الاحتقان الشعبي الذي أفضى إلى ثورة 14 تموز 1958.
[2]- هذا ما دونه والدي "علي الشبيبي" في أحد مخطوطاته، نقلا عن الن يوسف "زوجة إبراهيم ناجي" التي كانت مع فهد ورفيقيه في نفس جلسة المحكمة كمتهمة وحكم عليها بسبع سنوات.
[3]- سالم عبيد النعمان (الحزب الشيوعي العراقي بقيادة فهد) الطبعة الاولى 2007.صفحة 238.
[4]-أختلف تدوين أسمها في الموسوعة مرة يكتب أيلين وأخرة الن، وسوف أعتمد الن. هي زوجة المناضل إبراهيم ناجي شميل الذي كُبس في داره "فهد" وزكي بسيم. اعترف عليها فقط الخائن مالك سيف بأنها كانت تنقل له رسائل "فهد" من سجن الكوت وبالعكس. كان هذا هو الاعتراف الوحيد عليها دون أي دليل مادي.
[5]- الموسوعة أو الموسوعة السرية المقصود بها (موسوعة سرية خاصة بالحزب الشيوعي العراقي السري) وهي عبارة عن مجلدين، المجلد الأول يضم الجزء الأول والثاني والثالث ويتألف من 784 صفحة، والمجلد الثاني يضم الجزء الرابع والخامس والسادس ويبدأ من صفحة 791 وينتهي بصفحة 1525. هذه الموسوعة أصدرتها الشرطة العامة شعبة مديرية التحقيقات الجنائية، بغداد عام 1949. طبعتها ونشرتها على دفعات على أمل الإساءة للحزب وتشويه صورته أمام الشعب، ولكن كان التأثير عكسيا إضافة لما قدمته من خدمة للحزب وأعضائه لمعرفة ما جرى من تحقيقات واعترافات، وما أن أحست التحقيقات الجنائية بخطئها هذا حتى تم سحبها من المكتبات وتوقفت عن إصدار المزيد. وبعد سقوط نظام صدام حسين بادرت دار النهضة العربية للطباعة والنشر والتوزيع في العراق/ بغداد، الى إصدارها بالمجلدين المذكورين.
[6]- المقصود بـ (نظام الفراكسيون) أن أعضاء الحزب الشيوعي في المؤسسات العمالية يشكلون تنظيم حزبي خاص بهم مستقل عن عمل ونشاط النقابة الخاصة بهم، ومن خلال تنظيمهم هذا يمارسون نشاطا مهنيا مدروسا لتفعيل نشاط النقابات وتوجيهها للدفاع عن مصالح العمال.
[7]-الاسم الصحيح هو "رضية لطيف شكر"، واحيانا يشار إليها في الموسوعة بعائلة شقيق علي شكر، او لطيفة شكر.
