للذهاب الى صفحة الكاتب   

الصداقة والمصالح بين الغربيين النفعيين والشرقيين العاطفيين

علاء اللامي

كاتب عراقي

 

 قبل أيام قليلة شاهدت فيديو لوزير الخارجية الصيني وانغ يي قال فيه: "عند الغربيين مقولة تقول؛ لا توجد صداقات دائمة بل توجد مصالح دائمة" ويضيف، ونحن نقول "ينبغي أن تكون هناك صداقات دائمة لتتكون مصالح مشتركة".

تاريخيا تنسب المقولة الأولى (الغربية) إلى مؤسس البرغماتية (النفعية بنسختها الميكافيلية) الحديثة اللورد بالمرستون رئيس وزراء بريطانيا في ذروة صعودها الاستعماري الأسود والابادي في منتصف القرن التاسع عشر، عندما قال في البرلمان البريطاني عام 1848: "ليس لنا حلفاء دائمون، وليس لنا أعداء دائمون. مصالحنا هي الحلفاء والأعداء الدائمون، وواجبنا هو اتباع هذه المصالح". هذه المقولة الفجة والانانية تضع المداميك الاولى الممارساتية للفلسفة السياسية البرغماتية (النفعية أو الذرائعية) الغربية السائدة اليوم في العالم والبالغة ذروتها في عصر ترامب ونتنياهو وهي درجة تحقيق المصالح والهيمنة الامبراطورية بالقوة والتهديد بالابادة الجماعية وافناء شعوب وحضارات بكاملها. ومن اللافت حقا ان يكون المعنى التأسيسي لمصطلح (الامبراطور) في اللغة الاتينية  هو "القائد العسكري المنتصر"، ثم صارت الامبراطورية تعني في ما تعني الدولة الواسعة والامبراطور هو الآمر الناهي المنتصر، فقارن مع المقابل الجغرافي المحايد الشرقي للامبراطور كما تجلى في اللغة الاكدية في بلاد الرافدين وهو (ملك الجهات الاربع)، فالكلمة هنا خالية من معاني القوة والعسف والارغام كمصطلح.

أما مقولة الوزير الصيني، سليل التاو والمشاعيات الاسيوية القلبية، المعاكسة في الجوهر للمقولة الغربية، وبغض النظر عن الموقف السياسي المباشر من الصين ونظامها الذي ينسب نفسه إلى الاشتراكية الماركسية ونجاحاته الكبرى في البناء والتنمية والتحفظات التي تسجل عليه في مجالات عديدة، فهي تبقى تعكس الجوهر الأخلاقي الإنساني الشفيف والحميم لعلاقة الصداقة الدائمة لدى الشرقيين وحضاراتهم المثقفة المشوبة بالعاطفة النبيلة المستوعاة، هذا الجوهر الذي يُشتَرَط وجوده أولا لتقوم عليه شبكات المصالح والشراكات بين البشر الأصدقاء وليس بين التجار والمرابين المتنافسين الجشعين في المدنيات الغربية وريثة الامبراطورية الرومانية المقدسة الملقبة بمسلخ الشعوب.

حين يرفض الرأسمالي الغربي سواء كان تاجر عبيد وسلاح أو اجهزة الكترونية متطورة فهو لا يتحرك كانسان باني حضارة يفخر بصداقاته بل كمخلوق ربحي شائه يرى في العاطفة نقيصة فيراكم الذهب والمال فوق بعضه وكأنه سيأخذه معه الى القبر على طريقة الملوك المصريين القدماء ويبقى يراكمه ولو أدى ذلك إلى الحروب والمظالم والكوارث والاوبئة...

الفرق واضح وبسيط بين وانغ يي الشرقي الصيني المتجوهر بالمعاني النبيلة للصداقة والتاجر الغربي المتحجر والمثقل بالذهب والاسلحة الفتاكة بالمرستون.. الفرق واضح وبسيط بينهما ولكن ذوي الرؤوس المكعبة حتى من الشرقيين المازوخيين حضاريا من عَبَدة الغرب لا يستطيعون رؤيته بل وبعضهم لا يريد رؤيته.

أختم بالاشارة الى ان المقولات الجهوية من قبيل الشرقية والغربية ليست مطلقة وذات محتوى ثابت وشبه ميتافيزيقي بل هي خاضعة في النهاية لتراكمات التراث الطبقي الماضي ولواقع الحال الطبقي على المستوى العالمي ما يجعل الغرب غربَين والشرق شرقَين من حيث المحتوى التقدمي وعكسه الرجعي. ولكن الكلمة الأخيرة في التقييم النهائي تكون للمتراكم الطبقي شرقا وغربا في حين تفتقد المجتمعات الغربية لأي تراث مشاعي مساواتي مسالم تزدحم المجتمعات الجنوبية والشرقية بهذا النوع من التجارب ودليل ذلك نجده في ندرة أمثال غاندي أو قبله يسوع الفلسطيني في التاريخ الاوروبي الغربي ووفرة أمثال نيرون وهتلر ونتنياهو وترومان وموسيليني....الخ