للذهاب الى صفحة الكاتب   

علياء الأنصاري:

ساردة تكتب بالحبر وتعمل بالأمل

محمد علي محيي الدين

 

في مدينة الحلة، حيث تنبت الحكايات على ضفاف الفرات، ولدت علياء أحمد ميرزا محمد سنة 1971، لتكون فيما بعد صوتًا نسويًا لافتًا في عالم السرد العراقي، وصاحبة مشروع ثقافي واجتماعي لا يقل حضورًا عن نصوصها الروائية. لم تكن رحلتها إلى طهران للدراسة في جامعة آزادي عام 2005 سوى أول خيط في نسيج طويل من السعي المعرفي والاجتماعي، الذي تداخلت فيه الرواية مع النضال المدني، والكلمة مع الفعل.

 

منذ روايتها الأولى تذكرة سفر الصادرة في بيروت عام 1999، بدأ النقاد يلمحون مشروعًا سرديًا نسويًا ينمو بهدوء، ويختزن قلقًا وجوديًا واضحًا تجاه واقع المرأة، لا بوصفها كائنًا روائيًا فحسب، بل بوصفها إنسانًا يرزح تحت أعباء العنف الرمزي والمادي في مجتمع لا يكف عن تكرار خطاياه. وقد توالى نتاجها بعد ذلك، متنوعًا بين الرواية والقصة والمقالة السردية والنصوص القصيرة، حتى بلغت خمسة عشر مؤلفًا مطبوعًا، تراوحت بين التعبير عن هواجس الذات وتفكيك الخطابات الدينية والاجتماعية التي تحاصر المرأة.

 

لم تكن علياء الأنصاري أسيرة النزعة الفنية وحدها، بل كانت تحمل رؤيا واضحة لما يجب أن يكون عليه دور الكاتبة في مجتمع مأزوم. ففي غضب امرأة، وأنثى ليست للبيع، وإبرة حرير، يتبدى التزامها الأخلاقي والفكري في مناقشة المفاهيم الخاطئة التي ألقت بظلالها على النساء لقرون، حيث امتزج النص السردي مع الحس النقدي، فخرجت نصوصها محملة بقلق التغيير، لا الغواية الجمالية فحسب.

 

وقد أشار بعض النقاد إلى أن علياء الأنصاري تنتمي إلى التيار الواقعي الاجتماعي، لكنها لا تذوب فيه، بل تحمله نحو تخوم جديدة من التخييل والتأمل، كما في رواياتها عينا أم موسى وبصائر، حيث تتشابك الحكاية مع البعد الفلسفي والروحاني، لتنتج نصًا يُقرأ على أكثر من مستوى.

 

أما في وتكلمت الحياة، فقد اقتربت الأنصاري من سردية وجودية تنطق فيها الحياة ذاتها، متجاوزة شخصية البطل إلى تعميم التجربة، وكأنها تمارس كتابة واعية تحرر الإنسان من شرطه العابر، لتسكنه في المعنى الأكبر.

 

لم تكتف علياء الأنصاري بكتابة الرواية، بل امتد مشروعها ليشمل تأسيس منظمة "بنت الرافدين"، وهي من أبرز المنظمات النسوية في العراق، وقد نشطت في سبع محافظات، وتولت ملفي المرأة والطفولة من منطلق تنموي وتوعوي. كما أسست صحيفة نسوية عام 2005، كانت من أوائل الصحف التي تعنى بقضايا المرأة في عراق ما بعد التغيير، قبل أن تتحول إلى صحيفة إلكترونية عام 2015.

 

ولأن الفعل الميداني يعزز ما يكتبه القلم، أسست صندوق السنبلة للقرض الحسن عام 2006، ثم أطلقته من جديد بشكل موجه نحو تمكين النساء اقتصاديًا عام 2009. وما يزال الصندوق يعمل حتى اليوم، ليشكل رافدًا عمليًا لرؤيتها حول المرأة الفاعلة في صناعة الحياة، لا تلك المنتظرة على هامشها.

 

لم تمر تجربة علياء الأنصاري دون أن تثير جدلاً نقديًا. فبين من رأى فيها صوتًا نسويًا واعيًا يرتقي بالسرد إلى مستوى الالتزام الاجتماعي، وبين من تحفظ على لغتها المباشرة أحيانًا، تباينت القراءات. إلا أن أغلب النقاد اتفقوا على أن مشروعها يتكئ على خلفية ثقافية غنية، وعلى تجربة حياتية تفيض بالألم والمقاومة. وأشاد بعضهم بقدرتها على تنويع أشكال الكتابة من الرواية إلى المقالة النقدية، مثلما في كتابها إبرة حرير، الذي عده أحدهم "صفعة هادئة" لتصورات سائدة باسم الدين.

 

وقد كتب عنها عدد من النقاد في الصحف والمجلات العراقية والعربية، وظهرت مقالات تحليلية تناولت أثر نصوصها في الوعي الجمعي النسوي، خاصة في أوساط الناشطات والمثقفات الشابات. كما استخدمت بعض أعمالها في ورش تعليم الكتابة الإبداعية، لكونها تقدم نماذج قابلة للتحليل والمقارنة.

 

على خلاف بعض الأقلام التي حصرت النسوية في الشكوى أو التوثيق، سعت الأنصاري إلى بناء خطاب بديل، ينهض على تمكين النساء من أدوات التحليل والتفكيك، كما يتجلى في دليلها التدريبي حول مفاهيم العنف ضد المرأة، ودروسها في بناء السلام، والدعم النفسي، ومناهجها في تمكين الطفولة.

 

ولم يكن غريبًا أن تنال عضوية عدد من الشبكات والمنظمات العربية، مثل الشبكة العربية للنوع الاجتماعي (أنجد)، وشبكة "تم" للتنمية المستدامة، والمجلس العربي لإدارة التغيير، في تناغم واضح بين مشروعها الثقافي والإنساني.

 

علياء الأنصاري ليست كاتبة تروي فحسب، بل تُربي الأمل بين السطور، وتخيط بالحبر ثوبًا جديدًا لامرأة عراقية تنهض من بين الركام. إنّ تجربتها الممتدة على أكثر من عقدين، ما بين النص والميدان، تكشف عن طاقة نسوية خلاقة، ترى في الأدب أداة فعل وتغيير، لا ترفًا ثقافيًا. ولهذا ستبقى كتاباتها، ومؤسساتها، وصناديقها الصغيرة، شاهدة على امرأة آمنت أن التغيير يبدأ من القلم... ولا ينتهي عنده.